فن وإعلام

أحمد الريسوني و «الحماية الجديدة للمغرب ».. حين يتحول الفكر المقاصدي إلى خطاب أيديولوجي

الشيخ الصادق أحمد العثماني (أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية)

أثار الحوار الأخير للشيخ أحمد الريسوني، الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذي وصف فيه لبودكاست " بصيغة أخرى" وضع المغرب عقب استئناف العلاقات مع إسرائيل بأنه «فترة حماية جديدة»، أسئلة جوهرية حول حدود النقد السياسي، وأمانة العالم في توصيف الوقائع، ومدى التزام الخطاب الديني بمقاصد الشريعة حين يتداخل مع الصراعات الأيديولوجية والحسابات الإقليمية. فهل نحن أمام تحليل علمي رزين يستند إلى معطيات دقيقة ومقارنات تاريخية منضبطة، أم أمام خطاب تعبوي يستعير مفردات الاستعمار لتأجيج المشاعر وتوجيه الرأي العام المغربي ضد وطنه؟ والأهم من ذلك، لماذا يبدو المغرب، في مثل هذه الخطابات، مستهدفًا بتوصيفات قدحية سلبية، بينما لا تُطبَّق المعايير نفسها على دول عربية وإسلامية أخرى تربطها بإسرائيل علاقات سياسية ودبلوماسية وأمنية متفاوتة؟!

إن أخطر ما في تصريحات الريسوني ليس مجرد معارضته للتطبيع، فهذه مسألة سياسية اجتهادية قابلة للنقاش، بل في القفز من نقد خيار دبلوماسي إلى تشبيه وضع دولة ذات سيادة بوضع بلد خضع للاستعمار والحماية الأجنبية. فمعاهدة الحماية الفرنسية سنة 1912 لم تكن مجرد اتفاقية علاقات خارجية، بل كانت إطارًا لفرض السيطرة الاستعمارية على المغرب، وتقييد سلطات الدولة، وإخضاع أجزاء واسعة من القرار السياسي والإداري والعسكري لنفوذ أجنبي. أما استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020، مهما اختلفنا في تقييم دوافعه ومآلاته، فلا يكفي في حد ذاته لإثبات أن المغرب فقد سيادته أو أصبح تحت حماية دولة أخرى. إن التشابه اللفظي بين اتفاقيتين لا يصنع تطابقًا تاريخيًا، ولا يحوّل المجاز السياسي إلى حقيقة قانونية.

وفي هذا السياق ومن منظور مقاصدي، فإن حفظ استقلال الأوطان، وصيانة كرامة الشعوب، وحماية المصالح العليا للأمة، كلها معانٍ معتبرة في النظر الشرعي والسياسي. لكن المقاصد لا تُستدعى لتبرير الأحكام المسبقة، ولا يجوز أن تتحول إلى غطاء أيديولوجي لتضخيم الوقائع أو تجاوز الأدلة. فالعالم الذي يتصدى للشأن العام مطالب بأن يميز بين المعلومة والاستنتاج، وبين التحذير المشروع والتهويل، وبين النقد الذي يكشف الخلل والخطاب الذي يصنع صورة كارثية لا تسندها قرائن كافية. وإذا كان الشيخ أحمد الريسوني يرى أن الحضور الإسرائيلي في بعض القطاعات المغربية يمثل خطرًا على الأمن الوطني أو الاستقلال الاقتصادي، فإن مقتضى المنهج العلمي أن يقدم بيانات موثقة، وأرقامًا قابلة للتحقق، وتحليلًا قانونيًا ومؤسساتيًا يوضح طبيعة هذا الخطر وحدوده، لا أن يكتفي باستدعاء ذاكرة الحماية الفرنسية لإنتاج صدمة سياسية لدى الجمهور.

