سياسة واقتصاد

هل تتحول عرضانية سياسة الشباب الى مبرر لتقليص دور الوزارة المكلف بالشباب

بنرهو مصطفى
خلال أجوبتها عن مداخلة أحد النواب خلال الجلسة العامة المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي بشأن سياسة الشباب، قدمت رئيسة الحكومة تصورا لدور القطاع المكلف بالشباب، بدا فيه هذا القطاع محصورا أساسا في تدبير المخيمات ودور الشباب والمؤسسات التابعة له، في مقابل التأكيد على أن السياسة المندمجة للشباب تقتضي تدخّل قطاعات حكومية متعددة، وإطارا مؤسساتيا وآليات للتنسيق والضبط والحكامة. ولئن كان من المشروع التأكيد على الطبيعة العرضانية لقضايا الشباب، باعتبارها قضايا تتقاطع فيها مسؤوليات التعليم والصحة والتشغيل والثقافة والتكوين والمشاركة السياسية وغيرها، فإن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه الطبيعة العرضانية من مبدأ لتنظيم التدخلات وتحقيق تكاملها إلى مبرر، صريح أو ضمني، لتقليص دور القطاع الحكومي المكلف بالشباب إلى مجرد تدبير المؤسسات والفضاءات والأنشطة.


جواب رئيسة الحكومة يدفعنا إلى مساءلة أعمق، تتعلق بموقع قطاع الشباب داخل منظومة السياسات العمومية، وبحدود الاختصاص بين السياسة الوطنية المندمجة للشباب والسياسة القطاعية التي ينبغي أن تضطلع بها الوزارة المنتدبة المكلفة بالشباب. فالمسألة ليست في أهمية المخيمات ودور الشباب والمؤسسات التابعة للقطاع، بل في أن يُختزل دور الوزارة في تدبير هذه المؤسسات والأنشطة، بينما يظل السؤال الأساسي معلقاً: ما التصور الحكومي للشباب خارج المدرسة والاسرة؟ وما السياسة العمومية التي ستتولاها وزارة الشباب في مجال الوقت الحر، في إطار اختصاصاتها، لتكمل السياسات التي تقودها قطاعات التعليم والصحة والتشغيل والثقافة وغيرها؟ فاذا كانت السياسة الوطنية المندمجة للشباب تتسم بالعرضانية فلا تعني ذوبان السياسة القطاعية للشباب، والتنسيق بين القطاعات لا يعفي كل قطاع من مسؤولية بلورة سياسته الخاصة. فالحكومة اليوم مطالبة بإعادة الاعتبار لاختصاصات قطاع الشباب، وأن ينطلق من جواب رئيسة الحكومة بوصفه مدخلاً لطرح سؤال مؤسساتي وسياسي أوسع. هل تعني عرضانية السياسة المندمجة للشباب اختزال دور الوزارة في المخيمات ودور الشباب؟


وإذا كانت الدولة مطالبة بامتلاك رؤية وطنية مشتركة للشباب، فإن كل قطاع معني بهذه الفئة مطالب أيضاً ببلورة مساهمته المحددة والقابلة للتنفيذ والتقييم. إن وزارة الشباب ليست مطالبة بأن تحل محل وزارة التعليم أو الصحة أو التشغيل، لكنها ليست معفاة، في المقابل، من مسؤولية بناء سياسة قطاعية خاصة بها، تستثمر اختصاصاتها وإمكاناتها ومؤسساتها وشبكة علاقاتها مع الجمعيات والمنظمات الشبابية.


