في فبراير 2022 ظل المغرب خمسة أيام يتابع مصير الطفل ريان العالق في بئر ضيقة بقرية إغران بإقليم شفشاون. . كانت الجرافات تحفر، والمهندسون يخططون، ورجال الإنقاذ يواجهون صعوبة التضاريس، بينما تعلقت ملايين القلوب بأمل إخراجه حيا.. وحين أعلن عن وفاته مساء الخامس من فبراير لم يكن الحزن حزن أسرته وحدها، بل شعورا وطنيا بالفقد، كأن طفلا مجهولا في قرية نائية أصبح إبنا للجميع. .
وبعد ما يقارب خمس سنوات وعلى الطرف الآخر من الوطن، شهدت جماعة الدورة بإقليم طرفاية فاجعة أخرى.. فقد هاجمت كلاب ضالة طفلا صغيرا بالقرب من منزله، وانتزعت منه الحياة قبل أن تتاح له فرصة اكتشاف العالم.. لم تحظ الواقعة بعملية إنقاذ طويلة أو بتعبئة إعلامية واسعة، لكنها أعادت إلى الواجهة أسئلة حقيقية حول سلامة الفضاء العام، وجاهزية الخدمات الصحية والاستعجالية، وقدرة المؤسسات المحلية على حماية الأطفال. .
تختلف ظروف الوفاتين لكنهما تلتقيان في حقيقة واحدة: طفلان واجها خطرا يفوق قدرتهما على إدراكه أو مقاومته.. في إغران كان الخطر كامنا في بئر غير محمية، وفي الدورة كان الخطر يتحرك في الفضاء العام.. وفي الحالتين يطرح الموت سؤالا عن مسؤولية المؤسسات والمجتمع في الوقاية من الأخطار التي يمكن توقعها أو الحد منها. .
وتزداد فاجعة الدورة قسوة بحسب رواية الأسرة، لأن الطفل كان قد فقد والده قبل أربعة أشهر فقط، غير أن حقه في الحماية لا يرتبط بظروف أسرته وحدها؛ فحياة كل طفل تستحق الحماية، بصرف النظر عن مكان ولادته أو وضع أسرته أو قربه من مراكز القرار. .
لا يراد من استحضار مأساة ريان إقامة تماثل مصطنع بين حادثتين مختلفتين، ولا التشكيك في الجهود الاستثنائية التي بذلت لإنقاذه.. فقد أظهرت عملية الإنقاذ قدرة السلطات والوقاية المدنية والخبرات التقنية والمتطوعين على التعبئة والتنسيق في ظروف بالغة الصعوبة، كما عكست تضامنا وطنيا واسعا حول قدسية الحياة الإنسانية. .
لكن السؤال الأهم هو: لماذا لا تتحول هذه القدرة على التعبئة بعد وقوع الكارثة إلى سياسة دائمة للوقاية قبل وقوعها؟ فالمجتمع الذي يستطيع تحريك الجرافات والخبراء والآليات لإنقاذ طفل من عمق عشرات الأمتار، يستطيع من حيث المبدأ بناء منظومة ترصد الأخطار المحيطة بالأطفال وتحد منها. . والغاية ليست أن تتحول كل فاجعة إلى عملية إنقاذ وطنية، بل ألا يحتاج المواطن إلى مأساة استثنائية حتى يشعر بأن حياته أولوية. .
إن أخطر ما في فاجعة الدورة ليس فقط هجوم الكلاب الضالة، بل احتمال أن تكون شروط الخطر قائمة قبل الحادث دون أن تواجه بتدابير كافية.. فالكلاب الضالة لا تظهر فجأة، ومخاطر الفضاء العام لا تبدأ لحظة وقوع الاعتداء، كما أن ضعف الخدمات لا ينشأ في يوم واحد. .. .إنها أوضاع قد تتراكم بفعل قصور في الوقاية أو ضعف في التنسيق أو تأخر في اتخاذ القرارات اللازمة. .
