فن وإعلام

عن النقاء المزعوم والتحدي الملغوم بخصوص السجال الغريب حول العربية والأمازيغية في سياق وطني يحتاج إلى التعقل بدل الأدلجة

أحمد الدافري (إعلامي)

في وقت تواجه فيه المملكة المغربية اليوم تحديات كبرى، اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتجد نفسها في حاجة إلى كل قواها الحية ونخبها المثقفة للدفاع عن القضايا الاستراتيجية للبلد إزاء حملات العداء التي يتعرض لها المغرب من بلدان أخرى لا تريد له التطور والرفاه، وترغب في أن يكون مفتتا ومقسما ومتخلفا، ينأى البعض باهتماماته عن كل هذه الانشغالات، محاولين الدفع بالنقاش العمومي نحو تحديات هامشية مرتبطة بسجالات لا يمكن أن تساهم سوى في تكريس الانقسام الداخلي والتوترات العاطفية ذات البعد الأيديولوجي الصرف.


ومِن بين هذه التحديات الهامشية، التحدي الذي طرحه أستاذ للدراسات الدينية المقارنة بجامعة الحسن الثاني عبر الفضاء الرقمي، حيث توجّه إلى من سماهم "المتمزغين" طالبا منهم ترجمة نص الشهادتين: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» إلى "الأمازيغية التي لا علاقة لها بالعربية»، معتبرا، بشكل ضمني، أن عدم وجود مقابلات معجمية منفصلة تماما أو نطق العبارة بلفظها العربي يُشكل مأزقا.تعبيريا للأمازيغية، أو صك عجز يثبت قصورها أمام اللغة العربية، التي أعتبرها أنا، تلافيا لكل لبس أو تأويل خاطئ لما أرغب في طرحه، لغة راقية، وهي اللغة المفضلة لدي في صوغ أفكاري والتعبير عن آرائي. 


إن المزايدات على اللغات من هذا الطرف أو ذاك، هي في نظري سلوك إيديولوجي إقصائي. 


وإلا فاننا سنجد أنفسنا في تحديات هامشية عديدة حول اللغة والترجمة، قد تتورط في عملية سوء فهم لماهية اللغات ضمن منظومات التواصل البشري. 


فمثلا يمكن لأي شخص آخر ، غير الأستاذ الجامعي الدكتور، أن يطلب من الذين يعتبرون بأن اللغة العربية هي الأرقى والأنقى والأسمى والأعلى والأرفع من ببن جميع اللغات البشرية، أن يترجموا له من الفرنسية إلى اللغة العربية التي ليس لها أية علاقة باللاتينية واليونانية هذه الجملة :

 "Un docteur en philosophie s"est exprimé à la Radio sur la démocratie, tandis qu"en arrière-plan, l"éther diffusait son discours accompagné de morceaux musicaux joués au Banjo".


ترجمة هذه الجملة من الفرنسية إلى لغة عربية فصيحة ومستساغة جداً هي :

«دكتورٌ في الفلسفةِ تحدثَ في الراديو عن الديمقراطيةِ، وفي الخلفيةِ كان الأثير ينقل الحديث مصحوبا بمعزوفات موسيقية لآلة البانجو».

إن حاول أي شخص أن يقوم بترجمة أخرى مغايرة غير هذه، اعتمادا على كلمات ومصطلحات عربية أخرى، سيجد نفسه في ورطة. 

لكن في هذه الترجمة إلى العربية لدينا مزيج عالمي من الكلمات ذات الأصول المختلفة.

 فكلمة دكتور لاتينية، والفلسفة كلمة يونانية، والراديو كلمة لاتينية.

 أما إن ترجم شخص مثلا الراديو بكلمة المِذياع فهي ترجمة لا تعكس السياق التكنولوجي والابتكاري لجهاز الراديو الذي تم اختراعه في مختبرات غير عربية، ومن غير المستساغ ترجمت Radio بكلمة أخرى غير الراديو، وإلا كان ينبغي ترجمة كلمات أخرى نشأت في مختبرات غير عربية، مثل كلمة أكسجين وهيدروجين، إلى العربية، باستعمال جذريهما في اللغة اليونانية، Oxys (حمض) و Gen (مُولّد)، وHydro (ماء) و Gen (مولّد)، وكتابة "مُولد الحمض" بدل أكسيجين، و"مُولد الماء" بدل هيدروجين، لكن "مُولد الحمض" و"مُولد الماء" هما مصطلحان غير مستساغين، بل إن مصطلج مُولّد الحمض خاطئ علميا لأن الأكسيجين ليس وحده المسؤول عن توليد الأحماض. 

 أما كلمة (الديمقراطية) فهي أصلها يوناني، وكلمتا (الأثير) و(موسيقية) يونانيتان، و(البانجو) هي كلمة أصلها إفريقي أمريكي. 


وعليه، فإن قوة اللغات الكونية، بما فيها العربية والأمازيغية، لا تكمن في انغلاقها خلف جدران النقاء العرقي اللغوي المزعوم، بل في مرونتها الفائقة في التعبير، واحتواء المفاهيم، وصهرها داخل قالبها النحوي الخاص وسياقها الثقافي. 

وإن ادعاء قصور لغة بناء على طقس ديني أو تداخل معجمي هو قصور في الفهم اللساني.

 فكل لغات البشر متساوية في قيمتها البنيوية، والأمازيغية والعربية في الفضاء المغربي ليستا في حلبة صراع، بل هما رافدان متكاملان يشكلان غنى الهوية المغربية وعمقها التاريخي والحضاري. 

وهذا ما كان.