فن وإعلام

حين يضيق رصيد السياسة برمّته.. ويجعل التربية الإسلامية ممرًّا خلفيًّا للعودة إلى الواجهة..!

ليس من الصعب أن يختلف الناس حول تدريس نظام الإرث، أو حول موقع مادة التربية الإسلامية في المنظومة التربوية، أو حول حدود التجديد البيداغوجي ومناهج بناء المعرفة لدى المتعلّمين. فهذه قضايا مشروعة للنقاش العلمي، ولا تكتسب أيّ حصانة من النقد لمجرّد اتصالها بالدين أو الهوية أو الثوابت الوطنية. لكنّ الصعوبة الحقيقية تبدأ حين يتخلّى النقاش عن قواعده، وتتحوّل الحجة إلى تهمة، والمداخلة إلى شبهة، والاختلاف في التصوّر إلى قرينة على سوء النيّة.


إنّ ما يستوقف القارئ في النص المتداول للأستاذ خالد الصمدي ليس مجرّد دفاعه عن مادة التربية الإسلامية؛ فهذا حقّ مشروع، بل إنّ الدفاع عن جودة تدريسها وتطوير مناهجها مسؤولية تربوية وعلمية. إنّما موضع المساءلة هو الانتقال من مناقشة مضمون حلقة إذاعية إلى بناء رواية متكاملة عن مخطط ممتدّ، ومحاولات اختراق، وقذفات طائشة، وحالات تسلّل، ومؤامرة تُحاك ضد مادتين دراسيتين. وهنا يحقّ لنا أن نسأل: هل نحن أمام تفنيد علمي لما قيل في الحلقة، أم أمام تأطير مسبق للمداخلة داخل سردية صراعية تجعل أصحابها موضع اشتباه قبل فحص حججهم؟


أولًا: من نقد المداخلة إلى محاكمة أصحابها


حين يصف الكاتب ما جرى بأنّه «مسخرة كاريكاتورية»، ويتحدّث عن أساتذة «خلعوا عباءة العلم»، فإنّه لا يكتفي بالاعتراض على مضمون محدّد، بل يقترب من الانتقاص من الصفة العلمية لأصحاب المداخلة. وحين يضيف عبارة «أكل فيها الثوم […] بفم بعض أساتذة الجامعات»، فإنّ الاستعارة الساخرة لا تقدّم تفسيرًا تربويًا، ولا تفنّد فكرة، ولا تدحض استدلالًا؛ إنّها تستدعي صورة بلاغية غايتها الإيحاء بأنّ المتحدّث ليس سوى أداة لغيره.


لكن، ما الدليل الذي يثبت أنّ أستاذًا جامعيًا تخلّى عن استقلاله العلمي لمجرّد أنّه قدّم رأيًا لا يوافق تصوّر كاتب آخر؟ وأين تنتهي حرية نقد المداخلة، وأين يبدأ إسناد أدوار إلى أصحابها من دون إقامة البرهان؟


إنّ الأستاذ الجامعي لا يفقد صفته العلمية عندما يخطئ، كما أنّه لا يكتسب العصمة حين يصيب. الفيصل هو الحجة، لا اللقب؛ والمنهج، لا الموقع؛ وقابلية الرأي للفحص، لا مقدار الانسجام بينه وبين قناعات المتلقّي. فإذا كانت المداخلة ضعيفة، فلتُكشف مواطن ضعفها. وإذا كانت معلوماتها قديمة، فلتُصحّح بالمراجع والتواريخ. وإذا كان استنتاجها خاطئًا، فليُفنّد بالدليل. أمّا خلع عباءة العلم عن أصحابها، فليس ردًّا علميًا، بل حكم على الأشخاص يستعير هيبة العلم من دون أن يلتزم مقتضياته.