ومن هنا لا ينبغي حصر النقاش في كيفية وقوع الحادث، بل يجب طرح سؤال أوسع: كيف نضمن ألا يتحول وجود الأطفال في محيطهم اليومي إلى مخاطرة تختلف باختلاف الجغرافيا؟ وكيف تصبح حماية الحياة سياسة استباقية مستمرة، لا استجابة مؤقتة تفرضها الصدمة؟
يتصل هذا السؤال مباشرة بواقع الخدمات الصحية والاستعجالية في بعض الجماعات القروية. . فقد أثيرت بشأن جماعة الدورة وإقليم طرفاية تساؤلات حول كفاية العرض الصحي، وتوفر التجهيزات والموارد البشرية، ووسائل الإسعاف الضرورية. . كما سبق أن طرحت على المستوى البرلماني مسألة توفير سيارات الإسعاف المجهزة وخدمة المساعدة الطبية الاستعجالية، ثم أثيرت لاحقا معيقات ولوج ساكنة الجماعة إلى العلاج ونقص الموارد والتجهيزات. .
ولا يجوز الجزم بأن غياب سيارة إسعاف أو تأخر التدخل الطبي كان السبب المباشر في وفاة الطفل دون تحقيق كامل في ظروف الحادث. . لكن عدم ثبوت العلاقة السببية لا يلغي مشروعية مساءلة الوضع الصحي والاستعجالي، ولا يعفي الجهات المعنية من توضيح ما تحقق منذ إثارة تلك التنبيهات وما بقي دون إنجاز. .
فما قيمة السؤال البرلماني إذا لم يتحول إلى قرار؟ وما قيمة القرار إذا لم يتحول إلى اعتمادات وتجهيزات وخدمات قابلة للقياس في حياة المواطنين؟ إن المسافة التي ينبغي تقليصها ليست فقط المسافة بين القرية والمدينة، بل المسافة بين الاعتراف بالحق وضمان ممارسته. .
فالمغاربة متساوون قانونا في التمتع بالحقوق، لكن فرص الحماية ليست متساوية فعليا. . هناك من تفصله عن سيارة الإسعاف دقائق، وهناك من تفصله عنها مسافات طويلة. . وهناك من يجد المرفق الصحي قريبا من منزله، بينما يضطر آخرون إلى خوض رحلة شاقة بحثا عن العلاج. . وهذا أحد أوجه مغرب السرعتين: جغرافيا تصلها الخدمات بسرعة، وأخرى تنتظر طويلا حتى تصبح شروط السلامة والصحة والإسعاف جزءا عاديا من الحياة اليومية. .
ولا يعني هذا النقد إنكار ما تحقق من إنجازات تنموية، ولا سيما في الأقاليم الجنوبية. . غير أن التنمية لا تقاس فقط بالمشاريع الكبرى أو بالأرقام المعلنة بل بقدرتها على الوصول إلى أبعد مواطن وأضعف طفل وأكثر الأسر هشاشة. . فما جدوى طريق واسعة إذا كان الطفل لا يستطيع السير آمنا قرب منزله؟ وما معنى اعتبار الإنسان غاية التنمية إذا ظلت حاجاته الأساسية مؤجلة إلى حين توفر ميزانية أو إبرام اتفاقية؟
إن ريان لم يكن في حاجة إلى خطاب عن التنمية وهو في قعر البئر، كما لم يكن طفل الدورة في حاجة إلى معرفة عدد المشاريع المدرجة في برنامج عمل الجماعة. . كان كلاهما في حاجة إلى فرصة للحياة. . وهذه الحقيقة ينبغي أن تكون معيارا لتقييم الحكامة الترابية المندمجة والسياسات العمومية. .
