سياسة واقتصاد

عبقرية الملكية في تدبير زمن المنصوري والبراهمي: حين تجعل الدولة المرأة تحكم والمربي يربي وتبقى هي الحكم

سفيان خلي هنا

إن ما شهده المغرب في الأسبوع الأخير من شهر شتنبر سنة 2026 لا يمكن التعامل معه كمجرد حدثين بروتوكوليين، الأول يتمثل في تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة كأول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة، والثاني يتمثل في انتخاب السيد محمد البراهمي رئيسا لحركة التوحيد والإصلاح. 

من يقرأ الحدثين بهذه السطحية يفوته جوهر التحول الذي تعيشه الدولة المغربية في صمت، دون ضجيج. ما جرى هو إعادة هندسة عميقة لوظائف السلطة ولمفهوم الشرعية ولدور الوسائط في النموذج السياسي المغربي، وهي هندسة لا تقوم بها الأحزاب ولا تكتبها البرامج الانتخابية، بل ترسمها الدولة بمنطقها الخاص، منطق الاستمرارية والتوازن والاستيعاب.

الدولة المغربية، كما خبرها من يعرف دهاليز القرار، لا تفكر بمنطق الغالب والمغلوب، ولا بمنطق الحداثة في مواجهة المحافظة، هذا منطق معارك المثقفين والصحافة، أما منطق الدولة فهو منطق تدبير التنوع وضبط الإيقاع، فهي لا تريد أن تنتصر الحداثة نهائيا فتفقد العمق الشعبي المحافظ، ولا تريد أن تنتصر المحافظة نهائيا فتفقد الواجهة الدولية والشرعية الحداثية التي بنتها بصعوبة، هي تريد الاثنين معا، لكن كل واحد في وظيفته التي تحددها له، وتحت سقف واحد لا ينازعها أحد عليه وهو سقف الملكية وإمارة المؤمنين.

وحين نقرأ تعيين السيدة المنصوري من هذه الزاوية، ندرك أن الدولة لم تكن بصدد تكريم المرأة المغربية فحسب، مع أهمية هذا البعد الرمزي، بل كانت بصدد توظيف الرمزية لخدمة الاستقرار، فالمنصوري ليست مناضلة يسارية راديكالية قادمة من خارج النسق، ولا هي تكنوقراط معزولة قادمة من مؤسسة دولية، هي ابنة النسق نفسه، محامية بهيئة مراكش، عمدة لمراكش منذ سنة 2009، ثم عمدة مرة أخرى منذ سنة 2021، ووزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وقيادية مؤسسة لحزب الأصالة والمعاصرة ، هذا المسار يجعلها في نظر الدولة شخصية تدبيرية بامتياز، قادرة على إدارة الملفات الترابية المعقدة، من السكن إلى التعمير إلى تدبير المدن، دون أن تفتح جبهة إيديولوجية مع المجتمع، الدولة اليوم لا تحتاج إلى رئيس حكومة يصارع المجتمع حول القيم، تحتاج إلى رئيس حكومة يصلح الطريق والمستوصف والمدرسة، ويترك معركة القيم للمؤسسة التي تحتكرها دستوريا وتاريخيا وهي إمارة المؤمنين، ولهذا كان اختيار امرأة هو في حد ذاته سلاح سياسي ذكي، لأن المرأة في موقع رئاسة الحكومة تحيد جزءا كبيرا من خطاب المزايدة الأخلاقية الذي كان يستخدمه الإسلاميون سابقا ضد رؤساء الحكومات الرجال، فلا يمكن اتهامها بالفساد بسهولة، ولا يمكن مواجهتها بخطاب ذكوري محافظ دون أن يبدو الخطاب متجاوزا، الدولة بهذا التعيين نزعت فتيل صراع أخلاقي استنزفها عشر سنوات.

وفي الضفة الأخرى، كان انتخاب السيد محمد البراهمي حدثا لا يقل دلالة، فالرجل ليس سياسيا محترفا يبحث عن مقعد وزاري، هو مرب ومتخصص في فقه الأسرة والتربية على القيم، قادم من منظمة التجديد الطلابي، ومن تجربة دعوية وتربوية طويلة داخل الحركة، وانتخابه بهذه الصفة هو إعلان صريح من الحركة بأنها تطوي صفحة الإسلام السياسي بمعناه الحزبي المباشر، وتدخل مرحلة الإسلام المجتمعي بمعناه التربوي الواسع، وهذا التحول يريح الدولة كثيرا، فالدولة كانت تخشى حركة تريد أن تحكم، لكنها ترحب بحركة تريد أن تربي، لأن التربية تملأ فراغا تركته الدولة نفسها حين تراجعت أدوار المدرسة العمومية ودور الشباب والثقافة في الأحياء الشعبية والقرى، هذا الفراغ أصبح اليوم مرتعا لنوعين من التطرف، تطرف عنيف وافد من منطقة الساحل والصحراء، وتطرف رقمي عدمي ينتشر على منصات التواصل بلا مرجعية ولا ضوابط، بين هذين التطرفين، تفضل الدولة أن يكون التأطير بيد حركة منظمة ومعتدلة ومعروفة، لها مؤتمرات وهياكل ومرجعية واضحة، تعمل في وضح النهار، ويمكن التحاور معها وتأطيرها قانونيا.

