تحليل

بلاغ الخارجية المغربية: من أزمة سبتة إلى إعادة تعريف قواعد العلاقة مع مدريد

عبد العزيز الخبشي
اللافت في البلاغ أنه لا يبدأ من سبتة، وإنما يبدأ من العلاقة المغربية الإسبانية نفسها. وهذه ليست مسألة شكلية. فالوزارة تعمد إلى وضع الأزمة داخل إطار استراتيجي أوسع: حسن الجوار، التفاهم السياسي، الشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني، مستحضرة إعلان 7 أبريل 2022 باعتباره المرجعية المؤسسة للمرحلة الجديدة.

بمعنى آخر، الرسالة المغربية ليست: نحن نرفض الاتهامات المتعلقة بسبتة فقط، وإنما هي أقرب إلى:

لا يمكن اختزال العلاقات المغربية الإسبانية في ملف الهجرة، ولا يمكن لإسبانيا أن تستفيد من التعاون المغربي في الأمن والهجرة والاقتصاد، ثم تحول المغرب إلى متهم كلما انفجرت أزمة داخلية إسبانية.

وهنا تكمن أهمية البلاغ.

أولا: المغرب ينقل النقاش من «مسؤولية المغرب» إلى «مسؤولية إسبانيا»

البلاغ يطرح ثلاثة أسئلة شديدة الدلالة: لماذا تستمر الاتهامات للمغرب في غياب معطيات أو وقائع تثبت تورط السلطات المغربية؟ لماذا لم تتم إعادة المهاجرين غير النظاميين رغم استعداد المغرب لاستقبالهم؟ ولماذا يستمر الاحتفاظ بالقاصرين غير المصحوبين بعيدا عن أسرهم رغم مطالبة المغرب بعودتهم؟

هذه الأسئلة تقلب اتجاه الاتهام.

فبدلا من أن يكون السؤال:

ماذا فعل المغرب في سبتة؟

يصبح السؤال المغربي:

ماذا فعلت المؤسسات الإسبانية قبل الأزمة وأثناءها وبعدها؟

وهذا التحول مهم جدا، لأن الوثائق التي كشفتها مدريد نفسها أظهرت أن جهاز الاستخبارات الإسباني CNI وجه في 29 يوليوز تحذيرات إلى السلطات المغربية وإلى ممثل الحكومة الإسبانية في سبتة بشأن خطط العبور الجماعي، أي قبل أحداث 30 يوليوز.

وهنا تظهر نقطة ضعف الرواية السياسية التي حاولت تحميل الرباط وحدها مسؤولية الأزمة.

ثانيا: البلاغ لا ينفي فقط، بل يطالب بالتحقيق

وهذه من أقوى نقاطه.

المغرب لا يقول ببساطة: لم نفعل شيئا وانتهى الأمر.

بل يقول إن أحداث يوليوز تستوجب دراسة عميقة لتحديد ملابساتها والجهات المتدخلة والتنديد بالمناورات وضمان عدم تكرارها.

هذه الصياغة تفتح الباب أمام قراءة أكثر عمقا:

الرباط تريد معرفة الحقيقة، ولكنها لا تريد أن تكون الحقيقة محددة مسبقا سياسيا وإعلاميا.

وهذا فرق كبير بين التحقيق وبين الاتهام.

فالتحقيق الحقيقي يفترض تحديد:

ماذا حدث فعلا؟

من نظم التحركات؟

من حرض عليها؟

من استفاد منها؟

لماذا فشلت أو لم تفشل الإجراءات الأمنية؟

ما دور شبكات الاتجار بالبشر؟

ما دور وسائل التواصل الاجتماعي؟

ماذا كانت تعرف به الأجهزة الإسبانية والمغربية؟

وما الذي حدث بين وصول التحذيرات ووقوع الأزمة؟

والأهم: هل كانت هناك جهات سياسية أو استخباراتية أو شبكات منظمة حاولت تحويل الهجرة إلى أداة ضغط؟

البلاغ لا يقدم جوابا عن هذه الأسئلة، لكنه يرفض أن يكون الجواب جاهزا قبل التحقيق.

ثالثا: الوثائق الإسبانية تجعل توقيت البلاغ أكثر دلالة

هنا يجب قراءة البلاغ زمنيا، وليس فقط لغويا.