ثم يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح، إذا كان استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل يعني «حماية جديدة» بالنسبة إلى المغرب، فماذا نسمي العلاقات الإسرائيلية مع تركيا، التي تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية منذ عقود رغم ما شهدته من أزمات وتوترات؟ وماذا عن مصر التي وقعت معاهدة السلام سنة 1979، والأردن الذي وقع معاهدة السلام سنة 1994؟ وماذا عن البحرين التي أقامت علاقات رسمية مع إسرائيل سنة 2020؟ وكيف يمكن تقييم التواصل القطري مع إسرائيل، الذي ارتبط في مراحل مختلفة بوساطات واتصالات وملفات إقليمية؟ بل ماذا عن السلطة الفلسطينية نفسها التي دخلت في مسار اتفاقات أوسلو وأقامت علاقات وتنسيقات مع الجانب الإسرائيلي في ظروف سياسية شديدة التعقيد؟

ليس المقصود من هذه المقارنة تبرئة جميع السياسات أو تسويغ التطبيع، وإنما اختبار اتساق المعيار. فإذا كان المبدأ هو رفض كل علاقة مع إسرائيل باعتبارها تنازلًا عن السيادة، وجب تطبيقه على الجميع، مع مراعاة الفروق القانونية والسياسية بين الحالات. أما إذا كانت العلاقات تُقيَّم بحسب نتائجها ومصالحها وأثمانها، فلا يجوز اختزال الحالة المغربية في حكم قطعي، مع التغاضي عن تعقيدات الحالات الأخرى. إن ازدواجية المعايير لا تنتج موقفًا أخلاقيًا متماسكًا، بل تجعل الخطاب أقرب إلى الاصطفاف السياسي منه إلى الاجتهاد العلمي.

والمفارقة أن المغرب ليس دولة بلا تاريخ أو مؤسسات أو خبرة دبلوماسية حتى يُختزل قراره الخارجي في صورة بلد فقد إرادته بمجرد توقيع اتفاق. للمملكة حساباتها الاستراتيجية ومؤسساتها ومصالحها الوطنية، كما أن أي اتفاق دولي يظل قابلًا للتقييم والمراجعة السياسية وفق ما يحققه من مكاسب أو يفرضه من التزامات ومخاطر. ومن حق الباحث أن يسائل هذه الخيارات، بل من واجبه أن ينبه إلى مواطن الخلل، لكن ليس من حقه أن يستبدل التحليل العلمي المعرفي، بالتحليل الأيديولوجي، وأن يعامل الاستنتاج السياسي باعتباره حقيقة تاريخية محسومة. فالسيادة لا تُقاس بالشعارات، كما أن استقلال القرار لا يُثبت بمجرد إعلان رفض اتفاق أو تأييده، وإنما يُبحث في طبيعة الالتزامات، وحدود النفوذ الخارجي، والقدرة الفعلية للدولة على اتخاذ قراراتها.

ويزداد الإشكال حين تتحول التصريحات إلى مادة جاهزة للتوظيف في صراعات إقليمية لا تخفى حساسيتها. فقد وجدت بعض المواقع التي تتبنى مواقف معادية للمغرب، إلى جانب منابر يسارية عدمية داخل البلاد، في حوار أحمد الريسوني مادة ملائمة لتقديمه بوصفه إدانة من داخل المغرب نفسه لخيارات الدولة. وهنا ينبغي التنبيه إلى أن إعادة نشر التصريح أو الاحتفاء به لا تثبت، وحدها، وجود تنسيق أو قصد مشترك بين قائله وتلك المنابر؛ لكن العالم المسؤول مطالب بأن يدرك أن كلماته لا تبقى حبيسة سياقها الأول، وأن التشبيهات التاريخية الثقيلة قد تتحول إلى أدوات دعائية تتجاوز المقصد الذي يعلنه صاحبها.

