تلك هي الجغرافيا الحميمية التي يدعونا جمال الحصيني الهيلالي إلى اكتشافها في كتابه باللغة الفرنسية « من سلا إلى أوبسالا: شذرات من الحياة»." De Sala à Uppsala : Tranches de vie".
من سلا، مدينة القراصنة وذكريات الطفولة، إلى أوبسالا، المدينة السويدية العريقة في العلم والمعرفة، لا يتشكل مجرد مسار بين مدينتين، ولا رحلة تختزلها المسافات والأميال، بل حكاية عمر يتفتح بين عالمين، وعقل يستيقظ على أسئلة جديدة، ورجل يكبر من غير أن يتنكر للطفل الذي كانه ذات يوم.
كأن سلا وأوبسالا تتبادلان رسائل صامتة، عبر مسافات الشمال والجنوب. تحمل الأولى آثار الأسرة، وحنان الوالدين، وظلال الأجداد، ودفء الجذور.
أما الثانية، فتفتح أبواب التكوين الأكاديمي، والانفتاح الفكري، وتحقيق الذات.
وبين الضفتين، يشق جمال الحصيني الهيلالي طريقه، مستنداً إلى يقين هادئ، مفاده أن الرحيل لا يعني النسيان، وأن الإنسان قد يغادر المكان، لكنه لا يستطيع دائماً أن يغادر ما صنعه ذلك المكان في أعماقه.
أن يرحل المرء من دون أن يغادر سلا
قد نظن أن الرحلة تبدأ ساعة الوداع، حين تُغلق الأبواب، وتتحرك وسيلة السفر، وتلوح المدينة من بعيد.
لكن الرحلات الكبرى تبدأ أحياناً قبل ذلك بكثير، في سؤال صغير عن العالم الذي يمتد وراء الأفق، وفي رغبة غامضة في اكتشاف المجهول.
وهي، على نحو ما، لا تنتهي عند الوصول، بل تواصل سيرها في دهاليز الذاكرة، حيث تستعيد الخطوات القديمة معناها، وتستيقظ الوجوه التي ظننا أن الزمن أخفاها.
كانت أوبسالا، في السويد، بالنسبة إلى الكاتب، فضاءً للتكوين العلمي والإنساني، ومعبراً نحو عوالم جديدة من المعرفة والتجربة.
غير أن سلا ظلت ذلك الحضور الخفي الذي يرافق الغياب، وتلك المدينة التي لا تقاس المسافة إليها بالكيلومترات، بل بمقدار ما تحتفظ به الروح من حنين.
للبلاد الاسكندنافية شتاؤها الطويل، ولياليها الممتدة، وأضواؤها الشاحبة، وطباعها التي يطبعها التحفظ والهدوء.
ومع ذلك، يبدو أن برد الشمال لم يستطع أن ينتزع شيئاً من دفء الصلة التي تربط الكاتب بمدينته الأولى.
فسلا ليست مشهداً خلفه المسافر وراء ظهره، ولا صورة باهتة في ألبوم قديم.
إنها أرض تسكن الداخل، وذاكرة لا تكف عن الحياة.
قد يقيم المرء في بلاد بعيدة، ويتعلم طرائق أخرى في التفكير والعيش، ويفتح نوافذه على ثقافات مختلفة، من غير أن يتخلى عن أصوله.
فالانفتاح على العالم لا يقتضي اقتلاع الجذور، بل قد يكون السبيل إلى رؤيتها بوضوح أكبر، وإلى فهم ما تمنحه لنا، وما تحمله فينا من أثر لا يزول.
الطبيب البيطري وسر الحياة
يكشف التكوين البيطري، والحب الذي يكنه الكاتب للخيل، وتعلقه الطفولي بالكلاب، عن وجه آخر من مسيرة جمال حسيني هلالي: وجه الإنسان الذي يصغي إلى هشاشة الكائنات الحية، ويدرك أن للحياة أسراراً لا تفصح عنها الكلمات.
فمداواة حيوان ليست مجرد معرفة علمية أو مهارة مهنية، بل هي أيضاً درس في الإصغاء إلى لغة لا حروف لها؛ لغة تصوغها النظرات، وحركات الجسد، والصمت الذي قد يخفي وراءه ألماً لا يستطيع صاحبه البوح به.
في الصفحة 109، تطالعنا صورة مؤثرة للكاتب، وعيناه مغرورقتان بالدموع، وهو يواجه قراراً يمزق القلب: وضع حد لمعاناة كلبه الوفي، الذي بلغ مرحلة نهائية من القصور الكلوي، وغدا أسير ألم لا يطاق.
هناك، تتراجع صرامة المعرفة أمام امتحان الرحمة.
فالطبيب البيطري يعرف، بحكم العلم والتجربة، أن للطب حدوداً، وأن بعض المعارك لا يمكن كسبها.
لكن الإنسان الذي يسكن ذلك الطبيب يواجه محنة أخرى: كيف يودع رفيقاً تقاسم معه الأيام، وألفة البيت، وصمت اللحظات العابرة؟
كيف يترك كائناً لم يكن يتحدث، لكنه ربما قال بحضوره ما تعجز عنه الكلمات؟
في تلك اللحظة، لا تعود البيطرة علماً يعالج الأجساد فحسب، بل تصبح مدرسة للتعاطف، وتربية للقلب على قبول الفقد، وصون كرامة الحياة حتى لحظاتها الأخيرة.
شذرات بدل إقامة صرح من الذكريات
يوحي العنوان الفرعي للكتاب، «شذرات من الحياة Tranches de vie »، بكتابة تختار الاحتشام بدل الاستعراض، وتفضل التقاط اللحظات الصغيرة على تشييد نصب ضخم للذات.
