المشكلة المحتملة ليست بالضرورة في غياب الأهداف أو الموارد المالية، بل في قدرة الإدارة العمومية على تحويل الاعتمادات المالية إلى إنجازات فعلية يشعر بها المواطن.
وهذا ليس مجرد تخوف نظري؛ فتقرير صندوق النقد الدولي بشأن المغرب يشير إلى وجود مجال لتحسين تدبير الاستثمار العمومي، ويدعو إلى تعزيز اختيار المشاريع وترتيب أولوياتها ومراقبة تنفيذها، ولا سيما في الصحة والتعليم.
أين تكمن المشكلة ؟
1. ضعف التنسيق بين المؤسسات: قد تكون الأهداف واضحة، لكن تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات يؤديان إلى بطء القرار وتأخر الإنجاز.
2. محدودية القدرة التنفيذية: رصد الميزانية لا يعني بالضرورة تنفيذ المشروع في الوقت المحدد. فقد تعترض التنفيذ مشكلات العقار، والصفقات العمومية، والموارد البشرية، وضعف الخبرة التقنية لدى بعض الإدارات المحلية.
3. غياب الربط الكافي بين الإنفاق والنتائج: لا يكفي أن تعلن الإدارة عن صرف مليارات الدراهم؛ بل يجب أن تبيّن ما أُنجز فعلياً، وما تحسّن في حياة المواطنين، وما بقي متعثراً ولماذا.
4. مركزية القرار وضعف المبادرة المحلية: إذا كانت الجماعات الترابية والمصالح المحلية لا تمتلك الكفاءات والصلاحيات والموارد اللازمة، فقد تظل البرامج الوطنية طموحة على الورق، بينما يتأخر تنفيذها على أرض الواقع. وتشير دراسة تقييمية للحكامة في المغرب إلى تحديات تتعلق ببطء الإجراءات ومحدودية اللامركزية العملية. 
ما الذي ينبغي فعله؟
في تقديري التحليلي، ينبغي أن يواكب الميزانية إصلاح إداري وتنظيمي يركز على خمسة أمور:
تحديد مسؤول واضح عن تنفيذ كل برنامج، مع آجال محددة.
ربط التمويل بمراحل الإنجاز الفعلية، لا بمجرد الالتزامات الإدارية.
تعزيز كفاءة الموارد البشرية والتقنية في الجهات والجماعات الترابية.
نشر مؤشرات دورية تقارن بين الاعتمادات المرصودة والمبالغ المصروفة والنتائج المحققة.
تفعيل المساءلة عن التأخر والهدر، مع التمييز بين الإخفاق الناتج عن ضعف الكفاءة وبين التعثر الخارج عن إرادة المسؤول.
وقد أدرجت الحكومة بالفعل توجيهات تدعو إلى مراعاة القدرة الفعلية للوزارات والمؤسسات على تنفيذ المشاريع، وتجنب ترحيل الاعتمادات بصورة متكررة من سنة إلى أخرى. وهذا يجعل مسألة القدرة التنفيذية ذات صلة مباشرة بنقاش
هناك ثلاثة مستويات يجب التركيز عليها:
الميزانية ليست هي التنمية، والإنفاق ليس هو الإنجاز، والإنجاز ليس بالضرورة تنميةً مستدامة.
قد تتوفر الأموال، وتُعلن البرامج، وتتحقق بعض المشاريع، لكن التنمية تتطلب مؤسسات قادرة على التخطيط والتنسيق والتنفيذ والتقييم والمحاسبة.
ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح عند مناقشة قانون المالية ليس فقط: كم ستنفق الدولة؟ بل أيضاً: هل تمتلك الدولة جهازاً إدارياً وتنظيمياً قادراً على تحويل كل درهم يُنفق إلى قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية؟






