منذ استقلال المغرب سنة 1956، واحداً من أكثر الملفات الترابية حساسية في العلاقات المغربية-الإسبانية. لكنه، خلافاً لقضية الصحراء، لم يتحول إلى ملف تفاوضي دائم، ولا موضوعاً لمسار أممي خاص. غير أن سنة 2026 أعادت الملف إلى واجهة النقاش بصورة مختلفة. فقد أكد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي أن سبتة ومليلية تمثلان حقاً «تاريخياً وجغرافياً» للمغرب، ودعا إلى إنشاء آلية للحوار مع إسبانيا حول مستقبلهما. لكن مدريد ردت برفض قاطع، مؤكدة أن المدينتين جزء من السيادة الإسبانية ومن أراضي الاتحاد الأوروبي. وفي 28 غشت 2026، ذهب وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أبعد من ذلك، إذ أعلن أن بلاده لن تتفاوض مع المغرب حول سيادة سبتة ومليلية. فهل يمكن أن يبقى ملف ذو جذور استعمارية خارج النقاش الدولي لمجرد أن القوة القائمة بالأمر ترفض إدراجه في أجندة تصفية الاستعمار؟
أولاً: لماذا يصف المغرب سبتة ومليلية بأنهما أراضٍ محتلة؟
إن الموقف المغربي يقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية:
الجغرافيا، لأن المدينتين تقعان في المجال الجغرافي لشمال المغرب، وليس في المجال الجغرافي الأوروبي.
وهذا العامل ظل حاضراً بقوة في الخطاب المغربي: فوجود مدينتين تابعتين لدولة أوروبية على الساحل الإفريقي يمثل، من المنظور المغربي، استمراراً لوضع استعماري تاريخي.
التاريخ، لأن سبتة دخلت المجال البرتغالي سنة 1415م، ثم انتقلت إلى التاج الإسباني سنة 1640م، بينما احتلت إسبانيا مليلية سنة 1497م. ومن ثم فإن السؤال المغربي لا يتعلق فقط بحدود دولة حديثة، وإنما بآثار مرحلة تاريخية سبقت نشوء الدولة المغربية الحديثة بصيغتها المعاصرة.
استكمال الاستقلال، لأنه من المنظور المغربي، لم يكن استقلال 1956 نهاية كاملة للاستعمار في التراب المغربي. وهذا الموقف ظهر بالفعل في النقاشات المغربية داخل الأمم المتحدة في ستينيات القرن الماضي؛ فقد اعتبر الوفد المغربي آنذاك سبتة ومليلية من المناطق التي بقيت تحت السيطرة الإسبانية بعد استقلال المغرب. ومن هنا، فإن الاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة اكتمال تصفية كل الآثار الترابية للاستعمار.
ثانياً: لكن هل القانون الدولي يعتبر سبتة ومليلية «أقاليم غير متمتعة بالحكم الذاتي»؟
ففي الطرح المغربي، ووفق القائمة الحالية للأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، يوجد 17 إقليماً مدرجاً ضمن أجندة لجنة تصفية الاستعمار، ومن بينها جبل طارق، لكن سبتة ومليلية ليستا ضمن هذه القائمة. كما أن الأمم المتحدة ما زالت، إلى حدود 2026، تعدّ جبل طارق موضوعاً مستقلاً في إطار لجنة تصفية الاستعمار، إذ أُعدّ له تقريراً خاصاً خلال دورة 2026. مما يخلق مفارقة قانونية وسياسية مهمة: فالمغرب يرى في المدينتين بقايا استعمارية؛ بينما النظام الدولي القائم لا يعاملهما حالياً كإقليمين خاضعين لمسار أممي لتصفية الاستعمار.
ثالثاً: لماذا تختلف حالة سبتة ومليلية عن جبل طارق؟
إن هذه المقارنة شديدة الأهمية. ففي حالة جبل طارق، هناك اعتراف أممي صريح بوضعه كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، وهو مدرج منذ سنة 1946. أما سبتة ومليلية، فقد رفضت إسبانيا تاريخياً اعتبارهما مستعمرتين، وتمسكت بأنهما جزء من التراب الإسباني.
بل إن وثيقة أممية تاريخية توثق الموقف الإسباني الذي يؤكد أن سبتة ومليلية لم تكونا مدرجتين كأقاليم غير متمتعة بالحكم الذاتي، وأن إسبانيا اعتبرتهما جزءاً من أراضيها الوطنية. إذن، فالمعركة المغربية الحقيقية ليست فقط حول السيادة، بل أيضاً حول تعريف الوضع القانوني للمدينتين في النظام الدولي. وهذه مسألة استراتيجية وحساسة.
