الكتابة في فيسبوك حول القضايا الدينية مهمة جدا، فهي من ناحية لها دور تربوي بيداغوجي، ولها من ناحية أخرى دور اجتماعي سوسيولوجي.
الدور الثاني مفيد لأنه يكشف لنا كيف تفكر فئة من الناس، فيهم تلاميذ وطلبة وباحثون وأساتذة تعليم ومواطنون عاديون، لأن التعليقات هي بمثابة استمارات صالحة لتكوين نظرة عن صنف في المجتمع. إذا وضعت ألف استمارة وأردت توزيعها فإن ذلك يتطلب منك أسبوعا، وإذا أردت جمعها فسوف تحتاج ثلاثة أيام أو أكثر، وعليك أن تنتقل من مكان إلى مكان، لكنك بنشر تدوينة واحدة تأتيك استمارات كثيرة وأنت جالس في مكانك.
ولذلك أجد متعة تعليمية رائعة عندما تأتيني التعليقات المليئة بالجهل والشتائم حين أكتب منشورات قصيرة ومركزة وواضحة عن أمر من أمور زمننا، كما يحصل حين أكتب شيئا عن أحد وجوه العلمانية أو الإلحاد الجديدة التي تغمس أصابعها الخمس بدون غسل في القرآن أو السنة، أمثال محمد شحرور.
وأنا أدرك بأن مهمة المثقف صاحب الرسالة في هذا الزمن مهمة صعبة لأنه بين جاهل وغافل وخامل، ومن يقتحم ويكتب رأيه في مواقع التواصل الاجتماعي يعرض نفسه للسب والقذف والهجوم من لدن الجهلة، فمن تردد وتراجع فله أجر، ومن تقدم ومشى فله أجران إن شاء الله.
ورأيي أن المثقف الواثق لا ينبغي أن ينتصر عليه الجهلة، فما قيمة مثقف يتراجع أمام قطيع من الجهال؟ إذ لا بد أن نجد العذر لبعضهم بسبب الجهل، إنما المشكلة تحصل مع الجاهل المتعالم، أما الجاهل صريح الجهل فهو معذور.
وأنا قرأت جميع كتب شحرور، واستمعت للعشرات من مقابلاته التلفزيونية، وألفت عنه كتابا في أكثر من 200 صفحة نشر مرتين في المغرب ومصر، ونظرا لهذه المعرفة الواسعة بأفكار شحرور أتعجب كل العجب ممن يؤيدونه، بل لا أفرق بينهم وبين قطيع من الغنم، إذ كيف يمكن لشخص سوي اتباع هذا الملحد غريب الأطوار الذي يتخفى وراء الآيات كما صنع مسيلمة الكذاب حين تخفى وراء القرآن لتقليده؟.
وهذا حكم على ما كتبه الرجل ونطقه بلسانه فقط، أما إذا خرجنا عما كتبه وقال به ووضعناه في السياق فالمصيبة تكون أكبر. فشحرور تبنته المخابرات الأمريكية من خلال دولة خليجية فتحت له القنوات والمؤسسات، وأشاد به تقرير مركز راند الأمريكي التابع للبنتاغون أكثر من مرة. وفوق ذلك فإن حتى العلمانيين الملحدين من الباحثين العرب سخروا منه أمثال نصر حامد أيي زيد ومحمد أركون الذين وصفوه بأنه "تلفيقي"، وليس بعد شهادة هؤلاء على أخ لهم شهادة.
ولكنك تتحدث في فيسبوك مع من لا يعرف أبا زيد ولا أركون ولا شحرور، إلا قلة قليلة من أصحاب العقول.
إنما المهم ما نصل إليه من نتائج من خلال تلك "الاستمارات"، والنتائج هي أن الجهل بالإسلام انتشر بين أوساط معينة خاصة الشباب، ومن المصائب العظمى أن تجد من يؤيد شخصا يبيح الزنا بالقرآن وينكر الصلاة ويطعن في الصيام ويحرف آيات القرآن كما حرف بنو إسسرائيل، إلا أن هؤلاء حرفوا النص وشحرور وأمثاله حرفوا معاني النص، لأن الله تعهد بحفظ الكتاب من التحريف، لكنه لم يتعهد بحفظ العقول.
وأعتقد أن هذا هو الوقت الذي يجب أن يتحرك فيه المثقف الملتزم والعلماء والدعاة، وأن يبتعدوا قليلا عن الخطاب التقليدي وأن يعتمدوا خطاب العقل والحجاج، وأن لا يحرصوا على المشاهدات أو يخافوا أن يفقدوا جمهورهم، فإن كلمة حق صغيرة أفضل من ثلاثة أطنان من الأتباع.