إن اختزال دور القطاع في المخيمات ودور الشباب لا يجد ما يبرره في الاختصاصات الرسمية المسندة إليه. فالمرسوم رقم 2.22.874 الصادر في 12 يناير 2023 بشأن تحديد اختصاصات وتنظيم قطاع الشباب ينص، في مادته الأولى، على أن القطاع يتولى إعداد السياسة الحكومية في مجالات الشباب والطفولة والشؤون النسوية والسهر على تنفيذها، مع مراعاة الاختصاصات المسندة إلى القطاعات الوزارية والمؤسسات والهيئات الأخرى. كما يسند إليه مهام تتجاوز تدبير المؤسسات، من بينها بلورة استراتيجيات للنهوض بالعمل الجمعوي في مجال الشباب، وإعداد النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة باختصاصاته. وتضطلع مديرية الشباب، بموجب المرسوم نفسه، بإعداد المضامين التربوية والترفيهية، ودعم جمعيات ومنظمات الشباب، وإعداد برامج إدماج الشباب في التنمية، وتنفيذ برامج التربية على المواطنة، فضلاً عن تدبير البرامج التأطيرية والتربوية بالمخيمات. وتكشف هذه المقتضيات أن المهمة الأصلية للقطاع ليست مجرد تسيير مرافق عمومية، بل إعداد السياسة الحكومية في مجالات اختصاصه، وتطوير مضامينها وبرامجها وآليات تنفيذها. أما المؤسسات، من دور الشباب والمخيمات وغيرها، فهي أدوات لتنفيذ هذه السياسة، وليست غاية مستقلة عنها. وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: إذا كان الإطار القانوني يمنح القطاع مسؤولية إعداد السياسة الحكومية وتنفيذها في مجالات اختصاصه، فكيف يمكن الانتقال من هذا التصور الواسع إلى صورة تختزل حضوره في تدبير المخيمات ودور الشباب؟ إن المسألة ليست في التقليل من قيمة هذه المؤسسات؛ فهي رصيد عمومي مهم، ويمكن أن تؤدي وظائف تربوية وثقافية واجتماعية أساسية. وإنما في وضعها ضمن مكانتها الطبيعية باعتبارها وسائل لتنفيذ سياسة واضحة الأهداف، لا بديلاً عن وجود هذه السياسة. إن الشباب ليسوا مجرد مستهلكين للخدمات التي توفرها المؤسسات، بل هم فاعلون أساسيون يمتلكون من الطاقات والقدرات ما يؤهلهم للمساهمة في تنمية المجتمع وتطويره. وأعتقد أن أحد أوجه القصور التي ينبغي تجاوزها في مقاربة قضايا الشباب يتمثل في حصر الاهتمام بهم في تلبية حاجاتهم المادية وتوفير الخدمات الضرورية لهم، سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو التكوين أو الاستفادة من المرافق العمومية، دون إيلاء الاهتمام الكافي لدورهم في المشاركة والمبادرة والإسهام في الحياة العامة. لا شك أن هذه الحاجات أساسية، وأن الاستجابة لها تمثل شرطا من شروط الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، لكن الشباب ليسوا مجرد فئة تنتظر الخدمات والفرص، بل هم أيضا مواطنون لهم حقوق في المشاركة والتعبير والتنظيم والمبادرة والإسهام في الشأن العام. ومن هذا المنظور، فإن السياسة القطاعية للشباب مطالبة بالاهتمام بمجالات قد لا تحظى بالمكانة نفسها التي يحتلها التشغيل في النقاش العمومي، لكنها تظل حاسمة في بناء شخصية الشباب وعلاقتهم بالمجتمع والمؤسسات. ويتعلق الأمر، على الخصوص، بسياسات الوقت الحر، والتربية على المواطنة، والمشاركة المدنية، والعمل الجمعوي، والثقافة، والتنشيط التربوي، والتطوع، وتطوير قدرات الشباب على المبادرة والتواصل