فن وإعلام

“تاريخ مختصر للعبث” محاكمة الجنون البشري من شرفة المجرّات

حسن مؤدن (كاتب)

ماذا لو لم يكن العالم سوى خطأ إداري قديم ناتج عن سقوط فنجان قهوة في مكتب مهمل بأقصى المجرّة، ثم تكفّلت البيروقراطية الكونية بإدامته بدل إصلاحه؟ وماذا لو كانت الحروب والمؤتمرات والمشروعات المتعثرة والخطابات المنتفخة مجرد محاضر متلاحقة لاجتماع عبثي لم يُرفع قط؟ ومن قال إن الكائن البشري، الذي يتباهى بأنه سيد الطبيعة والعقل والتاريخ، ليس سوى موظف صغير في إدارة كونية كبرى، يتقن ارتكاب الأخطاء ثم يكتب تقارير مطوّلة لتبريرها؟


من هذا الاحتمال الساخر، يفتح الكاتب المغربي عبد العزيز كوكاس أبواب كتابه الجديد “تاريخ مختصر للعبث.. كوكب يتثاءب”، الصادر في طبعة أنيقة عن دار «خطوط وظلال» الأردنية وروائع الكتب السعودية، في رحلة أدبية وفكرية تجرّد عصرنا من وقاره المصطنع، وتضع مراياه المتكسّرة أمام قارئ يُدعى إلى الضحك والتفكير في آن واحد. رحلة لا تبحث عن تاريخ العالم كما دوّنته الكتب المدرسية، بل عن ذلك التاريخ الموازي الذي كتبته الحماقات البشرية، وأخفته البلاغات الرسمية تحت عناوين التقدم والازدهار والانتصارات الكبرى.


يأتي الكتاب أشبه بكتالوغ ساخر للامعقول الذي تسلّل إلى تفاصيل الحياة حتى غدا نظاماً إدارياً كامل الصلاحيات، له قوانينه ومراسيمه النافذة، وموظفوه الذين لا يخطئون إلا حين يحاولون تصحيح الأخطاء. ولهذا يخترع المؤلف «وزارة الصدفة الكونية»، بمصالحها ولجانها وتقاريرها وبلاغاتها، ليمنح الفوضى مؤسسة رسمية، واللامعنى ختم المصادقة، وللأخطاء البشرية حق التمثيل الدائم في مجلس المجرّات. إنها وزارة متخيّلة، لكنها تبدو، في كثير من مفارقاتها، أكثر شبهاً بمؤسسات الواقع من المؤسسات التي تزعم تدبيره بعقلانية وحكمة.


من «الاجتماع التأسيسي للفوضى» إلى «دليل إدارة الفوضى الأرضية»، ومن «مؤتمر الأمم المتحدة للمجرّات» إلى «فتوى في سرعة الضوء»، مروراً بالتقارير الاستخباراتية القادمة من المريخ، ويوميات الكواكب المنسية، واعترافات المثقف العالق في بيروقراطية الأفكار، تتعاقب مشاهد ونصوص تتخذ أشكال البيان الرسمي والمحضر الإداري والخبر العاجل والحكاية السوداء. كل شكل مألوف يُقلَب هنا على وجهه، حتى ينطق بما تحاول اللغة الرسمية غالباً إخفاءه، وتتحول الوثيقة من أداة لإثبات الوقائع إلى مرآة ساخرة لفضح تناقضاتها.


يفتح عبد العزيز كوكاس أرشيفاً متخيّلاً تتحول فيه الحروب والمؤتمرات والفتاوى والتقارير الرسمية إلى كوميديا سوداء تكشف تناقضات عالم يتقن تنظيم العبث أكثر مما يتقن إصلاحه. بلغة تجمع المفارقة الأدبية بالتأمل النقدي، يعبر الكتاب من المجرّات البعيدة إلى تفاصيل حياتنا اليومية، حيث لا تكمن الغرابة في أن يتحدث كوكب أو يصدر ثقب أسود بلاغاً رسمياً، بل في أن يبدو هذا الخيال أقل غرابة من بعض ما يحدث على الأرض.


وإذا اتسعت عدسة السخرية لتشمل نشأة الأرض والمجرّات والثقوب السوداء، فإن بؤرتها تظل إنسانية وقريبة: سلطة تتقن تزيين الفشل، ومؤسسات تستولد اللجان من أزمات لا تنتهي، واقتصاد يحصي الأرباح وينسى الإنسان، وثقافة تتعب من الدفاع عن حقها في السؤال، وعالم يرفع رايات السلام فيما يواصل صناعة أسباب الحرب. هكذا يعبر النص من الكوني إلى اليومي، ومن مشهد كاريكاتوري بالغ الطرافة إلى قلق أخلاقي لا تخطئه القراءة، حيث يصبح الضحك أحياناً الطريقة الأكثر جدية للحديث عن مآسي العالم.


ولعل ما يمنح هذا العمل فرادته أن المؤلف لا يكتفي بالسخرية من الوقائع والأحداث، بل يذهب إلى تفكيك اللغة التي تُصنع بها الحقائق الرسمية، وتُجمَّل بها الهزائم، وتُقدَّم بها الكوارث بوصفها إنجازات تاريخية. فالبلاغ الذي يعد ولا يفي، والمؤتمر الذي ينتهي إلى مؤتمر آخر، واللجنة التي تُشكَّل لدراسة أسباب فشل لجنة سابقة، كلها تتحول إلى مواد أولية لبناء عالم روائي ساخر، يبدو فيه العبث أقل ارتباطاً بالصدفة وأكثر اتصالاً بمنطق السلطة حين تفقد قدرتها على مساءلة ذاتها.


