سياسة واقتصاد

سريالية في "المشور".. تاه اليسار بين "الماركسية" و"الماركيزية"..

ميمونة الحاج داهي

لا تملك أمام هذا المشهد السريالي إلا أن تبتسم مرارة بعد أن أتحفنا النائب البرلماني، السليل المفترض لخط فكري عريض، بتصريح يشبه "الزلة التاريخية" التي تختزل أزمة النخب السياسية.

 لقد خُيّل للنائب المحترم وهو يستمع إلى لغة الضاد بنبرتها الصحراوية الأصيلة الحسانية أنه ضل الطريق جغرافيا وسياسيا وظن نفسه في ردهات برلمان "الجيران".

  لا أستغرب من جهل النائب بجغرافيا وطنه الثقافية فقط بل أندهش من تلك "الأرستقراطية الصالونية" التي تلبّست خطابا يُفترض أنه ينطق باسم الشعب والكادحين وامتدادات الهوية.

سقوط برلماني "يساري" في فخ التوجس من رافد ثقافي وطني يعتبر مأزقا فكريا كاشفا..فاليسار تاريخيا هو أول من احتضن "الخصوصيات المحلية" ودافع عن التعدد الثقافي باعتباره مقاومة للقولبة المركزية. لكن يبدو أن جدران البرلمان المكيفة أنست البعض أن الحسانية ليست "لهجة وافدة" بل هي صك ملكية مغربي، كُتب بمداد التضحية والوفاء في عمق الصحراء.

 اللحظة التي اعتبر فيها النائب سماع الحسانية تحت قبة البرلمان "غربة سياسية" فإنه لم يُهن رئيس الجلسة المؤقت بل كشف عن عزلته الفكرية داخل "فقاعة العاصمة"، حيث يُمسي الوطن مجرد شعارات تُردد في الندوات ويصبح المواطن "الآخر" غريبا لمجرد أنه يتحدث بلسان أجداده.

والأكثر إثارة للسخرية أن يصدر هذا الموقف عن برلماني يفترض أن الدستور المغربي مرجعيته الأولى. فالدستور واضح وصريح في اعتبار الحسانية مكونا من مكونات الهوية الثقافية المغربية، بما يجعل التشكيك في حضورها داخل مؤسسة تشريعية وطنية مفارقة تستحق المساءلة.

 لكن يبدو أن النائب المحترم يفضل القراءة الانتقائية يدافع عن الحريات والحقوق في صالونات الرباط، ثم "يُصاب بالذعر" حين تنطق ربوع التحدي بلسانها الطبيعي تحت القبة.

هل كان النائب يحتاج إلى "مترجم" ليفهم أن الجغرافيا السياسية للمملكة لا تنتهي عند حدود بوزنيقة؟ أم أن المظاهر البدوية الأصيلة لرجل ترأس الجلسة بحكم السن والقانون لم تكن على مقاس "الأناقة البرجوازية" التي يرتضيها النائب لبرلمان يمثل، للمفارقة، "كل المغاربة"؟

 حشر النائب بنجلون نفسه في زاوية التناقض، فخطابه أسقط القناع عن يسار "مخملي" يعيش انفصاما حادا بين "النظرية" و"الواقع". و من يرى في لسان أهل الصحراء ما يثير لديه شبهة الغربة أو يستحضر به دولة جارة، يحتاج إلى جولة ميدانية في أقاليمنا الجنوبية، ليتعلم كيف تُنطق الوطنية بلكنة حسانية فصيحة، عجزت بعض "نخبة" الرباط السياسية عن مجاراتها في الصدق والعمق.

عفوا، سعادة النائب... البرلمان مغربي جدا، والغريب فيه ليس "اللسان الحساني"، بل "العقل الإقصائي" ... تبرى و يفشك ذاك ..