لا يمكن ضبط الاختيارات التدبيرية والقيم السياسية المؤطرة للثنائية الرسمية قبل الشروع في إجراءات وآليات قد لا تفي بالغرض، وتفضي إلى هدر المال العام وقد تؤدي حتما إلى بطء وفرملة تفعيل رسمية الأمازيغية، وترفع بالمقابل من حدة بؤر التوتر اللغوي والهوياتي، مع العلم أن الانتظارات الكبرى تهم حقل التعليم وتعميم تدريس اللغة الأمازيغية في كل أسلاك منظومة التربية والتكوين، وإدماجها كليا في مجالات الثقافة والإعلام والعدالة، وجميع قطاعات الحياة العامة، وتوفير الموارد البشرية والتقنية لتعزيز موقعها في المجتمع.
الرهانات الهوياتية
يمكن أن تستند مقاربة المسألة الأمازيغية في شقها المخصص للحقوق الثقافية واللغوية إلى مقولة أساسها تقاسم وتمازج نفس الحقينة الأنثروبولوجية (إنسانية، لغوية وثقافية)، لأن المقاربة الموضوعية لا تعدو أن تكون اندماجية (مغاربة) لا إقصائية (عرب vs أمازيغ)، أي أن تعتبر الخاصية الثقافية والتميز المغربي وليد مسارين ثقافيين ولغويين متوازيين ومتمازجين وهما التعريب والتمزيغ.
في هذا السياق يمكن للفاعلين السياسيين والمدنيين والأكاديميين اعتماد مبدأ التمازج واعتبار المغاربة عنصرين متجانسين من معربين وممزغين، وأن الاختلاف لغوي صرف، أما تمثل العالم القيمي وثقافة المجال والمحيط فهو مشترك مغربي. ف"العنصر البشري" في المغرب عنصرا متجانس، والفرق الوحيد والاختلاف البين الذي يظل قائما هو المتعلق باللسان ، بمعنى أن هناك مغاربة ناطقون باللغة العربية(تنويعات عربية) وآخرون ناطقون باللغة الأمازيغية (تنويعات أمازيغية).
في هذا الباب يتوجب إيلاء الأهمية للعرض الجامعي المرتبط بالدراسات الأمازيغية كخطوة أساسية في آلية التفعيل الكامل للطابع الرسمي للأمازيغية في الحياة العامة للمغاربة. فإلى جانب الخصاص في الأطر التربوية وندرة البرامج الدراسية باللغة الأمازيغية، لوحظ تراجع في التخصصات الجامعية التي تهتم بالدراسات الأمازيغية والتي تمكن من توفير الأساتذة المكلفين بتدريس اللغة الأمازيغية، مما يشكل تعطيلا وإخلالا بمضمون المادة السادسة من القانون التنظيمي رقم 26.16، والتي تؤكد على ضرورة فتح مسالك تكوينية ووحدات للبحث المتخصص في اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وجعل الأمازيغية موضوعا للبحث الجامعي.
من هذه الزاوية من المستحب بناء سياسة ثقافية تُبَوِّؤُ الثقافة وضعية محورية في السياسات العمومية وليس طابعا تكميليا، وجعلها محور الإصلاح والتجديد والتغيير، وتجنب خلق الهامش الثقافي الذي بمس بالخصوص الثقافة الأمازيغية، والذي يتسم بفقر وشح الأنشطة والمشاريع الثقافية. ما يدفع إلى الحديث عن مغرب ثقافي نافع ومغرب ثقافي غير نافع.
لهذا من الممكن التفكير في مشروع "ميثاق وطني للثقافة المغربية" يراعى في صياغته استثمار تنوع مكونات الثقافة المغربية، والارتكاز على قيم الحرية و تمكين الفعل المؤسساتي من نشر وتوزيع جميع التعبيرات الثقافية و الإبداعية الترابية والجهوية بشراكة مع القطاع الخاص ، و العمل على تفعيل البديل الرقمي عبر خلق مواقع وبوابات ثقافية تفاعلية و محينة تعنى بالشأن الثقافي الأمازيغي، وإدماج الخصوصيات الثقافية واللغوية ضمن تصور شمولي للجهوية المتقدمة، لتحصين الهوية الوطنية المتنوعة وتصريف مشروع الجهوية المتقدمة على نحو تراعى فيه الخيرات الثقافية واللغوية الترابية وذلك بخلق مؤسسات جهوية لتدبير التعدد اللغوي والتنوع الثقافي.
