فن وإعلام

الكلمات وصناعة الفضاء.. غوته، ريلكه و"لاوكون ليسينغ"

مراد علمي (أستاذ الآداب الألماني ومترجم "مراثي دوينو" لريلكه إلى العربية المغربية)
في كتابه "لاوكون، أو حدود الرسم والشعر"، (1766)، يميز غوتولد إفرايم ليسينغ بين الفنون التشكيلية، التي تعرض الأشكال والعناصر في حيز مكاني واحد، والشعر، الذي يبني صوره ومعانيه عبر ترتيب وتعاقب الكلمات في الزمن. فاللوحة تتيح للعين أن تدرك المناظر والأشخاص والأشياء في لحظة واحدة، بينما تقتضي القصيدة أن تكشف الصور تدريجيا، بيتا بعد بيت. ومع ذلك، استطاع كبار الشعراء أن يجعلوا من هذا التعاقب اللغوي أداة لخلق فضاءات متكاملة في مخيلة القارئ، وأن يمنحوا اللحظة الشعرية كثافة تتجاوز حدودها الزمنية المباشرة. ويتجلى هذا الإنجاز بوضوح في شعر يوهان فولفغانغ فون غوته وراينر ماريا ريلكه.


1. غوته: سكون المكان وزمن الفناء


مقتطف من قصيدة "نشيد الجوال الليلي" لغوته.


فوق كل القمم


يسود السكون،


وفي أعالي الأشجار


لا تكاد تحس


بأي نسمة،


والطيور صامتة في الغابة.


اتنظر قليلا! وقريبا ستستريح


أنت أيضا....


يشيد غوته، بأقل قدر ممكن من الكلمات، مشهدا طبيعيا متكاملا، فالقمم، وقمم الأشجار، والغابة، تشكل مستويات مكانية متمايزة، لكنها تتآلف في مخيلة القارئ لتؤلف صورة واحدة. ولا تتحقق هذه الوحدة عبر وصف تفصيلي للألوان والأشكال والمسافات، بل من خلال انتقاء كلمات قليلة ووضعها في نظام بالغ الدقة، وتكتسب كلمة "السكون" أهمية خاصة، فهي لا تصف حالة الطبيعة فحسب، بل تجعلها محسوسة من خلال غياب الريح وصمت الطيور. وهكذا لا يبدو المكان مجموعة من العناصر المتجاورة، بل فضاء تسري فيه وحدة خفية، قوامها الصمت. ويعزز الإيقاع هذا الأثر، إذ تبطئ الأبيات القصيرة حركة القراءة، فيما تتحول الوقفات اللغوية إلى ما يشبه التجسيد الشكلي للسكون نفسه.


غير أن عبارة "انتظر قليلا! وقريبا" تنقل القصيدة إلى بعد آخر. فبعد أن كان القارئ يتأمل مشهدا طبيعيا حاضرا، يجد نفسه أمام أفق زمني يتجه نحو المستقبل: "ستستريح أنت أيضا". وبذلك لا يعود السكون وصفا للطبيعة وحدها، بل يصبح إشارة إلى المصير الإنساني، وإلى الفناء الذي لا يستثني أحدا. وقد تفهم الراحة هنا بوصفها نوما هادئا، كما يمكن أن تقرأ تلميحا إلى الموت، كما قال المفكر الألماني مارتين هيدغر ذات يوم: "الإنسان كائن من أجل الموت".


يجمع غوته، إذن، بين المكان والزمن من غير أن يشرح العلاقة بينهما شرحا مباشرا: تتحول الطبيعة إلى صورة لنهاية الإنسان، وتنفتح لحظة التأمل على ما يتجاوزها. تنشأ وحدة المكان من التكثيف اللغوي، بينما تنشأ كثافة الزمن من انتقال القصيدة، في خاتمتها، إلى أفق الفناء.


2. ريلكه: المكان بوصفه سجنا للزمن


يرسم لنا راينر ماريا ريلكه في قصيدته "النمر" مشهدا شعريا بالغ الجمال والعمق، تتجاوز دلالاته حدود الصورة المرئية.


أرهقته رؤية القضبان وهي تمر أمام عينيه،


 حتى بات لا يرى شيئا آخر.


ويخيل إليه أن هناك ألف قضيب،


 وأنه لا وجود لعالم خلف تلك الألف من القضبان.


