الكاتب العام السابق لجامعة الحسن الثاني أصبح على حين غفلة مدير مالي وإداري بالنيابة لرئاسة الجامعة!!!
بينما تُبشّر وزارة التعليم العالي بعهد جديد من الحكامة عبر ترسانة تشريعية تستهدف تحديث الجامعة المغربية، تعيش جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء على وقع مفارقة تدبيرية صارخة، تضع شعارات الدستور والخطب الملكية حول الكفاءة والشفافية على محك حقيقي. ففي كواليس أكبر جامعة في المغرب، يتبلور – بحسب مصادر ومتابعات صحفية متعددة – سيناريو إداري يصفه متتبعون بأنه "هندسة متكاملة لتدوير النخب المعفاة"، يقوده رئيس الجامعة بالنيابة سعياً لتثبيت حليفه الإداري التاريخي، الكاتب العام الحالي لرئاسة الجامعة، في منصب "المدير المالي والإداري" المستحدث حديثاً، في ما يبدو تعارضاً مع روح ومقاصد قانون إصلاح المرفق الجامعي.
---
أولاً: مسار رئيس الجامعة بالنيابة.. من رئاسة شعبة أكاديمية إلى سدة القرار
لم يكن وصول رئيس الجامعة بالنيابة إلى موقع المسؤولية وليد الصدفة، بل جاء ثمرة تدرّج طويل في مواقع القرار داخل المؤسسة، وهو مسار منحه إلماماً دقيقاً بمفاتيح الإدارة وكواليسها:
- البدايات ورئاسة الشعبة: بدأ مساره أستاذاً باحثاً بإحدى كليات العلوم بالدار البيضاء، قبل أن يتولى رئاسة إحدى الشعب العلمية بالكلية.
- الترقي الإداري: عُيّن نائباً لعميد الكلية مكلفاً بالشؤون البيداغوجية، ما أتاح له نسج شبكة علاقات واسعة مع الأطر الإدارية النافذة برئاسة الجامعة.
- الانتقال المؤسساتي: انتقل لاحقاً للتدريس بإحدى المدارس العليا التابعة للجامعة، حيث تولى منصب مدير المؤسسة.
- الوصول إلى الرئاسة (2022): تُوّج هذا المسار بتعيينه رئيساً لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، قبل أن يتولى لاحقاً تسيير المؤسسة بصفته رئيساً بالنيابة، فاتحاً بذلك مرحلة جديدة من التحالف مع ما يُوصف بـ"الحرس الإداري القديم".
---
ثانياً: مسار المدير المالي والإداري لرئاسة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء .. عودة متكررة رغم قرارات الإعفاء
بالموازاة مع صعود رئيس الجامعة بالنيابة، يبرز مسار المدير المالي والإداري لرئاسة الجامعة كأحد أكثر المسارات الإدارية إثارة للجدل، نظراً لقدرته المتكررة على العودة إلى مواقع المسؤولية عبر مختلف المحطات الهيكلية للجامعة:
- قبل الدمج (2005): عُيّن كاتباً عاماً لإحدى الجامعتين قبل قرار دمجهما لاحقاً في قطب جامعي موحّد للعاصمة الاقتصادية.
- الإعفاء الأول (2012): إثر تقارير رُفعت إلى الجهات الوصية تتحدث عن خروقات إدارية ومالية، أُعفي من منصبه برئاسة الجامعة، قبل أن يُنقل مباشرة لتولي الكتابة العامة لإحدى الكليات التابعة.
- الإعفاء الثاني: تجدد الجدل حول التدبير الإداري، وسط احتجاجات طلابية متواصلة انتهت بتوقيفه وإعفائه للمرة الثانية، لينتقل للعمل في مهام إدارية هامشية.
- هندسة العودة (2024-2026): مع تولي الإدارة الحالية مقاليد المسؤولية، أُعيد الكاتب العام إلى رئاسة الجامعة تحت غطاء "تكليف مؤقت" لتعويض شاغرة المنصب إثر مغادرة سلفه له نهائياً، وهو ما فتح الباب أمام تثبيته لاحقاً بصفته الكاتب العام لرئاسة الجامعة في هيكلها المدمج الجديد ثم مؤخرا مدير مالي وإداري بالنيابة لرئاسة جامعة الحسن الثاني بالدار.