والأكثر إثارة للتأمل أنّ استعارة «الفيل في مصنع الخزف» التي استُعملت لتصوير تدخل بعض الأساتذة في قضية تربوية حسّاسة، يمكن أن تُطرح عليها أسئلة معاكسة: أليس من مقتضيات النقاش العلمي أن نختبر أيضًا ما إذا كانت اللغة التي نستخدمها لحماية قضية نبيلة قد تُحدث من الضرر في جسور الحوار أكثر ممّا تصلحه في مضمون القضية نفسها؟


ثانيًا: «حلقة مخطّط لها بدقّة»؛ من أين جاء اليقين؟


يصف النص الحلقة بأنّها «مرتّبة ومضبوطة ومحسوبة، ومخطّط لها بدقّة»، ثم يربطها بمسار طويل يستهدف إبعاد مادة التربية الإسلامية عن المنظومة التربوية المغربية. وهذه دعوى تتجاوز الانطباع الشخصي؛ فهي تنسب إلى الواقعة موقعًا داخل استراتيجية ممتدّة، وتوحي بوجود قصد يتجاوز ظاهر النقاش.


ومثل هذه الدعوى لا تُحسم ببلاغة العبارة، ولا بقوة النبرة، ولا بتكرار مفردات الحرب والاختراق والمؤامرة. إنّها تحتاج إلى أدلة قابلة للتحقّق: وثائق، وقرارات، ومحاضر، وتصريحات موثّقة، وتسلسل زمني يبيّن الصلة بين الوقائع، لا مجرّد تجاورها في رواية واحدة.


فليس كلّ تشابه في النتائج دليلًا على وحدة المقاصد، وليس كلّ نقد لمحتوى مقرر دراسي حلقة في مشروع لإلغائه، كما أنّ عدم الاقتناع بهذا الربط لا يعني بالضرورة إنكار وجود خلافات سابقة حول موقع المادة ومضامينها.


إنّ التحليل الاستراتيجي الرصين لا يخلط بين الواقعة والقراءة، وبين القراءة والفرضية، وبين الفرضية والحقيقة المثبتة. وكلّما اتّسعت الدعوى، ارتفع عبء إثباتها. أمّا أن يُستدعى ربع قرن من التحوّلات التربوية لتفسير حلقة إذاعة استغرق الموضوع فيها بعض الدقائق، ثم تُقدّم الحلقة باعتبارها حلقة جديدة في سلسلة مخطّط طويل، فذلك استنتاج يحتاج إلى إقامة الصلة السببية بين عناصره، لا إلى إحكام السرد وحده.


إنّ أخطر ما في هذا النوع من الخطاب ليس أنّه يختلف في تفسير الوقائع، بل أنّه قد يمنح تفسيرًا واحدًا صفة الحقيقة النهائية، ثم يجعل كلّ من يناقشه مرشّحًا للوقوع في خدمة المخطّط نفسه. وحينئذٍ تصبح الرواية محصّنة من النقد: من يوافقها شاهد على صحتها، ومن يعارضها قرينة على وجود ما تخفيه. وهذه دائرة مغلقة لا تنتج معرفة، بل تعيد إنتاج اليقين السابق لأصحابه.


ثالثًا: من «القذفات الطائشة» إلى «حالات التسلّل»؛ حين تستعير المعرفة لغة الملعب


تتوالى في النص استعارات كرة القدم: «تسجيل هدف في مرمى التربية الإسلامية»، و«القذفات الطائشة»، و«اللاعبون»، و«حالات تسلّل متكرّرة وواضحة». وقد تكون الاستعارة الرياضية وسيلة بلاغية مشروعة لتقريب المعنى، لكنّ السؤال يتعلّق بوظيفتها داخل هذا السياق.