رابعاً: التعنت الإسباني: من «عدم النقاش» إلى «السيادة غير القابلة للتفاوض»
إن الموقف الإسباني في 2026 أصبح أكثر جرأة! ففي غشت، أكدت الخارجية الإسبانية أن سبتة ومليلية جزء من «السلامة الإقليمية والسيادة الإسبانية»، وأنهما أيضاً جزء من الاتحاد الأوروبي، ورفضت بشكل قاطع أي مقاربة مخالفة. كما زار ألباريس سبتة في 11 غشت، وأكد الالتزام «الكامل والدائم» بالمدينة وبالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية. وهذا يعني أن مدريد لا تتعامل مع الملف بوصفه نزاعاً ترابياً قابلاً للتفاوض، وإنما باعتباره مسألة سيادة وطنية غير قابلة للنقاش. فهل رفض التفاوض يمكن أن يكون بديلاً عن حل النزاع، أم أنه يؤدي فقط إلى تجميده؟
خامساً: 2026 غيّرت طبيعة الملف، إن المثير للاهتمام في هذا الشأن
إن قضية سبتة لم تعد منفصلة عن قضايا أخرى: كالهجرة؛ أمن الحدود؛ العلاقات المغربية-الإسبانية؛ الاتحاد الأوروبي؛ التعاون الأمني؛ مكافحة شبكات الاتجار بالبشر؛ وإدارة المجال المتوسطي. وقد شهدت سبتة في يوليو 2026 أزمة هجرة ضخمة، أعقبتها توترات سياسية وأمنية كبيرة، فيما طلبت إسبانيا لاحقاً دعماً من وكالة فرونتكس الأوروبية للتعامل مع تداعيات الأزمة. وهذا يجعل القضية أكثر تعقيداً. فسبتة لم تعد مجرد قضية سيادة؛ لقد أصبحت عقدة جيوسياسية تجمع التراب والهجرة والأمن والاتحاد الأوروبي والعلاقات المغربية-الإسبانية.
سادساً: هل تستطيع الرباط تدويل القضية؟
نعم، بالإمكان، ولكن ليس بالصيغة التقليدية. ذلك أنه إذا طرحت الرباط الموضوع أمام الأمم المتحدة باعتباره مجرد «احتلال إسبانيا لمدينتين مغربيتين»، فستواجه مشكلة كبيرة، لأن الوضع القانوني الدولي الحالي لا يضع المدينتين ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. أما إذا أعادت بناء الملف على أساس: «استكمال تصفية الاستعمار في شمال إفريقيا»، فإنها تدخل النقاش من زاوية أوسع. وهنا يمكن للمغرب أن يستفيد من مجموعة من المبادئ الدولية: مبدأ تقرير المصير؛ تصفية الاستعمار؛ عدم جواز استمرار الأوضاع الاستعمارية؛ احترام الوحدة الترابية؛ التسوية السلمية للنزاعات؛ والحوار بين الدول. لكن عليه في الوقت نفسه أن يجيب عن سؤال صعب: كيف يمكن التوفيق بين المطالبة المغربية بالسيادة وبين الوضع السياسي والقانوني الحالي لسكان المدينتين؟
سابعاً: السكان يجب أن يكونوا في قلب أي تصور مستقبلي
إن أي مشروع مغربي جاد لا يمكن أن يتجاهل سكان سبتة ومليلية. فالحديث عن «عودة الأرض» لا يكفي، لأن سؤال: ما هو النموذج السياسي والاجتماعي الذي سيُعرض على سكان المدينتين؟ يطرح بحدة.
لذلك، على المغرب أن يطور تصوراً متقدماً يقوم على:
السيادة، المواطنة، الحقوق، التعدد الثقافي، المصالح الاقتصادية، والضمانات الأوروبية. وهو ما من شأنه نقل القضية من خطاب عاطفي حول «الاسترجاع» إلى مشروع سياسي قابل للنقاش الدولي.
ثامناً: هل الاتحاد الأوروبي هو الحلقة المفقودة؟
حول هذا السؤال، فإن إسبانيا لم تعد تتعامل مع سبتة ومليلية فقط باعتبارهما مدينتين إسبانيتين، بل باعتبارهما أيضاً جزءاً من المجال الأوروبي. وهذا يعطي النزاع بعداً جديداً: فهل يمكن للمغرب أن يطالب إسبانيا وحدها بالتفاوض، بينما الاتحاد الأوروبي حاضر بصورة غير مباشرة في المعادلة؟ وهذا يستدعي من المغرب أن يفتح نقاشاً أوروبياً حول مستقبل الحدود الأوروبية في شمال إفريقيا، ليس بهدف تحويل القضية إلى نزاع بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وإنما بهدف جعل أوروبا واعية بأن استمرار وضع استعماري/ما بعد استعماري في شمال إفريقيا لا يمكن فصله عن مستقبل العلاقات الأوروبية-المغربية.
تاسعاً: هل آن الأوان؟
نعم، ولكن ليس بالضرورة بمعنى الذهاب إلى مواجهة مباشرة. لقد آن الأوان لإعادة بناء الملف من جديد، بمعنى الانتقال من خطاب المطالبة إلى استراتيجية المطالبة، ومن الاحتجاج على الوجود الإسباني إلى إنتاج ملف تاريخي وقانوني وسياسي ودبلوماسي متكامل، ومن المطالبة الثنائية إلى الترافع المتعدد الأطراف، ومن الذاكرة الوطنية إلى الحجة القانونية الدولية.