فالوثائق التي رفعتها الحكومة الإسبانية مؤخرا كشفت وجود تحذيرات استخباراتية قبل الأزمة، بينما ظل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس يقول إن مدريد لم تكن على علم بحجم الموجة المرتقبة.

ثم جاء البلاغ المغربي في اليوم الموالي تقريبا ليقول، بوضوح، إن المعطيات والوقائع والتقارير لا تثبت تورط السلطات المغربية.

وهذا يجعل البلاغ جزءا من معركة الرواية السياسية للأحداث.

فالمعركة لم تعد فقط حول ما حدث في سبتة، وإنما حول:

من يملك حق تفسير ما حدث؟

مدريد تريد أن تمنع الأزمة من التحول إلى أزمة مع الرباط، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغطا داخليا من المعارضة والرأي العام في سبتة.

أما الرباط، فتريد منع تحويل المغرب إلى كبش فداء لأزمة سياسية إسبانية.

وهنا بالضبط نفهم العبارة القوية التي وردت في البلاغ حول رفض المغرب أن يكون «أصلا تجاريا قبيل الانتخابات» أو «كبش فداء لتصفية حسابات سياسية».

رابعا: سبتة أصبحت اختبارا حقيقيا لشراكة 2022

منذ 2022، قامت العلاقة الجديدة على معادلة واضحة: تعاون اقتصادي وأمني وهجرة، مقابل مرحلة سياسية أكثر انسجاما بين مدريد والرباط، خصوصا بعد موقف الحكومة الإسبانية من مبادرة الحكم الذاتي للصحراء المغربية.

لكن أزمة سبتة تكشف حدود هذه المعادلة.

فالمغرب يقول عمليا:

إذا كانت الشراكة استراتيجية، فلا يمكن أن تكون انتقائية.

لا يمكن أن تكون الرباط شريكا استراتيجيا عندما يتعلق الأمر بمحاربة الإرهاب والجريمة والهجرة، ثم تتحول إلى خصم عندما تصبح الهجرة قضية انتخابية داخل إسبانيا.

وهذه نقطة شديدة الحساسية، لأن إسبانيا نفسها أقرت بأن التعاون المغربي كان مهما في ملفات الأمن والهجرة. كما تؤكد مدريد استمرار التعاون مع الرباط في معالجة تداعيات الأزمة.

خامسا: هناك رسالة موجهة إلى الأحزاب الإسبانية أكثر من كونها موجهة إلى الحكومة

هذه نقطة أعتقد أنها مركزية في قراءة البلاغ.

الوزارة لا تهاجم الحكومة الإسبانية فقط، بل تتحدث عن «بعض الأوساط السياسية والإعلامية»، وعن أحزاب تاريخية، وعن مؤسسات تشريعية وقضائية اعتبرت أن بعض مبادراتها تغذي الخلاف.

أي أن الرباط تقول للأطراف الإسبانية:

لا تجعلوا المغرب مادة في صراعاتكم الداخلية.

وهذا يعني أن المغرب يميز بين:

الدولة الإسبانية والفاعلين السياسيين والإعلاميين الإسبان.


وهذا تمييز ذكي دبلوماسيا، لأنه يسمح بالحفاظ على قنوات الدولة مع مدريد، مع توجيه نقد حاد إلى القوى التي تستخدم الملف المغربي داخليا.

سادسا: لكن البلاغ يحمل أيضا نقطة ضعف تستحق النقد

إذا أردنا قراءة البلاغ قراءة نقدية، وليس فقط الدفاع عنه، فإن هناك سؤالا لا يستطيع البلاغ تجاوزه بسهولة:

إذا كان المغرب يؤكد أن التعاون الأمني والهجرة بين البلدين كان دائما منسقا وفعالا، فلماذا تمكن عشرات الآلاف من الأشخاص من الوصول إلى محيط سبتة في ظرف قصير جدا؟

هنا لا يكفي نفي المسؤولية المباشرة.

فحتى لو لم تكن هناك إرادة رسمية مغربية لتنظيم العبور، فإن حجم الحدث يفرض سؤالا عن فعالية منظومة المراقبة والتنسيق الأمني.

والأهم أن الوثائق الإسبانية تشير إلى أن أجهزة الاستخبارات كانت قد رصدت تحركات كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي وحذرت من احتمال الاقتحام.