حين يُصوَّر النقاش حول المناهج باعتباره مباراة، وتُقسَّم الأطراف إلى حماة للمرمى ومهاجمين متسلّلين، فإنّ الخلاف ينتقل من مجال تبادل الحجج إلى مجال الاصطفاف بين فريقين. وبدل أن يُسأل: ما مدى وجاهة المقترح؟ وما أثره المحتمل في التعلّم؟ وما الأدلة التي تسنده؟ يصبح السؤال الضمني: إلى أيّ فريق ينتمي صاحبه، ولصالح مَن يلعب؟


وهذه نقلة لها كلفة معرفية وسياسية معًا. معرفيًا، لأنّها قد تحجب مضمون الفكرة وراء هوية قائلها. وسياسيًا، لأنّها تحوّل الخلاف حول السياسة التعليمية إلى معركة ولاء وانتماء، بما يضيّق مساحة التوافق الممكن بين الباحثين والمدرّسين وصنّاع القرار.


والمفارقة أنّ المناهج التعليمية ليست مرمى يحرز فيه فريق هدفًا ويمنع فيه آخر التسجيل؛ إنّها بنية معرفية ومؤسساتية تتداخل فيها اختيارات الدولة، وأهداف التربية، وحاجات المجتمع، وتطوّر العلوم، وكفاءة المدرّسين، وحقوق المتعلّمين. وهي تحتاج إلى تقويم مستمرّ، لا إلى حراسة رمزية تُعامل كلّ سؤال باعتباره تسلّلًا محتملًا.


فإذا كانت مادة التربية الإسلامية تستحق الدفاع عنها، فإنّ الدفاع الأكثر فاعلية عنها هو إظهار قدرتها على إنتاج المعرفة، وتكوين الحسّ الأخلاقي، وتعزيز الفهم المتوازن للعلاقة بين النص والواقع، لا تحويل كلّ نقاش بشأنها إلى مباراة تُحدّد مسبقًا مواقع اللاعبين ومراميهم.


رابعًا: «بقصد أو بغير قصد»؛ العبارة التي توسّع الاتهام وتُضعف إمكان تفنيده


من أكثر العبارات دلالة في النص قوله إنّ بعض المداخلات تمثّل «الانسلاك بقصد أو بغير قصد في مسلسل طويل». فهذه الصياغة لا تحصر الاتهام في أصحاب النيات المفترضة، بل تمدّه حتى إلى من لا يقصدون النتيجة المنسوبة إليهم.


ومن الناحية التحليلية، ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: قصد الفاعل، ومضمون الفعل، والنتيجة التي قد تترتّب عليه. فقد يترتّب على فكرة أثر لم يقصده صاحبها، لكنّ إثبات الأثر لا يثبت وحده القصد. وقد تتقاطع مداخلة ما مع تصوّر يتبنّاه طرف آخر، لكنّ التقاطع لا يكفي لإثبات التنسيق أو التواطؤ أو الانخراط في مشروع مشترك.


هذه الفروق ليست ترفًا لغويًا؛ إنّها من أساسيات التحليل القانوني والاجتماعي والسياسي. فالانتقال من الأثر إلى النيّة، ومن التشابه إلى التنسيق، ومن النقد إلى التواطؤ، يحتاج في كلّ مرحلة إلى دليل مستقلّ يناسب طبيعة الادّعاء.


وإلا أمكن توسيع دائرة الاتهام إلى حدّ يصعب معه على أيّ مخالف أن يبرّئ موقفه: فإن أعلن حسن نيّته قيل إنّه يشارك من غير قصد، وإن نفى علاقته بالمشروع قيل إنّ مداخلته تخدمه موضوعيًا. وعند هذه النقطة لا يعود النقاش بحثًا عن الحقيقة، بل يصبح إطارًا لتفسير كلّ اعتراض بما يضمن بقاء الاتهام قائمًا.


إنّ حسن النيّة لا يعفي الأفكار من النقد، كما أنّ سوء النيّة لا يُثبت بالتخمين. وفي الحالتين، تظلّ الحجة هي المعيار الذي ينبغي أن يحتكم إليه الجميع.


خامسًا: هل الدفاع عن التربية الإسلامية يقتضي تحصينها من النقد؟


لا خلاف في أنّ مادة التربية الإسلامية مكوّن من مكوّنات المنظومة التربوية المغربية، وأنّ النقاش حول موقعها ومضامينها يستحقّ قدرًا عاليًا من المعرفة والمسؤولية. لكنّ الدفاع عن مادة دراسية شيء، واعتبار نقد طرائق تدريسها استهدافًا لهويّة المجتمع شيء آخر.


