لأول مرة في تاريخ الحكومات المغربية، نجد حقيبة تربوية برأسين يساريين خالصين. وزير وصي من حزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، ووزير منتدب من حزب الاتحاد الاشتراكي، كمال الهشومي، مكلف تحديدا بالنقط التي أفشلت كل الإصلاحات: التعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي.
المفارقة ليست في الشخصين، بل في اللحظة وفي التركيبة. يسار يعود لتدبير أكثر القطاعات حساسية، لكن داخل حكومة تقودها فاطمة الزهراء المنصوري بمرجعية ليبرالية واضحة. والأهم، يساران بتاريخ من التنافس والتمايز يجتمعان اليوم .
فما الذي يجمع الوردة والكتاب داخل نفس الحقيبة ؟
ما قاله الهشومي في خرجته الإعلامية الأولى لم يكن عاديا. لم يتحدث عن "تقليص" الهدر، بل عن "صفر انقطاع". الفرق بين التعبيرين هو الفرق بين منطقين للتدبير.
المنطق القديم كان يعالج الظاهرة كرقم وطني في تقرير للمجلس الأعلى للتعليم. 300 ألف منقطع سنويا، 70% منهم في العالم القروي، والنسبة أكبر في صفوف الفتيات. نوزع محافظ تيسير، نعمم الإطعام، نزيد أسطول النقل المدرسي، وتنتهي المهمة.
الهشومي، بخلفيته كأستاذ للقانون الدستوري وكخبير في تدبير الموارد البشرية، وكابن للشبيبة الاتحادية والحي المحمدي، يطرح منطقا آخر: المنقطع ليس رقما، بل هو طفل له اسم وعنوان وسبب. التلميذة التي انقطعت في شيشاوة لأن الإعدادية تبعد 12 كيلومترا، ليست هي التلميذ الذي انقطع في الحوز لأنه لم يجد مقعدا في التكوين المهني. ولكل حالة حل.
هنا يظهر التكامل الخلاق بين الحزبين، وأيضا التمايز.
تصور الاتحاد الاشتراكي الذي يحمله الهشومي هو تصور العدالة المجالية. الاتحاد، منذ وثيقة الاختيار الاشتراكي، يرى أن التعليم هو آلية الترقي الاجتماعي الوحيدة لأبناء الشعب. لذلك يركز الهشومي على ثلاث نقط تبدو تقنية لكنها سياسية في العمق:
أولا، المربية. تحويل 30 ألف مربية من جمعيات وسيطة بأجور هشة، إلى إطار تربوي بمسار مهني واضح. الاتحاد يعتبر أن هذا هو المدخل الطبقي للإصلاح. بدون تأهيل المربية، كل حديث عن تعميم التعليم الأولي في أفق 2031 هو مجرد بناء قاعات فارغة.
ثانيا، التتبع الفردي. النظام الذي يقترحه ليس مسارا آخر، بل نظام إنذار مبكر يربط وزارة التربية بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ووزارة الداخلية. تلميذ تغيب 3 أيام متتالية، تتحرك الخلية المحلية. هذا هو منطق الاتحاد التاريخي في القرب والإنصات.
ثالثا، التعاقد المجالي. وهذه هي نقطة قوته كابن العمل الجمعوي. أن تلتزم كل جماعة ترابية بخفض نسبة الهدر في مجالها، بدل أن تظل القضية قرارا مركزيا في الرباط.
أما تصور التقدم والاشتراكية الذي يحمله بنعبد الله، فهو تصور الدولة الضامنة. بنعبد الله، كأمين عام لحزب الكتاب، لا يرى المدرسة فقط كخدمة اجتماعية، بل كفضاء لإعادة بناء المساواة. لذلك أول إشارة أرسلها كانت سياسية بامتياز: مراجعة تسقيف سن التوظيف في 30 و35 سنة، وفتح الباب لحوار مع الفئات المحتجة.
الرسالة واضحة ومكملة لما يقوم به الهشومي: لا يمكن للهشومي أن يحارب الهدر في الميدان بمدرسين مرهقين ومحبطين. بنعبد الله يوفر الغطاء السياسي والاجتماعي، والهشومي ينزل للمعركة الميدانية.
الدولة عند التقدم والاشتراكية هي التي تضع معيار الجودة عبر مشروع مدارس الريادة، وهي التي تضمن الربط بين التربية والتكوين المهني والتأهيل، حتى لا نرمي المنقطع إلى الشارع، بل نوجهه لمسار بديل. بمعنى آخر، بنعبد الله يبني شبكة الأمان، والهشومي يمنع السقوط.
إذن أين يكمن التحدي الحقيقي لهذا الزواج اليساري؟
التحدي ليس في النوايا، فالنوايا هذه المرة تبدو صادقة ومختلفة. التحدي في ثلاثة حقول ألغام قد تفجر هذا التحالف من الداخل:
1. حقل التمويل: صفر انقطاع يكلف. تأهيل المربيات يكلف، النقل المدرسي يكلف، الرقمنة تكلف. هل ستقبل وزارة المالية في حكومة ترفع شعار ترشيد النفقات، بتمويل مشروع يساري بامتياز؟ هنا سيحتاج الحزبان للتحول من حليفين داخل الحقيبة إلى لوبي ضغط موحد داخل الأغلبية.
2. حقل الإدارة: الوزارة اعتادت لعقود على منطق المذكرات. هل سيقبل المدير الإقليمي والجهوي أن يتحول إلى متعاقد مجالي يحاسب بالأسماء لا بالأرقام؟ هذا هو الامتحان الحقيقي لثقافة الاتحاد الاشتراكي في اللامركزية.
3. حقل الزمن السياسي: الحكومة عمرها 5 سنوات، لكن ثمار التعليم الأولي لا تظهر إلا بعد 15 سنة. هل سيصبر الرأي العام على وزيرين يقولان "نستثمر في طفل سيصبح مهندسا بعد عقدين"؟ هنا سيحتاج حزب التقدم والاشتراكية بخبرته في التواصل السياسي أن يبيع الأمل الطويل المدى.
لذلك، سؤال "صفر انقطاع.. هل ينجح الهشومي؟" هو سؤال خاطئ ومختزل. السؤال الصحيح هو: هل ينجح الكتاب والوردة أخيرا في إثبات أن رؤيتهما للمدرسة، واحدة مجالية والأخرى دولتية، يمكن أن تتكامل لإنقاذ المدرسة العمومية؟
التلميذ الذي ننقذه اليوم من الانقطاع، هو الشاب الذي لن نحتاج غدا أن نعالجه ببرامج فرصة ثانية أو بمقاربات أمنية.
وبهذا المعنى، فإن الحقيبة المستحدثة برأسين يساريين، هي آخر فرصة لليسار المغربي ليقول إن أفكاره ما زالت صالحة، ليس في كتب المعارضة، بل في تدبير الفصل الدراسي.






