فن وإعلام

نظام الحقيقة عند فوكو

عبد السلام بنعبد العالي (عن مجلة "المجلة")
صرح الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، في سنواته الأخيرة، بأن مسألة الحقيقة كانت دائما في مركز أعماله، وكان لنيتشه في ذلك دور بارز، فمنذ نيتشه صارت مهمة الفلسفة هي التشخيص، ولم تعد تسعى إلى قول حقيقة تصلح للجميع ولكل الأزمنة.

في محاضرات "الحقيقة والأشكال القضائية" ميز فوكو بين تاريخين للحقيقة. الأول داخلي، هو تاريخ حقيقة تصحح نفسها انطلاقا من مبادئ ضبطها الخاصة، كما تتشكل في تاريخ العلوم. والثاني خارجي، ينظر في "أماكن أخرى عديدة تتشكل فيها الحقيقة، وتحدد فيها جملة من قواعد اللعبة"، ومنها الممارسات القضائية التي تبدو له "إحدى الصيغ التي حددت بها المجتمعات الغربية أنماطا من الذاتية وأشكالا من المعرفة، وبالتالي علاقات بين الإنسان والحقيقة". وفي مقابل تصور قريب من بوبر، تتقدم فيه الحقيقة عبر تجارب تبطل نظرية سابقة، يظهر هذا التاريخ الخارجي المفهوم تاريخيا في جوهره.

وفي سنة 1970 أعادت الدروس الأولى في "الكوليج دي فرانس" (إرادة المعرفة) طرح المشكلة في صورة برنامج: هل يمكن الكشف، تحت تاريخ الخطابات الصادقة، عن تاريخ لإرادة معينة للصدق أو للكذب؟ وهل يشكل هذا الرهان الحلقة المركزية لإرادة معرفة خاصة بالحضارة الغربية؟ وهل يمكن ربط إرادة الحقيقة هذه، لا بذات أو بقوة مجهولة، بل بمنظومات الهيمنة الفعلية؟ فإن وجدت إجابات عن هذه الأسئلة-البرنامج، "سنكون قد أعدنا وضع لعبة الصدق والكذب في شبكة القيود وأشكال الهيمنة"، وتكون الحقيقة قد كشفت عن "وجه عنفها" الذي حجب طويلا.

وفي سنة 1980، نقرأ في حوار "الفيلسوف المقنع": "ما الفلسفة إن لم تكن طريقة في التفكير، لا في ما هو صادق وما هو كاذب بقدر ما هي تفكير في علاقتنا بالحقيقة. إنها تلك الحركة التي نتخلص بها مما هو مسلم به بوصفه صادقا، ونبحث بها عن قواعد أخرى للعبة". وفي سنة 1984، في حوار بعنوان "هم الحقيقة": "ما أحاول فعله هو تاريخ العلاقات التي يقيمها الفكر مع الحقيقة... وكل الذين يقولون إن الحقيقة لا وجود لها عندي هم عقول مبسطة".

يوحي كل هذا بمسار موحد، لكن الواقع يكشف انزياحا تدريجيا في الموضوعات. فالنصوص الأولى تربط الحقيقة بالمعرفة والسلطة، وتدرس كيف ينتج المهيمنون الحقيقة أو يحملون المهيمن عليهم على قولها. ثم تتجه المجلدات اللاحقة من تاريخ الجنسانية ودروس "" إلى تقنيات الذات، أي الطرق التي تقول بها الذات الحق عن نفسها. وأخيرا تدرس "شجاعة الحقيقة" شروط إمكان أن يقول المهيمن عليهم والأدنى مرتبة الحقيقة في وجه الأقوياء، فيضعف الانحصار في السلطة الذي ميز الإنتاج السابق.

فإذا كان المنهج الجينيالوجي يتصور الحقيقة إجراء منظما وعلاقة قوى، فإن دراسة "تقنيات الذات" تقدم له شيئا من المقاومة، إذ تتمحور حول الطرق "الإيجابية" التي تبتكر بها الذوات أخلاقها الخاصة انطلاقا من قول الحق. فهما طريقتان لفهم تاريخ الحقيقة: سبعينية، إرادة الحقيقة فيها آلة لإقصاء خطابات معينة وإنتاج ذوات مكلفة بالاعتراف بحقيقة رغباتها، وأخيرة، "شجاعة الحقيقة" فيها شرط الموقف النقدي من الحكام ومن تحويل الذات والعالم.

بالتوازي مع هذا التغيير، ترد نحو سنة 1976، في "الوظيفة السياسية للمثقف"، عبارة "نظام الحقيقة" حيث يكتب فوكو: "لكل مجتمع نظامه في الحقيقة، و"سياسته العامة" في الحقيقة: أي أنواع من الخطابات التي يقبلها ويشغلها بوصفها صادقة، وآليات وهيئات تتيح التمييز بين العبارات الصادقة والكاذبة، وتقنيات وإجراءات تقدر في الحصول على الحقيقة، ومكانة من يتولون قول ما يعمل بوصفه صادقا".

وفي درس 6 فبراير/شباط 1980 يصير "نظام الحقيقة" ما يحدد التزامات الأفراد في إجراءات إظهار الصدق، قياسا على "النظام السياسي" و"النظام الجزائي": مجموع الإجراءات والمؤسسات التي يلزم بها الأفراد ويجبرون على القيام بأفعال محددة من الحقيقة. فدراسة أنظمة الحقيقة هي دراسة العلاقة بين تجليات الحقيقة وإجراءاتها والذوات التي هي فاعلة فيها، وكذا شهودها أو موضوعاتها. وتجاورها صيغة "لعبة الحقيقة" عام 1984، ويقصد بها "مجموعة من قواعد إنتاج الحقيقة"، سواء في العلم أو في المؤسسات وممارسات المراقبة.

سيتمخض عن كل هذا موقف من الفلسفة، ففي سنة 1980، نقرأ في حوار أجري مع صحيفة "لوموند" تحت عنوان "الفيلسوف المقنع": "ما الفلسفة إن لم تكن طريقة في التفكير، لا في ما هو صادق وما هو كاذب بقدر ما هي تفكير في علاقتنا بالحقيقة. إنها من الفلسفة، تلك الحركة التي نتخلص بها مما هو مسلم به بوصفه صادقا، ونبحث بها عن قواعد أخرى للعبة".

تنتهي هذه المسارات إذن إلى جواب عن سؤال الفلسفة عند فوكو. فهي نشاط نقدي تاريخي يشخص كيف تتشكل علاقاتنا بالحقيقة، ويكشف ما فيها من قيود وهيمنة، ويفتح إمكان التفكير بقواعد أخرى للعبة. سيظل هذا الجواب ثابتا حتى وإن تبدلت زواياه: ففي السبعينات تفكيك لآليات إنتاج الحقيقة بوصفها سلطة، وفي الثمانينات استكشاف لإمكانات المقاومة والتذويت بقول الحق. وبين "نظام الحقيقة" الذي يشدد على الإلزام والمؤسسات، و"لعبة الحقيقة" التي تشدد على القواعد، يبقى المطلب واحدا: أن لا نتلقى الحقيقة مسلما بها، بل نجعل علاقتنا بها موضوعا للتفكير.