لذلك فإن القراءة الجدية لا ينبغي أن تكون:

المغرب بريء إذن انتهى الموضوع. بل:

إذا لم يكن المغرب مسؤولا عن تنظيم العملية، فمن المسؤول عن تحويل التحركات الرقمية إلى موجة بشرية بهذا الحجم؟ وكيف حدث ذلك رغم التحذيرات المسبقة؟

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يكون في قلب أي تحقيق مستقل.

سابعا: أخطر ما في أزمة سبتة ليس الهجرة، وإنما «أمن الحدود»

إسبانيا تعاملت مع سبتة بوصفها جزءا من أراضيها ومن فضاء شنغن، ولهذا تحركت دبلوماسيا وأوروبيا لتعزيز وضع المدينة داخل المنظومة الأوروبية. وزير الخارجية ألباريس زار سبتة في غشت وأكد التزام الحكومة الإسبانية بسيادتها وسلامة أراضيها، كما تحرك في بروكسل لتعزيز الدعم الأوروبي لسبتة ومليلية.

وهنا تظهر عقدة العلاقة: فبالنسبة لإسبانيا: سبتة حدود أوروبية. وبالنسبة للمغرب: سبتة ومليلية قضيتان مرتبطتان بالسيادة الوطنية.

ولهذا فإن أي أزمة هجرة في سبتة يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة جيوسياسية.

ومن هنا يمكن فهم حرص البلاغ المغربي على الحديث عن الجوار الجغرافي، وليس فقط عن التعاون الأمني.

ثامنا: البلاغ يبعث برسالة إنذار هادئة

العبارة الأخيرة في البلاغ بالغة الأهمية: الجوار الجغرافي ثابت، لكن المسؤولين السياسيين هم الذين يستطيعون تحويله إلى رافعة للمستقبل أو إلى مصدر للتوترات المزمنة.

هذه ليست عبارة دبلوماسية عابرة.

إنها أقرب إلى إنذار سياسي:

المغرب لا يريد انهيار العلاقة مع إسبانيا، لكنه يقول إن استمرار العلاقة بصيغتها الحالية يحتاج إلى احترام متبادل، وعدم استعمال المغرب في السياسة الداخلية الإسبانية، وعدم تحويل ملف سبتة والهجرة إلى أداة للضغط السياسي.

وهذا يفسر لماذا جاء البلاغ حازما في اللهجة، لكنه لم يذهب إلى القطيعة.

الخلاصة: البلاغ ليس دفاعا عن المغرب فقط، بل إعادة تفاوض على قواعد الشراكة

في تقديري، يمكن اختزال الرسالة المركزية للبلاغ في خمس نقاط:

1. المغرب لا يقبل اتهامه دون أدلة.

2. أزمة سبتة يجب أن تخضع لتحقيق جدي، لا لتوظيف سياسي.

3. التعاون المغربي الإسباني يجب أن يكون متبادلا، وليس علاقة تقوم على تحميل المغرب كلفة الأزمات الإسبانية.

4. الهجرة لا ينبغي أن تتحول إلى ورقة في الصراع الانتخابي الإسباني.

5. الرباط تريد الحفاظ على شراكة 2022، لكنها تلوح بأن استمرارها يتطلب احترام قواعدها.

والأهم أن البلاغ صدر في لحظة أصبحت فيها الرواية الإسبانية نفسها تحت ضغط الأسئلة، بعد ظهور وثائق تثبت أن أجهزة الاستخبارات الإسبانية كانت قد حذرت من احتمال وقوع اقتحام جماعي قبل حدوثه.

لذلك فإن السؤال السياسي الحقيقي الذي تطرحه أحداث سبتة ليس فقط: هل تورط المغرب؟

بل السؤال الأعمق هو:

هل تستطيع الرباط ومدريد الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة الأسباب البنيوية التي تجعل سبتة ومليلية نقطة توتر دائمة في العلاقة بين البلدين؟

وهنا تحديدا تكمن حدود شراكة 2022: لقد نجحت في إدارة المصالح المشتركة، لكنها لم تحل القضية الجيوسياسية الأصلية التي تقع خلف كل أزمة: سبتة ومليلية ومستقبل العلاقة بين المغرب وإسبانيا في غرب المتوسط.