من المستحب الإقرار باستنتاج عام يحيل على أن العلاقة بين السياسة اللغوية والتخطيط الثقافي علاقة متفاوض عليها، ترمي إلى بعث وتكريس مشاعر المواطنة والعيش المشترك والانتماء الجماعي. فهل ستؤدي اختلالات السياسة اللغوية إلى احتباس لغوي وثقافي يمكن أن يؤثرا على المنظومة الهوياتية وجسور التعايش بالمغرب؟
البعد الاستشرافي
من مظاهر الاحتباس اللغوي يمكن أن نحيل على إرهاصات فرملة مسلسل التعريب، وإعادة "فرنسة"التعليم، وحصر الأمازيغية كلغة تواصل. ويظل السؤال الوجيه هو كيف يمكن البث في ثنائية اللغات المُدَرَّسَة (وهي أساس الانفتاح بل واجب حضاري) ولغات التدريس وهي محور التعلم والتنشئة المجتمعية (العربية أم الأمازيغية أم الفرنسية أم الأنجليزية ...)؟
في التجارب الدولية ينضبط تدبير الثنائية اللغوية لمبدأين هما مبدأ الشخصانية ومبدأ الترابية من خلال ترابطية الدستورانية بالمؤسساتية. وانطلاقا من هذين المبدأين يجب الأخذ بعين الاعتبار عناصر الهوية المغربية كما هي معلنة في الدستور، فكيف للمدرسة المغربية في هذا الباب أن تستوعب هذين المبدأين من خلال الاعتماد على لغات أجنبية بل بالأحرى لغة أجنبية واحدة ؟
كيف يمكن إذن فهم جدل لغة المدرسة في علاقته بالهوية من خلال القانون الإطار رقم 17. 51؟ يمكن لاعتماد لغة أجنبية كلغة أساسية في التعليم من خلق حالة من اللاأمن اللغوي، مما ينتج عنه انهزامية هوياتية تصير في خضمها اللغة الهوياتية (اللغة العربية واللغة الأمازيغية) لغة دونية ولغة محبطة، بل لغة تحيل على مشاعر من قبيل اليأس و"الحُكْرَة" والازدراء وتفضي إلى شعور الانفصام اللغوي والانفصام الثقافي.
ذلك لأن المتكلم الذي لا يضبط اللغة والقاعدة الراقية (اللغة الأجنبية المعتمدة في منظومة التعليم والتربية) سيتولد لديه قلق وجودي، سيدفعه إلى تقبل "الاستلاب" كاستراتيجية للاندماج في محيطه (" الِّلي ما كيهْدَرْشْ بالْفْرُنْسِي وَلىَّ خارج التغطية). في المقابل يمكن لاعتبار لغة رسمية (الأمازيغية) لغة تواصل في المنظومة التعليمية أن يخلق شرخا في منطق التعددية التي لا يعترف بالتراتبية بل بالتساوي والتكافؤ.
كما يظل الهدف الأسمى هو المرور من لغات هوياتية في حالة العربية والأمازيغية إلى لغات وظيفية عبر حركة إبداعية تخص الترجمة الإيجابية ("مَا يَمْكَنْشْ حْنَا نَبْقَاوْ مْعَوْلِينْ على الفرنسية") أي أن الترجمة من الأنجليزية إلى العربية والأمازيغية أضحت ضرورة لتأهيل اللغات الرسمية المغربية لتصبح لغات تدريس في جميع المستويات، وتستوعب جميع المضامين كما حدث في تجارب أخرى مثل اليابانية والكورية والإسلندية.... يصطدم هذا النسق في الحالة المغربية بالنزوعات اللغوية المحتدمة في السوق اللغوية المغربية كالفرنكوفونية والعربوفونية والأمازيغوفونية والداريجوفونية واللهجوفونية ...
وبالنظر إلى أن لغات المدرسة هي أساس وركيزة بناء وتأطير الهوية الفردية والجماعية، وجسرا للانفتاح الكوني واكتساب المعارف والكفايات والثقافة وتحقيق الاندماج المجتمعي والقيمي، فالوضعية التي ستنجم عن مشروع القانون الإطار رقم 51.17 ستخلق منظومة خارج السياق الدستوري ويمكن من خلالها استشراف حالة من الاحتباس الهوياتي واللغوي في المستقبل تصبح فيه إلزامية تعميم الأمازيغية ضرورة وحاجة مجتمعية.
مداخلة قدمت خلال ندوة فكرية تحت عنوان "ربع قرن من مسار الأمازيغية: خطاب اجدير بين إعادة قراءة التاريخ وترسيخ الهوية وبناء المؤسسات" التي تم تنظيمها من طرف المركز الثقافي إكليل بالرباط، بالشراكة مع جريدة العالم الأمازيغي وجمعية أزافور يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026