وإذا كان الريسوني يعلم أن خصوم الوحدة الترابية للمملكة قد يستثمرون كلامه، فإن ذلك يضاعف مسؤوليته في اختيار عباراته وتدقيق أحكامه؛ وإن لم يكن يعلم، فالمسؤولية العلمية تقتضي منه مراجعة الأثر المحتمل لخطابه، والتمييز بين النقد الوطني المشروع والخطاب الذي يمنح الآخرين مادة مجانية للطعن في بلده. ولا يعني ذلك تحصين الدولة من النقد أو اتهام كل مخالف بخدمة خصوم الوطن، فهذه بدورها مغالطة خطيرة؛ وإنما يعني أن النقد المسؤول يوازن بين حق الاعتراض وواجب الدقة، وبين حرية التعبير وعدم تحويل القضايا الوطنية إلى ذخيرة في معارك الآخرين.

أما الحديث عن «اكتساح» اقتصادي واجتماعي، وما قد يُستشهد به من روايات متداولة حول الأراضي أو النفوذ الإسرائيلي، فيحتاج إلى تدقيق مستقل. فلا تكفي الحكايات الشفهية من فم فلاح لإثبات ظاهرة واسعة، ولا يصح نفيها أو تأكيدها دون الرجوع إلى السجلات والقوانين والبيانات الرسمية والتحقيقات الموثوقة. وإذا وُجدت تجاوزات أو مخاطر فعلية، فالمطلوب تحديدها وكشفها ومحاسبة المسؤولين عنها، لا بناء حكم شامل على انطباعات أو روايات غير محققة.

إن جوهر النقد المقاصدي هنا هو أن المواقف السياسية لا تُوزن بحرارة اللغة، بل بسلامة الاستدلال وعدالة المعيار وحجم المصلحة والمفسدة. ولا يكفي أن يرفع المتحدث شعار فلسطين حتى يصبح كل توصيف يصدر عنه صائبًا، كما لا يكفي الدفاع عن الدولة لإعفاء سياساتها من المساءلة. فالقضية الفلسطينية قضية عادلة، لكن عدالتها لا تبرر الخلط بين الدبلوماسية والحماية الاستعمارية، ولا تمنح أحدًا حق احتكار الوطنية أو توزيع صكوك الخيانة.

لقد عوّد أحمد الريسوني الرأي العام، في عدد من خرجاته المثيرة للجدل، على خطاب حاد يتداخل فيه الديني والسياسي والأيديولوجي. ومن حقه أن يعارض التطبيع، ومن حق المغاربة أن يناقشوا هذا الموقف، لكن من حقهم أيضًا أن يسألوه عن اتساق معاييره، ودقة مقارناته، وحدود مسؤوليته تجاه بلده. فالعالم المقاصدي الحقيقي لا يجعل المقاصد مطية لموقف حزبي، ولا يحوّل ذاكرة الاستعمار إلى أداة للتعبئة كلما خالف خيار الدولة قناعته السياسية.

إن المغرب لا يحتاج إلى خطاب يجمّل كل قراراته، كما لا يحتاج إلى خطاب يصوّر كل خطوة دبلوماسية باعتبارها عودة إلى زمن الحماية. ما يحتاجه هو نقد علمي شجاع، موثق، متوازن، يضع السياسات تحت مجهر المساءلة، ويحمي في الوقت نفسه النقاش العام من المبالغة والانتقائية. فبين الدفاع عن فلسطين، ونقد التطبيع، وصيانة السيادة المغربية، لا ينبغي أن يكون هناك تناقض مفتعل؛ وإنما ينبغي أن يكون هناك معيار واحد، وحجة واضحة، ومسؤولية أخلاقية لا تتبدل بتبدل الدول والأسماء والخصومات.

فهل نحن أمام اجتهاد مقاصدي يزن الوقائع بميزان العلم، أم أمام خطاب أيديولوجي شعبوي يشتد حين يتعلق الأمر بالمغرب، ويحتاج إلى قدر أكبر من الصرامة حين يتعلق الأمر بالآخرين؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه الريسوني، لا بالشعارات، بل بالحجة والبرهان .