فالحق في الحياة لا يعني فقط امتناع السلطة عن الاعتداء على الإنسان، بل يفرض أيضا اتخاذ تدابير معقولة لحمايته من الأخطار المعروفة والمتوقعة. . وتنتقل المسؤولية هنا من مجرد عدم الإضرار إلى الوقاية والحماية والتدخل. . فالدولة لا تفي بالتزامها بمجرد إعلان الحق في الحياة، بل بترجمته إلى مرافق عمومية، وتدابير وقائية، واستجابات فعالة. .
ولا يشعر المواطن بوجود الدولة من خلال النصوص وحدها، بل من خلال الحماية التي يلمسها عند الحاجة. . فالطفل لا يعرف توزيع الاختصاصات، والأم لا تسأل عن الجهة التي تتبع لها سيارة الإسعاف حين يكون ابنها في خطر؛ ما يعنيها هو أن تصل المساعدة في الوقت الذي ما تزال فيه الحياة ممكنة. . لذلك لا ينبغي أن تتحول تعددية المؤسسات إلى تعددية في الأعذار، ولا أن يتحمل المواطن نتائج تداخل الاختصاصات أو تعثر الشراكات. .
وتتحمل الجماعات الترابية جزءا من هذه المسؤولية في حدود اختصاصاتها وإمكاناتها. . فتدبير الكلاب الضالة وسلامة الفضاء العام ليسا مسألتين ثانويتين، وينص القانون التنظيمي رقم 113. .14 المتعلق بالجماعات على صلاحيات لرئيس المجلس الجماعي في مجال الشرطة الإدارية والوقاية الصحية واتخاذ التدابير المتعلقة بالحيوانات المؤذية وجمع الكلاب الضالة ومكافحة داء السعار. . غير أن ممارسة هذه الصلاحيات تتطلب موارد كافية وتنسيقا مستمرا بين الجماعة والسلطات والمصالح المختصة، مع احترام متطلبات الرفق بالحيوان. .
أما الخدمات الصحية والاستعجالية، فتتوزع مسؤوليتها بين مستويات مؤسساتية متعددة، وهو ما يجعل التنسيق والمساءلة ضروريين. . فالمواطن لا ينبغي أن يكون ضحية لتداخل الاختصاصات، بل يجب أن يحصل على خدمة واضحة وفعالة، أيا كانت الجهة التي تتولى تقديمها. .
لقد كشفت مأساة ريان قدرة استثنائية على التعبئة، لكن الدرس الأهم هو أن حماية الحياة لا ينبغي أن ترتبط بحجم الاهتمام الإعلامي بالحادث. . فليس الطفل الذي تابع الملايين عملية إنقاذه أحق بالحماية من طفل نهشت الكلاب جسده الضئيل ولم يعرف الناس خبر وفاته إلا بعد وقوعها، وليست الحياة التي يحاصرها الخطر لأيام أغلى من حياة ينتزعها الموت في دقائق. . قيمة الإنسان لا تقاس بعدد المشاهدات ولا بمدة التغطية الإعلامية. .
وعليه فإن الموقف الحقوقي الجاد من فاجعة الدورة لا يكتفي بالغضب أو التعاطف، ولا يسارع إلى إدانة أشخاص قبل استكمال الوقائع. . إنه يقتضي تحقيقا شفافا يحدد ظروف الحادث، وفعالية تدابير الوقاية، وسرعة الاستجابة، وإمكانات التدخل المتاحة، كما يحدد الاختلالات والمسؤوليات التي يثبتها القانون. .
ويقتضي كذلك الوقوف على واقع الخدمات الصحية والاستعجالية بالجماعة والإقليم، وعلى مآل التنبيهات السابقة بشأنها، مع تقديم أجوبة واضحة للساكنة حول الإجراءات التي ستتخذ لضمان سلامة الأطفال والحد من الأخطار التي تهددهم. .