فالتمييز واجب بين المرجعية الدينية، والمضامين التعليمية التي تُختار لتدريسها، والطرائق البيداغوجية التي تُعتمد في تقديمها، والتقويم الذي تُقاس به نتائج التعلّم. هذه مستويات مترابطة، لكنّها ليست متطابقة. ولا يجوز منطقيًا أن يُعامل الاعتراض على طريقة عرض موضوع بعينه بوصفه اعتراضًا على الدين نفسه، إلا إذا قدّم الناقد دليلًا يثبت هذا الانتقال.


ومن حقّ المدافعين عن المادة أن يناقشوا آثار أيّ مقترح على حضورها ومكانتها، وأن يستندوا إلى الوثائق التاريخية والتربوية لإثبات ما يرونه محاولات للتهميش أو الإقصاء. لكنّ من حقّ الآخرين أيضًا أن يناقشوا طرائق تدريسها، وأن يسألوا عن صلتها بحاجات المتعلّمين، وعن مدى نجاحها في تنمية الفهم والاستدلال، وعن كيفية ربط المعارف بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المعاصرة.


إنّ المنظومة التربوية لا تتقدّم بإغلاق الأسئلة، بل بإحسان صياغتها، ولا تتقوّى بتحويل الاختلاف إلى شبهة، بل بامتلاك القدرة على الإجابة عنه. وإذا كان هناك من يدعو إلى تحجيم المادة أو تغيير موقعها، فالمواجهة العلمية تكون بتحديد المقترحات والقرارات والآثار، وتفنيد حججها، وتقديم البدائل المقنعة. أمّا توسيع دائرة الاشتباه لتشمل كلّ من يناقشها، فقد يضعف حتى حجج المدافعين عنها، لأنّه يستبدل البرهان بالتعبئة والانفعال.


سادسًا: الاقتصاد السياسي للخطاب؛ حين تصبح الهوية رأسمالًا في إدارة الخلاف


ثمّة بُعد آخر يستحقّ الانتباه: إنّ استدعاء الهوية والثوابت في النقاشات العمومية يمنح الخطاب طاقة رمزية كبيرة، لأنّ القضايا المتصلة بالدين والانتماء الوطني تتجاوز المصالح الفردية إلى مشاعر جماعية عميقة. لكنّ هذه القوة الرمزية يمكن أن تؤدّي وظيفتين مختلفتين: قد تُستخدم لتعبئة المجتمع حول نقاش مسؤول يحمي مصالحه وقيمه، وقد تتحوّل إلى رأسمال خطابي يمنح صاحبه موقع المدافع، ويضع خصمه في موقع المتّهم، قبل أن يُفحص مضمون الخلاف.


ليس المقصود هنا الحكم على دوافع شخص بعينه، ولا الادّعاء بأنّ الدفاع عن الهوية مجرّد أداة للمكاسب الرمزية. المقصود هو التنبيه إلى آلية معروفة في تحليل الخطاب العام: حين تُقدَّم قضية ما بوصفها خطًّا فاصلًا بين الوفاء والخيانة، أو بين الحماية والهدم، ترتفع الكلفة الرمزية للاعتراض، ويصبح من الأصعب مناقشة التفاصيل من دون أن يُساء تأويل الموقف.


وهنا تظهر المفارقة: قد يرفع الخطاب شعار حماية مادة دراسية، لكنه، إذا بالغ في عسكرة النقاش حولها، يضيّق المجال الذي يمكن أن تُناقَش فيه جودتها وفعاليتها وتطويرها. وقد يستقطب مؤيّدين أكثر، لكنه لا يقدّم بالضرورة معرفة أكثر. فالانتشار ليس دليلًا على صحة الاستنتاج، وقوة التعبئة ليست بديلًا عن قوة الحجة، كما أنّ كثافة المفردات الوطنية والدينية لا تعفي الخطاب من واجب التوثيق.