غير أن عبقرية هذا التوازن الجديد تحمل في داخلها بذور هشاشته، وهذا هو عمق التفكير الذي يجب أن يقلق رجل الدولة الحقيقي، فالدولة تريد من المنصوري أن تكون ناجحة بما يكفي لتمنحها واجهة حداثية مقبولة داخليا وخارجيا، لكن ليست ناجحة لدرجة أن تبني زعامة حزبية مستقلة تهدد التوازن الحزبي، وتريد من البراهمي أن يكون ناجحا بما يكفي ليؤطر الشباب ويحصن المجتمع من التطرف، لكن ليس ناجحا لدرجة أن يحول رصيده التربوي الضخم إلى رصيد انتخابي يعيد إنتاج تجربة ما قبل سنة 2021، الدولة تريد الاثنين في الوسط، وهذا الوسط هو الذي يبقيها هي الحكم الوحيد.

وسيأتي الامتحان الحقيقي لهذا النموذج في ملف مدونة الأسرة، فهو الملف الذي سيضع المنصوري والبراهمي وجها لوجه رغما عنهما، المنصوري كامرأة على رأس الحكومة ستكون مطالبة سياسيا وأخلاقيا بالدفاع عن مكاسب المرأة وحمايتها، والبراهمي كمرب ومتخصص في فقه الأسرة سيكون مطالبا بالدفاع عن تماسك الأسرة كما تفهمه مرجعيته المحافظة، إذا ترك الملف للتجاذب الثنائي بين الحكومة والحركة، سيتحول إلى حرب قيمية تدمر ما تبقى من ثقة، وستضطر الدولة إلى الاصطفاف، وستخسر حيادها الثمين، الحكمة هنا تقتضي إخراج الملف من يد الحكومة والحركة معا، وإعادته إلى أصله كورش ملكي جامع، يدار تحت إشراف جلالة الملك بصفته أميرا للمؤمنين ورئيسا للمجلس العلمي الأعلى، يضم خبراء القانون والقضاء والفقه وعلم الاجتماع والتربية، وممثلي الحكومة والحركة والحركة النسائية، ليكون إصلاحا للأسرة المغربية لا انتصارا لطرف على طرف آخر، بهذه الطريقة وحدها يمكن للدولة أن تحافظ على صورتها كدولة حداثية تحكمها امرأة، وكدولة محافظة تحترم قيم الأسرة في نفس الوقت.

ولا يمكن فهم كل هذه الهندسة دون الوقوف عند عبقرية المؤسسة الملكية في تدبير هذا التحول، فالملكية في المغرب لا تحكم بالقرارات المباشرة وحدها، بل تحكم بفن صناعة التوازنات وتوزيع الأدوار، وهي عبقرية تراكمت عبر عقود من تدبير التعدد المغربي. عبقرية الملكية هنا تتجلى في أنها لم تختر بين المنصوري والبراهمي، بل اختارت الاثنين معا، ووزعت عليهما الوظائف بما يخدم استمرارية الدولة، فمنحت المنصوري شرف رئاسة الحكومة لتقول للعالم وللداخل إن المغرب دولة قادرة على التجديد وعلى تمكين المرأة في أعلى موقع تدبيري، دون أن تتنكر لهويتها، ومنحت البراهمي، بصمتها وقبولها الضمني لتحول حركته إلى حركة تربوية، اعترافا بأن المجتمع المغربي يظل محافظا في عمقه، وأنه يحتاج إلى من يؤطره قيميا باعتدال، بدل تركه نهبا للفراغ أو للتطرف.

والأهم من ذلك، أن الملكية وضعت نفسها فوق الطرفين، لا كخصم لأحدهما، بل كحكم بينهما وكضامن للاثنين، فحين يتصادم خطاب الحكومة حول الأسرة مع خطاب الحركة حولها، لن يكون الحسم في البرلمان ولا في الشارع، بل سيكون في المؤسسة الملكية بصفتها إمارة للمؤمنين، وهي الصفة التي لا ينازعها فيها لا رئيسة الحكومة ولا رئيس الحركة، وبهذا تضمن الملكية ألا يتحول الصراع المجتمعي إلى أزمة نظام، بل يبقى صراعا داخل النظام، تحت سقف النظام، يديره النظام. هذه هي العبقرية التي لا ينتبه إليها كثيرون، الملكية لا تلغي التناقضات، بل تحتضنها وتديرها، لا تقصي الحداثة ولا تقصي المحافظة، بل تجعل الحداثة تدبر والمحافظة تربي، وتبقي لنفسها دور الضامن الذي يحكم بينهما ويحمي المجتمع من تطرف الاثنين، فتظهر في النهاية أنها هي وحدها القادرة على أن تكون بيت المغاربة جميعا، حداثيين ومحافظين، نساء ورجالا، وهي بذلك لا تحافظ على سلطتها فحسب، بل تحافظ على وحدة المغرب نفسه من الانقسام، وتلك هي الحكمة العليا للدولة التي تفكر بعقلية القرون لا بعقلية الولايات الحكومية.