فالمحاسبة ليست خصومة مع المؤسسات، بل وسيلة لحماية مشروعيتها وتجديد الثقة فيها. . والمؤسسة التي تعترف باختلالاتها وتعمل على تصحيحها أكثر احتراما لرسالتها من مؤسسة تحتمي بالصمت أو بتعقيد المساطر. . والديمقراطية المحلية لا تختبر فقط في الانتخابات بل أيضا في قدرة المواطنين على مساءلة المسؤولين عن نتائج تدبيرهم. .
إن التضامن مع ريان كان تعبيرا صادقا عن قدرة المجتمع على الالتقاء حول ضعف طفل. . لكن التضامن لا يكتمل بالمواساة أو تداول الصور، بل بتحويل الحزن إلى سياسات وقائية. . فالذاكرة الجماعية ينبغي ألا تحتفظ بصورة ريان فقط، بل بالدروس التي تركتها مأساته: مراقبة الآبار والثقوب غير المحمية، ورصد المخاطر المحيطة بالأطفال، وتعزيز ثقافة الوقاية في تدبير الجماعات الترابية. .
ولا تحمل هذه الأسئلة حكما مسبقا على المؤسسات، لكنها تؤكد أن الحزن لا يكتسب قيمة عمومية مستدامة إلا إذا قاد إلى معرفة أسباب الخلل وتصحيحها. . فالتعزية تخفف ألم الفقد، لكنها لا تعفي من البحث عن الحقيقة، والتضامن يواسي الأسرة، لكنه لا يغني عن منع تكرار المأساة. .
إن جماعة الدورة لا تحتاج إلى تعاطف عابر ينتهي بانتهاء تداول صور الفاجعة، بل إلى مراجعة جدية لشروط السلامة والحماية والخدمات الصحية والاستعجالية. . وهي ليست حالة معزولة بل جزء من سؤال أوسع حول موقع الجماعات الترابية القروية والصغيرة في السياسات التنموية. . فقوة الدولة الاجتماعية تظهر حين تضمن حماية عادلة لمن يعيشون بعيدا عن مراكز العمران والقرار. .
لقد رحل ريان ورحل طفل الدورة، لكن قيمة حياتهما لا ينبغي أن تختزل في الحزن الذي خلفاه. . إنهما يذكراننا بأن الكرامة لا تتجزأ بحسب المكانة الاجتماعية أو القرب من مراكز القرار أو الإقامة في المدينة أو القرية. . فالطفل الذي يولد في إغران أو الدورة لا تقل حياته قيمة عن طفل يولد في الرباط أو الدار البيضاء أو العيون. .
لهذا لم أختر عنوان «إني أُكلت يوم أكلت الكلاب طفل الدورة» إمعانا في المبالغة، بل لأن قبول ألم الآخرين بوصفه خبرا عابرا يفقدنا شيئا من إنسانيتنا. . وحين يتعايش المجتمع مع تفاوت فرص الحماية بين أطفاله، فإنه يتنازل عن جزء من معنى العيش المشترك. .
لقد أخذت البئر حياة ريان، وأخذت الكلاب حياة طفل الدورة، لكن الخطر الأكبر أن تتحول اللامبالاة إلى نظام صامت يقبل بأن تكون حماية الأطفال رهينة بمكان إقامتهم أو بقدرة مأساتهم على استقطاب الانتباه. .
فإن كان ريان قد علمنا أن المغاربة قادرون على الاتحاد لإنقاذ حياة طفل، فإن طفل الدورة يضعنا أمام امتحان أشد إلحاحا: هل نستطيع أن نتحد لحماية حياة الأطفال قبل أن يصبحوا ضحايا؟
وهنا لا يعود السؤال فقط: من المسؤول عن موت ريان أو طفل الدورة؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلاما: كم طفلا آخر يجب أن نفقد حتى ندرك أن الحق في الحياة لا ينبغي أن ينتظر وقوع الموت كي يصبح أولوية، وأن الوطن الذي يتسع للجميع يجب أن تتسع حمايته للجميع؟