إنها فسيفساء من اللقاءات، والفرح، والحزن، والمصادفات، والتجارب التي تتجاور، حتى ترسم، قطعة بعد أخرى، ملامح حياة كاملة.
فالذاكرة ليست أرشيفاً جامداً، ولا خزانة تحفظ كل شيء بالتساوي.
إنها أشبه برحالة قديم، ينتقي من الطريق حجارة بعينها، ويحتفظ بأخرى في طي النسيان.
تقرب بعض التفاصيل من الضوء، وتترك غيرها في الظلال، وتعيد ترتيب المشاهد وفق منطق الشعور، لا وفق تسلسل الساعة والتقويم.
ويوضح جمال الحصيني الهيلالي أن الوقائع التي يرويها حقيقية، وإن أعاد تنظيم بعض التفاصيل والحوارات والأسماء وتسلسل الأحداث، ليمنح الحكاية كثافتها السردية، من دون أن يخون جوهر التجارب التي عاشها.
ومن سلا إلى أوبسالا، مروراً بالمغرب والسويد والمعهد الزراعي والبيطري الحسن الثاني، تتقاطع الذكريات الشخصية مع الواقع المهني، والتحولات الاجتماعية، والمعالم التاريخية.
وهكذا تصبح الحكاية الفردية نافذة تطل على عوالم أوسع.
فليس الإنسان جزيرة معزولة في بحر الزمن؛ إنه يحمل، أينما ارتحل، آثار المجتمع الذي نشأ فيه، والمدارس التي تعلم بها، والأمكنة التي عمل فيها، والقلوب التي أحبها.
وربما لهذا السبب تحديداً، يستطيع القارئ أن يجد في سيرة رجل آخر شيئاً من سيرته هو.
رسالة في زجاجة إلى المجهول، ومقاومة للنسيان
الكتابة، بالنسبة إلى صاحب هذه الشذرات، تشبه مخاطبة غريب لا نعرف اسمه، أو إطلاق زجاجة في عرض البحر، من دون أن نعرف أي شاطئ سيحتضنها.
من سيلتقطها؟ ومن سيفتحها؟ ومن سيمنح هذه الصفحات بعضاً من وقته، ليقرأ شذرات حياة لم يعشها بنفسه؟
لعل قارئاً من سلا يجد فيها رائحة طفولته، ووقع الخطوات في الأزقة، ودفء البيوت التي تركها الزمن وراءه.
ولعل قارئاً سويدياً يكتشف، بين سطورها، بعض ملامح المغرب، من خلال عيني رجل عاش بين عالمين.
وربما يعثر عليها إنسان بعيد، في مكان لا يعرفه الكاتب، فيجد بين الكلمات إحساساً مألوفاً، وذكرى تشبه ذكرى له، أو حزناً مر به ذات يوم.
فالحدود تفصل بين الأوطان، لكن المشاعر تسافر من دون جواز سفر.
والحنين، وحب الحيوانات، ووجع الفراق، والرغبة في نقل التجربة إلى الآخرين، كلها لغات صامتة، لا تحتاج إلى ترجمان.
الأدب لا يعيد الماضي إلى الحياة كما كان، ولا يرد الراحلين إلى أبوابنا، لكنه يمنح الذكريات فرصة أخرى للبقاء، هذه المرة في وجدان إنسان آخر.
وهنا تكمن إحدى معجزات الكتابة: أن يتحول ما كان خاصاً بصاحبه إلى مساحة مشتركة، وأن تصبح تجربة فردية جسراً بين غرباء لم يلتقوا قط.
في نهاية الرحلة: مدينتان وذاكرة واحدة
في كتابه «من سلا إلى أوبسالا: شذرات من الحياة»، لا يدعي جمال الحصيني الهيلالي أنه قادر على إيقاف الزمن، ولا يزعم أن في وسع الكلمات أن تستعيد العمر كاملاً.
إنه يجمع بعضاً من آثار مروره على هذه الأرض، كما يجمع المسافر حجارة صغيرة من طريق طويل، تحمل كل واحدة منها أثراً من مشهد عبره، أو محطة توقف عندها، أو أفق تأمله.
فليست الحكايات الكبرى دائماً تلك التي تغير مصائر الأمم، أو تهز عروش التاريخ.
قد تختبئ الحكاية العميقة في سفر من أجل الدراسة، أو حديث عائلي عابر، أو لقاء قديم، أو نظرة أخيرة يتبادلها المرء مع رفيق وفيّ.
وعند نهاية الطريق، تغدو سلا وأوبسالا ضفتين لذاكرة واحدة: ضفة الجذور، وضفة الانفتاح؛ ضفة الوفاء، وضفة الاكتشاف.
وكأن الرجل، بعد كل هذه الرحلة، لم يكن يبحث عن مدينة جديدة بقدر ما كان يحاول فهم المدينة التي حملها معه.
لقد أُطلقت الزجاجة في البحر.
ولعل قارئاً، في المغرب أو السويد أو أي مكان آخر، سيعثر عليها ذات يوم، فيتعرف، بين صفحاتها، على حكاية ليست حكايته، لكنها تمس شيئاً عميقاً من حكايته الخاصة.
فما دامت الذكرى قابلة للقراءة، وللمشاركة، وللعبور من قلب إلى قلب، فإنها لم تختف تماماً.
قراءة ممتعة، ورحلة جميلة بين سلا وأوبسالا في كتاب "De Sala à Uppsala : Tranches de vie.