والعمل الجماعي. إن الزمن الذي يقضيه الشاب خارج المدرسة والأسرة ليس زمناً محايدا، ولا مجرد فراغ ينبغي ملؤه بأنشطة متفرقة. إنه مجال تتشكل فيه الشخصية، وتُكتسب فيه المهارات الاجتماعية، وتتطور فيه الاستقلالية وروح المسؤولية والانتماء، كما يمكن أن تتسع فيه فرص المبادرة والمشاركة أو تتراجع. ومن هنا تكتسب مؤسسات الشباب والعمل الجمعوي أهميتهما، ليس فقط بوصفهما فضاءين للاستقبال أو ممارسة بعض الأنشطة، بل باعتبارهما مجالين للتنشئة المدنية والثقافية، ولتعلم الديمقراطية بالممارسة، ولتعزيز قدرة الشباب على تنظيم أنفسهم والمساهمة في محيطهم. إن هذا التصور لا ينافس سياسات التشغيل أو التعليم أو الصحة، بل يكملها، ويهتم بأبعاد من حياة الشباب لا يمكن اختزالها في الحصول على وظيفة أو الاستفادة من خدمة عمومية. وفي هذا السياق فان دور الوزارة المكلف بالشباب هو إنتاج المضامين، لا تدبير الجدران فقط. ان وجود مئات المؤسسات الموجهة للشباب يطرح سؤالاً يتجاوز عددها وحالتها المادية ومدى تجهيزها، أي ماذا نريد لهذه المؤسسات أن تنتج تربويا وثقافيا ومجتمعيا؟ وما الأثر الذي ينبغي أن تحدثه في حياة الشباب؟ فتأهيل دار الشباب، وتجديد تجهيزاتها، وصيانة مرافقها، وتوفير شروط اشتغالها، كلها مهام ضرورية. لكنها لا تكفي، في غياب مشروع تربوي وثقافي واضح، لتحويل هذه المؤسسات إلى فضاءات حية تستجيب للتحولات التي يعرفها الشباب المغربي. إن دار الشباب لا تستمد قيمتها من بنايتها وحدها، بل من طبيعة البرامج التي تحتضنها، ومن جودة التأطير الذي توفره، ومن قدرتها على استقطاب الشباب وإشراكهم في تصميم أنشطتها وتدبيرها، ومن علاقتها بالجمعيات والفاعلين المحليين. ومن وضوح المساطير والتنظيمات التي تضبط سيرها وتدبيرها، والأمر نفسه ينطبق على المخيمات التربوية، التي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد عملية موسمية لاستقبال الأطفال والشباب، بل باعتبارها فرصة تربوية لتعلم العيش المشترك والاستقلالية والتعاون واحترام الاختلاف والمبادرة. إن المطلوب، لذلك، هو الانتقال من منطق تدبير المؤسسات إلى منطق بناء مشاريعها، ومن تنظيم الأنشطة إلى تحديد أهدافها وقياس أثرها، ومن التعامل مع الشباب باعتبارهم مستفيدين إلى إشراكهم كفاعلين في صياغة البرامج وتنفيذها وتقييمها. وهذا الانتقال لا يتحقق بمجرد تحسين البنيات التحتية، وإنما يحتاج إلى سياسة قطاعية تحدد الأولويات، وتطور المضامين، وتؤهل الموارد البشرية، وتدعم الجمعيات، وتفتح المجال أمام الابتكار والتجريب والتقييم.


ويظل النقاش حول السياسة الوطنية المندمجة للشباب مشروعا وضروريا، إلى حين توافر الإرادة السياسية الكفيلة بإخراجها إلى حيز التنفيذ، وتحديد القطاع الذي سيتولى قيادتها ضمن إطار مؤسساتي واضح، مدعوم بآليات فعالة للتنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يضمن إرساء سياسة وطنية مندمجة تستجيب لتطلعات الشباب واحتياجاتهم. غير أن نجاح هذا الورش لا يتوقف فقط على إحداث آليات جديدة أو إعادة توزيع الأدوار بين القطاعات المعنية، بل يظل رهينا بمدى وضوح المسؤوليات السياسية والتنفيذية لكل طرف، وتحديد التزاماته في بلورة هذه السياسة وتنفيذها وتتبعها.