---
ثالثاً: القانون 59.24 ومرسوم يوليو 2026.. التفافٌ على روح المُشرّع؟
تكتسي هذه القضية بعداً أكثر خطورة مع دخول القانون رقم 59.24 المنظم للتعليم العالي والأحياء الجامعية حيز التنفيذ، وهو القانون الذي ألغى رسمياً مسمى "الكاتب العام للجامعة" واستبدله بمنصب استراتيجي جديد هو "المدير المالي والإداري للجامعة".
وبموجب المرسوم التنظيمي الصادر في يوليو 2026، وضع المشرّع شروطاً صارمة ومساطر انتقاء يُفترض أن تكون شفافة ومفتوحة، لإسناد المنصب لكفاءات قادرة على تدبير ميزانيات ضخمة وعقود شركات المناولة (الحراسة، النظافة، البستنة) بنزاهة وتنافسية.
غير أن المعطيات المتداولة تكشف عن مسار مغاير يجري "طبخه" – بحسب الوصف المتداول – في كواليس رئاسة الجامعة؛ إذ يسعى رئيس الجامعة بالنيابة، المستفيد من التعديلات التي تفتح أمامه إمكانية الترشح لولاية ثانية رسمية، إلى توظيف نفوذه لضمان تمرير اسم الكاتب العام الحالي وتثبيته في منصب "المدير المالي والإداري" (مدير مالي وإداري بالنيابة لرئاسة الجامعة حاليا) الجديد لولاية مدتها 5 سنوات قابلة للتجديد. وهو ما يُوصف بأنه محاولة لإلباس تدبير حليف إداري قديم "جبّة" الهيكلة الجديدة، بما يتعارض مع الفلسفة الإصلاحية التي جاء بها القانون.
هذا المدير هو المهندس لتعيين وإعفاء مجموعة من الكتاب العامين بالمؤسسات الجامعية التابعة لجامعة الحسن الثاني
---
رابعاً: في ميزان تقرير المجلس الأعلى للحسابات 2024.. إدانة مؤسساتية لسوء التدبير
خامسا : قراءة دستورية.. تباين مع مبادئ الحكامة الجيدة
عند وضع هذه الممارسات في ميزان التقييم القانوني والحقوقي، يتضح حجم التباين بين الممارسة الإدارية المرصودة والتوجهات الاستراتيجية المعلنة للدولة:
- الفصلان 31 و154 من دستور 2011: يُلزمان المرافق العمومية بالامتثال لقواعد الحكامة الجيدة والشفافية وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الوظائف والمناصب العليا. وتفصيل منصب سلفاً على مقاس شخص بعينه يُطرح كإشكال مباشر أمام مبدأ الاستحقاق والمنافسة النزيهة.
- مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة: وهو مبدأ تكرر التأكيد عليه في خطب رسمية سامية باعتباره ركيزة لمحاربة الريع الإداري والزبونية. ويبقى السؤال مطروحاً: كيف يمكن تفسير إسناد أرفع منصب مالي وإداري بالجامعة لمسؤول سبق إعفاؤه مرتين على خلفية تقارير سلبية؟
- - خلاصة: الكرة الآن في ملعب الجهات الرقابية
ما تشهده جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء يتجاوز حدود الصراع الإداري الداخلي، ليطرح سؤالاً أعمق حول مدى التزام المرفق الجامعي بمقتضيات القانون 59.24 ومرسوم يوليو 2026. فهل ستتحرك وزارة التعليم العالي لتفعيل التوصيات وضمان مسطرة انتقاء شفافة ومفتوحة لمنصب المدير المالي والإداري؟ أم أن القرار قد حُسم فعلياً خلف الأبواب المغلقة، قبل أن تُفتح المباراة رسمياً؟