ولا تقف المفارقة عند حدود السياسة ومؤسساتها؛ فهي تمتد إلى الإنسان المعاصر نفسه، في غروره المعرفي وأوهامه التقنية وشغفه بالسيطرة على كل شيء، فيما يعجز أحياناً عن فهم أبسط تناقضاته. ومن هذه الزاوية، يصبح الفضاء الكوني الذي اختاره كوكاس أكثر من مجرد خلفية تخييلية طريفة؛ إنه مسافة نقدية تسمح بالنظر إلى الأرض من خارج أوهام عظمتها، وكأن المجرّات البعيدة تنظر إلينا بدهشة وتسأل: كيف استطاع هذا الكائن الصغير أن يحقق كل هذا التقدم، وأن يحتفظ في الوقت نفسه بكل هذه القدرة على تدمير ذاته؟


تمثل السخرية عند عبد العزيز كوكاس طريقة في مساءلة الواقع، لا مجرد تمرين لغوي على الإضحاك. إنها ضحك يتجاوز سطح النكتة ويحفر خلفها في تناقضات اللغة والسلطة والمعرفة. وحين يدفع المفارقة إلى أقصاها، يجرّد الحقيقة من أقنعتها الثقيلة. يتنقل الكتاب، لذلك، بين خفة الحكاية ومرارة التأمل، وبين خيال علمي مقلوب وإشارات واضحة إلى أعطاب العالم الذي نعيش فيه، مستثمراً قدرة الأدب على قول ما تعجز عنه اللغة المباشرة أحياناً.


وليس بعيداً عن هذا الأفق أن نقرأ الكتاب بوصفه مساءلة ساخرة لفكرة التقدم نفسها. فالبشرية التي بلغت حدوداً غير مسبوقة في العلم والتكنولوجيا، وأرسلت مركباتها إلى الكواكب البعيدة، ما تزال عاجزة عن وضع حد للحروب والمجاعات والاستبداد. إنها تعرف الكثير عن حركة النجوم، لكنها لا تعرف دائماً كيف تدير اختلافاتها على الأرض. وهنا تتولد إحدى أكثر مفارقات الكتاب إيلاماً: كلما اتسعت معرفة الإنسان بالكون، بدا أحياناً أقل قدرة على فهم عبثه الخاص.


في «تاريخ مختصر للعبث»، يتحول التثاؤب إلى استعارة لكوكب أنهكته الوعود المؤجلة والتكرارات المهيبة والاحتفالات الصاخبة بالإنجازات التي لم تقع. وهو تثاؤب لا يصدر عن الملل وحده، بل عن فرط الدهشة أمام تاريخ يعيد إنتاج أخطائه بمهارة عجيبة، وعن حضارة تتقدم بسرعة مذهلة نحو المستقبل، وهي تحمل على كتفيها حماقات الماضي نفسها. كأن الأرض، وقد سئمت الإصغاء إلى خطب سكانها، لم تعد تجد ما ترد به على ضجيجهم سوى تثاؤب طويل يسمعه الكون بأكمله.


ومع ذلك، لا يصادر العمل قدرة الإنسان على المقاومة، ولا يجعل من العبث قدراً نهائياً يستحيل تجاوزه. فالضحك، حين يصدر عن وعي، يمكن أن يكون شكلاً من أشكال اليقظة، والسخرية قد تتحول إلى فعل رمزي لمقاومة الاستسلام، فيما يظل السؤال الحر آخر ما يبقى في وجه الآلات التي تريد للعالم أن يعمل بلا تفكير. ذلك أن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يعيش وسط عالم عبثي، بل أن يفقد القدرة على إدراك عبثيته، أو أن يعتادها حتى تصبح في نظره نظاماً طبيعياً للأشياء.


بهذا الأفق، يقترح الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس على القارئ مغامرة مختلفة في الكتابة الساخرة، تتقاطع فيها روح الكوميديا السوداء مع التأمل الفلسفي والنقد السياسي، مغامرة تدعوه إلى أن يرى الأرض من مسافة كونية كي يكتشف قرب عيوبها، وأن يضحك من سذاجة الكبار كي يدرك مأساة الصغار، وأن يتأمل هشاشة اليقين البشري في عالم لا يتوقف عن ادعاء الحكمة بينما يراكم أسباب الجنون.


إنه كتاب يسخر من العالم، لكنه لا يتخلى عن الأمل في تغييره؛ يعرّي تفاهة بعض مظاهر القوة، لكنه ينحاز ضمناً إلى الإنسان الذي يدفع ثمنها. ومن بين أوراق «وزارة الصدفة الكونية» ومحاضرها التي لا تنتهي، يترك المؤلف سؤالاً معلقاً في فضاء المجرّات، يتردد صداه بعد إغلاق الصفحة الأخيرة:


هل نحن نضحك على العالم أم أن العالم يضحك علينا؟


وربما كانت المفارقة الأشد إيلاماً أن نكتشف، بعد كل هذه الرحلة، أن العالم لا يحتاج إلى خيال جامح كي يبدو عبثياً، يكفي أحياناً أن نقرأ نشرة الأخبار بقدر قليل من الدهشة، وبقدر أكبر من الوعي.