لا يظهر المكان هنا بوصفه فضاء مفتوحا، بل بوصفه سجنا يحدد رؤية النمر وعلاقته بالعالم. فالقضبان لا تمنع الحيوان من الحركة فحسب، بل تعيد تشكيل إدراكه لما يحيط به. ويضاعف تكرار صورة "ألف قضيب" الإحساس بحدود لا نهاية لها: فالقفص المادي يتحول في وعي النمر إلى فضاء لا يتصور الخروج منه، وتبلغ الصورة ذروتها في العبارة الأخيرة: ‘وخلف ألف قضيب لا وجود لعالم‘. لم تعد القضبان تفصل الحيوان عن محيطه فحسب، بل باتت كأنها تمحو العالم الخارجي ذاته. وهكذا يتحول المكان إلى صورة لوعي فقد انفتاحه على الحياة، ولم يعد يرى وراء حدوده أي أفق ممكن.


أما البعد الزمني، فينشأ من حركة النمر الدائرية. فهو يتحرك في مسار يتكرر من دون أن يفضي إلى تغيير. يمضي الزمن، لكن الوضع يبقى على حاله، وتتوالى الحركات من غير أن تنشأ عنها بداية جديدة أو نهاية محررة. وإذا كان غوته يفتح لحظة السكون على مستقبل الإنسان وفنائه، فإن ريلكه يصور زمنا يتجمد داخل المكان، ويغدو التكرار فيه شكلا من أشكال الأسر الوجودي.


وتكمن قوة ريلكه في تحويل مشهد مرئي إلى تجربة داخلية. فالقضبان تصبح رمزا مكانيا لوجود مسدود الآفاق، والحركة الدائرية تجسيدا لديمومة لا تعرف التطور. هنا لا يندمج المكان والزمن في انسجام هادئ، بل يتحدان في تجربة العزلة وفقدان الحرية.


3. جوابان شعريان عن إشكالية ليسينغ


لا يتعارض شعر غوته وريلكه مع تمييز ليسينغ بين الفنون التشكيلية التي تعتمد على الامتداد المكاني والفنون الشعرية التي تتشكل دلالاتها عبر التعاقب الزمني، بل يكشفان عن الإمكانات التي يتيحها الشعر داخل حدوده الخاصة. فغوته يوظف الإيقاع والاقتصاد اللغوي والصورة الطبيعية ليخلق إحساسا بمشهد متكامل، ثم يفتح هذا المشهد على حقيقة الفناء الإنساني. أما ريلكه فيحول المكان المحصور إلى تجربة شخصية ونفسية، ويجعل من التكرار والسكون وسيلتين لتصوير زمن لا يتقدم.


ويبرهن الشاعران على أن الشعر لا يحتاج إلى عرض جميع عناصر الصورة دفعة واحدة كي يخلق وحدة مكانية في المخيلة. فبوسعه أن يوجه إدراك القارئ بحيث تتشكل، من تعاقب الكلمات، صورة داخلية متكاملة، ثم يمنحها عمقا زمنيا يتجاوز حدود المرئي المباشر.


في كتابه "لاوكون"، تناول غوتولد إفرايم ليسينغ نظريا إشكالية العلاقة بين الرسم والشعر، مبينا الفرق بين الفنون التي تشكل المكان، كما في وسعها أن تشكل المكان والزمن في آن واحد، وتلك التي تتعاقب في الزمن، في الشعر مثلا، وهي الإشكالية التي أشرت إليها سابقا، ويشكل تجاوز هذه الحدود تحديا عسيرا لكثير من الشعراء، حتى المرموقين منهم. لكن ما يبدو إشكالا نظريا معقدا قد يتحول، في يد شاعر كبير، إلى إنجاز فني استثنائي، تتجلى فيه قدرة اللغة على الجمع بين المكان والزمن في تجربة جمالية واحدة.


ففي "نشيد الجوّال الليلي"، يجعل غوته الطبيعة فضاء للسكون، تتوقف فيه اللحظة عند عتبة الأبدية. أما ريلكه، في قصيدته "النمر"، فيحول القضبان الثابتة إلى زمن لا ينتهي من الأسر، حتى يتلاشى العالم خلفها. إنها قدرة نادرة لا تتاح لكل من ينظم الشعر، بل تتطلب عبقرية تتجاوز حدود الوصف إلى خلق تجربة جمالية متكاملة.


وهنا تكمن المعجزة الشعرية: غوته يجعل المكان يلامس الأبدية، وريلكه يجعل الأبدية نفسها سجينة المكان. وبينهما، لا تعود الكلمات تصف العالم فحسب، بل تعيد خلقه، وتمنح المكان زمنا، والزمن صورة، واللحظة حياة تتجاوز حدودها.