ومن منظور استراتيجي، فإنّ حماية أيّ مكوّن من مكوّنات الهوية لا تتحقق بمجرد رفع منسوب الاستنفار، بل ببناء مؤسسات قادرة على إنتاج معرفة موثوقة، وتكوين أجيال تمتلك الثقة في مرجعيتها والقدرة على التفكير في الوقت نفسه. فالثقة التي تخشى السؤال ليست ثقة راسخة، والمرجعية التي لا تستطيع مواجهة النقد بالحجة تُترك عرضة للتأويلات المتضاربة بدل أن تُقدَّم في صورتها المعرفية المتماسكة.


سابعًا: مَن يُدخل الفيل فعلًا إلى مصنع الخزف؟


لعلّ عنوان «إدخال الفيل إلى مصنع الخزف» يختصر المفارقة التي ينبغي أن يتّسع لها النقاش. فقد استُخدمت الاستعارة لوصف مداخلات اعتُبرت غير ملائمة لحساسية الموضوع، لكنّ معيار الملاءمة لا ينبغي أن يُطبَّق على طرف واحد دون آخر. فإذا كان المطلوب حماية النقاش التربوي من التبسيط والتهكّم، فإنّ هذا المطلب يشمل الجميع: منشطي البرامج، والأساتذة المشاركين، والمدافعين عن المادة، ومنتقديها.


الفيل ليس بالضرورة من يطرح سؤالًا لا يعجبنا، ولا من يناقش طريقة تدريس موضوع ديني، ولا من يطالب بتطوير مقرر. وقد يكون الضرر الحقيقي في تحويل سؤال قابل للنقاش إلى تهمة ثقيلة، أو في استعمال استعارات تُضعف مكانة المخالف بدل أن تُضعف حجته، أو في تقديم فرضية سياسية واسعة بوصفها حقيقة ثابتة قبل عرض أدلتها.


وإذا كان بعض المشاركين قد قدّموا طرحًا مختزلًا أو غير دقيق، فإنّ علاج ذلك لا يكون بتوسيع دائرة الإدانة، بل بإظهار مواضع الاختزال وعدم الدقة، وتقديم المعلومات الصحيحة، وفتح المجال أمام نقاش أكثر إحكامًا. أمّا إذا كانت هناك أدلة على وجود مشروع منظم لتغيير موقع مادة التربية الإسلامية أو تحجيمها، فلتُعرض تلك الأدلة في سياقها التاريخي والمؤسساتي، وليُترك للقراء والباحثين تقييمها.


ذلك هو الفارق بين خطاب يكتفي بتعبئة الأنصار، وخطاب يراهن على إقناع العقول؛ بين من يرفع سقف الاتهام، ومن يرفع مستوى الإثبات؛ وبين من يحوّل الخصومة إلى معركة هويات، ومن يعيدها إلى موضوعها الأصلي: كيف نبني تعليمًا يحفظ مرجعيات المجتمع، ويصون استقلال التفكير، ويمنح المتعلّم القدرة على الفهم والتحليل والمناقشة؟


خاتمة: حين تكون الحجة أقوى من الاستعارة


إنّ الدفاع عن التربية الإسلامية لا يحتاج إلى تجريح الأساتذة، كما أنّ تطوير مناهجها لا يقتضي الانتقاص من مرجعيتها. والنقد العلمي لا يُقاس بجرأة العبارة، بل بقدرة صاحبها على تقديم الدليل؛ ولا يُختبر صدق الموقف بحدة النبرة، بل بمدى التزامه بالتمييز بين الوقائع والاستنتاجات، وبين الخلاف في الرأي والاتهام في النيّة.