عاشراً: ماذا يمكن أن يفعل المغرب؟
في هذا السياق، يمكن بناء خطة من سبع خطوات:
إنشاء «هيئة وطنية علمية مستقلة» تضم المؤرخين، القانونيين، الجغرافيين، خبراء العلاقات الدولية، الباحثين في الاستعمار، وخبراء القانون الدولي، بحيث تكون مهمتها إعادة بناء ملف سبتة ومليلية من القرن الخامس عشر إلى اليوم.
فتح أرشيف دولي، فبدل الاقتصار على الأرشيف المغربي والإسباني، يجدر بالمغرب اعتماد الأرشيف البرتغالي، والبريطاني، والفرنسي، والبابوي، والعثماني، والأرشيفات الدولية.
إعداد «الملف القانوني المغربي»، بحيث ينبغي أن يكون ملفاً متخصصاً، لا خطاباً سياسياً.
إطلاق دبلوماسية أكاديمية، فالمغرب يحتاج إلى جامعات ومراكز بحث تنتج الدراسات باللغات: العربية، والإسبانية، والفرنسية، والإنجليزية.
تدويل النقاش تدريجياً، فليس من الضروري الذهاب مباشرة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل: البرلمان الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، والجامعات، ومراكز الدراسات، والمؤسسات القانونية الدولية، ثم الأمم المتحدة.
فصل القضية عن الهجرة، فلا ينبغي أن تصبح الهجرة ورقة تفاوض حول السيادة، لأن الربط بينهما قد يسمح لإسبانيا بتحويل قضية ترابية تاريخية إلى ملف أمني.
طرح رؤية مستقبلية للسكان (سبتة ومليلية)، وهذه قد تكون أقوى ورقة للمغرب.
الحادي عشر: ما المنتظر دولياً؟
إنه واقعياً، لا يبدو أن المجتمع الدولي مستعد في المدى القصير لفتح مسار أممي لتصفية الاستعمار في سبتة ومليلية. والسبب أن الأمم المتحدة لا تصنفهما حالياً ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. كما أن إسبانيا تملك داخل الاتحاد الأوروبي وزناً سياسياً يجعل معظم الدول الأوروبية تميل إلى عدم تحويل القضية إلى نزاع دولي.
لكن هذا لا يعني أن الملف سيظل مغلقاً إلى الأبد!
الثاني عشر: المفارقة التاريخية
فإسبانيا تطالب باستمرار بتصفية الاستعمار في جبل طارق، بينما يطالب المغرب باستكمال تصفية الاستعمار في سبتة ومليلية.
لكن مدريد تصر على التمييز بين القضيتين، فإذا كان مبدأ تصفية الاستعمار قابلاً للتطبيق في جبل طارق، فلماذا يصبح غير قابل للنقاش عندما يتعلق الأمر بمدينتين تقعان في القارة الإفريقية؟ إن هذه ليست حجة قانونية حاسمة بالنسبة للمغرب، إنها حجة سياسية وأخلاقية قوية يمكن تطويرها.
في الختام:
إن قضية المطالبة بسبتة ومليلية تحتاج إلى نفس استراتيجي طويل، فالمعركة حول المدينتين المحتلتين لن تُحسم بالصوت المرتفع، ولا بالشعارات، ولا بالضغط الظرفي. وحتى التعنت الإسباني الحالي لا يعني بالضرورة أن الوضع سيبقى إلى الأبد كما هو. فالتاريخ الدولي يعلمنا أن كثيراً من القضايا التي بدت مستحيلة التغيير أصبحت قابلة للتفاوض عندما تغيرت موازين القوى، وطبيعة النظام الدولي، وأشكال التفاوض، وتصورات الشعوب للمستقبل. لذلك، فإن السؤال الحقيقي في 2026 ليس هل آن الأوان لاسترجاع سبتة ومليلية؟ بل هل آن الأوان لبناء استراتيجية مغربية تجعل قضية سبتة ومليلية قضية دولية قابلة للنقاش، بدل أن تبقى قضية مغربية-إسبانية مجمدة؟
نعم، إن الأوان قد آن لبدء مرحلة جديدة؛ مرحلة الترافع العلمي والقانوني والدبلوماسي الهادئ. وبدون شك ستكون مرحلة إعداد طويلة الأمد، لا مرحلة مواجهة قصيرة.
والأهم أن المغرب لا يحتاج فقط إلى أن يقول للعالم: «هذه أرضنا»؛ بل يحتاج إلى أن يقدم للعالم الحجة التاريخية والقانونية، والتصور السياسي، والضمانات الإنسانية، والنموذج المستقبلي الذي يجعل مطلبه قابلاً للفهم خارج المجال الوطني.






