وشكلت هذه الأمسية الختامية لقاء فنيا امتزج فيه الإنشاد بالشعر والحركة، لاستكشاف دروب البحث عن الذات والارتقاء الروحي.
وأحيى هذا اللقاء الفني كل من وسيم أرسلان، وأنس العطار، ونور الدين الطاهري، إلى جانب دراويش حلب، في حوار بين تعبيرات موسيقية وروحية تنهل من بيئتين ثقافيتين طبعهما التصوف بعمق. وعلى الرغم من خصوصية كل تقليد من هذه التقاليد، فإنها تلتقي في تطلع مشترك إلى تجاوز حدود اللغة، واستكشاف آفاق الروح من خلال الموسيقى والرقص.
واستحضر الفنان وسيم أرسلان، المولود في سوريا والمقيم بأمستردام، الذاكرة الموسيقية لمدينة حلب، بما تختزنه من تقاليد الموسيقى العربية الكلاسيكية العريقة وإيقاعات بلاد الشام. ومن خلال عالم فني تتقاطع فيه الذاكرة التراثية والحنين والإبداع المعاصر، يسهم الفنان في صون تراث موسيقي عابر للأجيال، يتجدد بانفتاحه على أحاسيس ورؤى فنية جديدة.
وقال أرسلان، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء: "إنه لشرف كبير لي أن أشارك في مهرجان فاس للثقافة الصوفية. وهذه أول زيارة لي إلى المغرب، ويسعدني اكتشاف غنى الحوار بين الإنشاد والموسيقى الروحية المغربية والسورية".
وبدوره، جسد نور الدين الطاهري، ابن مدينة فاس، استمرارية تقليد متجذر في التراث الروحي والموسيقي للعاصمة العلمية. ويعد الطاهري أحد الوجوه البارزة في مجال المديح والسماع، إذ يعمل منذ عقود على صون هذا الموروث ونقله إلى الأجيال، مستفيدا من تكوينه على أيدي شيوخ الإنشاد الديني والموسيقى العربية الأندلسية.
ويعكس مساره الفني، الذي تميز بارتباطه بالزوايا الكبرى في فاس وإحداث جمعيات تعنى بالمديح والسماع، مدى التزامه بالحفاظ على هذا التراث.
كما أسهم حضور أنس العطار ودراويش حلب في تعميق هذا الحوار بين ضفتي المتوسط، مانحا العرض أبعادا موسيقية وحركية وتأملية متكاملة. ففي دوران الدراويش، تحولت الحركة إلى لغة، وأضحى الجسد وسيلة للتأمل.
وقد جسد دوران الأجساد، المنسجم مع إيقاع الإنشاد والموسيقى، سعيا إلى تجاوز الذات، حيث يشكل تلاشي الأنا الفردية جزءا من البحث عن الانسجام الداخلي.
وفي معرض حديثه عن هذا اللقاء الفني، أعرب أنس العطار عن سعادته باجتماع أصوات المنشدين، ومن بينهم نور الدين الطاهري، مع الموسيقيين السوريين، حول نزوع روحي مشترك، بما أتاح للجمهور لحظة من التشارك والتآلف الوجداني.
وتوجت هذه الأمسية أسبوعا من اللقاءات الفنية والفكرية التي تمحورت حول موضوع "الشعر الصوفي، إكسير للشفاء".
ونظمت هذه الدورة الثامنة عشرة من مهرجان فاس للموسيقى الصوفية تحت رعاية الملك محمد السادس، وشكلت مناسبة لاستكشاف قدرة الشعر والجمال على مواكبة المحن، وإثراء التفكير، وفتح آفاق جديدة أمام البحث عن المعنى، وذلك من خلال حفلات موسيقية وجلسات صوفية وورشات وموائد مستديرة.