وإذا كان الأستاذ خالد الصمدي يرى أنّ حلقة المواريث امتداد لمسار يستهدف المادة، فمن حقّه أن يعرض تصوّره، وأن يوثّق محطاته، وأن يناقش ما يراه من مخاطر. لكنّ من حقّ المتلقّي أيضًا أن يطالب بالفصل بين ما تثبته الوثائق وما يستنتجه الكاتب، وبين نقد مضمون الحلقة والقول إنّها جزء من مخطط، وبين وصف المداخلة بالخطأ وإدراج أصحابها في رواية عن الاختراق والتسلّل والمؤامرة.


فلا تُحمى الهوية بإعفاء الخطاب المدافع عنها من النقد، ولا يُصان العلم بإقصاء من يختلف في التقدير، ولا تُبنى الثقة في المؤسسات التربوية بجعل النيات موضوعًا للتخمين.


والقاعدة التي ينبغي ألّا تضيع وسط ضجيج الاستعارات هي أنّ من يملك الدليل لا يحتاج إلى تجريح خصمه، ومن يثق بقوة حجته لا يخشى السؤال، ومن يدافع عن قضية عادلة لا يضرّها أن تُناقَش؛ بل يضرّها أن يُستبدل البرهان بالتعبئة، والتحليل بالتخوين، والنقد بمحاكمة النوايا.


فإذا كان الفيل قد دخل مصنع الخزف فعلًا، فلنحدّد أولًا ما الذي كُسر، وكيف كُسر، ومن المسؤول عنه، وبأيّ دليل؛ بدل أن نكتفي بوصف الفيل، وتوزيع الأدوار على اللاعبين، وإعلان النتيجة قبل انتهاء التحقيق.

لقد استيقظتَ متأخّرًا لاستعادة موقعك في المشهد السياسي؛ لكنّ الذاكرة العمومية لا تُمحى بخطاب جديد، ولا تُرمَّم الأخطاء القديمة باستثمار قضايا كبرى.


إنّ من يُحمَّل مسؤولية الإسهام في تهميش اللغة العربية لا يكفيه أن يرفع اليوم راية الدفاع عن التربية الإسلامية وكأنّ تغيير العنوان كفيل بمحو ما راكمه الماضي من أسئلة وانتقادات.


فالتربية الإسلامية أُمّة ووطن ومرجعية ومشروع تربوي وتاريخ؛ وليست ملكًا لأحد ولا أصلًا تجاريًّا يُستثمر لترميم رصيد سياسي تآكل منذ زمن. إنها مكوّن أصيل من منظومة التربية والتعليم، لها رجالها ونساؤها وكفاءاتها، ولا تُختزل في شخص مهما بلغ حجمه أو مقدار إسهامه.


ولا يجوز تحويل الاختلاف حول تدريسها إلى ادّعاء بوجود مؤامرة، ما لم تسنده الوقائع والأدلة.


فلا تصنع لنفسك بطولةً في معركة لا تثبتها الحجج؛ كان الأجدر أن تواجه أولًا أسئلة مسؤوليتك عن اللغة العربية، قبل أن تتصدّر الدفاع عن قضية وطنية لا يملك أحد احتكارها.


فبعض الأخطاء لا يمحوها تغيير العناوين، وبعض المعارك لا تمنح البطولة لمن يصل إليها متأخّرًا.


ملحوظة

1 كلما كتبت وأشرت لنا فأننا نملك من النفس والقدرة بحول الله وقوته الرد بالحجة والدليل والأخلاق ، فلا تعتقد انك وجدت جدارا قصيرا،

2 أحملك كامل المسؤولية الأخلاقية والمعنوية التي دخل فيها ألاتباع بلا هدى ولا صراط مستقيم، فحين يكتب عن فريق ديكريبتاج مجموعة من الملاحدة علما انهم أهل صيام وقيام، وحين يكون بعض الاتباع غارقين في النوم العميق ساعة صلاة الصبح، فإذا ما استيقظوا شتموا الناس واتهموهم في دينهم، فأن الأمر جد، فمعظم الشر من مستصغر الشرر، والواجب الأخلاقي يقتضي التعبير عن رفض ذلك وليس مشايعته او الصمت عنه.