يصادف اليوم الجمعة 11 سبتمبر 2026 الذكرى الـ 312 لسقوط برشلونة وهزيمتها أمام جيش ملك إسبانيا فيليب الخامس في ما يسمى حرب الخلافة الإسبانية ، وهو اليوم الذي يتشح فيه الإقليم بذكريات الألم وبالدلالات الرمزية لماض عاشت فيه كاتالونيا أحداثا مأساوية، ويُعد هذا اليوم محطة سنوية لتجديد الهوية والمقاومة الثقافية، حيث يستحضر الكتالونيون ذكرى سلب سيادتهم السياسية ودستورهم القديم.
يرتبط هذا اليوم بـ "حرب الخلافة الإسبانية" التي بلغت ذروتها المأساوية عام 1714م.
سبب تلك الحرب هو أنه في عام 1700م، توفي ملك إسبانيا كارلوس الثاني دون أن يترك ورثة، وكان ينتمي لأسرة آل هابسبورغ. وكان قبل وفاته قد أوصى بالعرش للأمير الفرنسي فيليب دوق أنجو، وهو حفيد لويس الرابع عشر ملك فرنسا وينتمي لعائلة آل بوربون.
هذا الاختيار أشعل حربا أوروبية كبرى، حيث انقسمت القوى حول مرشحين اثنين، الأول هو فيليب الخامس عن أسرة آل بوربون الفرنسية، مدعوما من فرنسا ومملكة قشتالة بمدريد، والثاني هو الأرشيدوق تشارلز عن آل هابسبورغ، مدعوما من النمسا، وبريطانيا، وهولندا، خوفا من تمدد النفوذ الفرنسي في أوروبا.
في تلك الحرب، انحازت كتالونيا إلى معسكر أسرة آل هابسبورغ دفاعا عن حرياتها البرلمانية التقليدية، في مواجهة الملك فيليب الخامس أول ملوك إسبانبا من عائلة آل بوربون ذات الأصل الفرنسي، وهو الجد السابع للملك فيليب السادس ملك إسبانيا الحالي.
خلال تلك الحرب حاصرت جيوش فيليب الخامس مدينة برشلونة لأكثر من عام، قبل أن تتمكن من سحق المقاومة الكتالونية واقتحام العاصمة برشلونة في 11 سبتمبر 1714. ولم يكتفِ الملك فيليب الخامس الجد السابع لملك إسبانيا الحالي فيليب السادس بالانتصار العسكري، بل أتبع ذلك بـما يسمى في تاريخ المنطقة باسم "مراسيم نويفا بلانتا" التي ألغت القوانين والمؤسسات الكتالونية بالكامل، وحظرت استخدام لغتهم في المعاملات الرسمية.
لذلك، يظل هذا التاريخ في الوجدان الكتالوني رمزاً للتضحية من أجل الحرية، وتحول من ذكرى هزيمة عسكرية إلى وقود للحراك السياسي والثقافي المستمر حتى اليوم وطموحات الإقليم في تقرير مصيره.
إن تأثير سلالة آل بوربون في تأجيج رغبة الاستقلال لدى الكتالونيين يتجاوز كونه عداءً تاريخيا، بل يرى الحراك الاستقلالي الكاتالوني في الأسرة الملكية الحاكمة حاليا تجسيدا مستمرا لسياسة المركزية القسرية والقمع الثقافي والسياسي التي بدأت قبل قرون وما زالت تلقي بظلالها على الحاضر.
ويمكن تلخيص هذا التوتر والاحتقان الممتد من الجد الأول فيليب الخامس إلى الحفيد الحالي فيليب السادس في جملة من العوامل.
ففي الوجدان الجمعي الكتالوني، ترتبط عائلة آل بوربون بلحظة خسارة السيادة والحرية على يد لملك فيليب الخامس الذي كان الحاكم الذي فكّك دولتهم، وحظر لغتهم، وهدم جزءاً من أحياء برشلونة لبناء قلعة عسكرية (السيوتاديلا) لمراقبتهم. هذه الصورة الذهنية لـ "الملك المستبد" انتقلت عبر الأجيال، وأصبحت السلالة بأكملها تُعامل في الأدبيات الاستقلالية رمزا للاحتلال القشتالي المدعوم فرنسيا.
وتاريخياً، سقط حكم آل بوربون في إسبانيا وأُعيد عدة مرات عبر جمهوريات وحروب أهلية. لكن الإعادة الأخيرة للملكية جاءت بتوصية من الديكتاتور الفاشي فرانسيسكو فرانكو، الذي عيّن الملك خوان كارلوس الأول (والد الملك الحالي) وريثا له. وبالنسبة للحراك الاستقلالي الكاتالوني، فإن شرعية الأسرة الحاكمة الحالية منقوصة لأنها لم تأتِ بانتخاب مباشر، بل هي جزء من تسوية سياسية بعد عهد دكتاتوري قمع بدوره الهوية الكتالونية بقسوة شديدة.
إذا كان التاريخ البعيد قد خلق الجفاء بين كاتالونيا ومدريد، فإن الملك الحالي فيليب السادس أحيا هذا العداء بشكل غير مسبوق في العصر الحديث.
ففي أعقاب استفتاء الاستقلال الذي نظمه إقليم كاتالونيا في 1 أكتوبر 2017، والذي واجهته الشرطة الإسبانية بالعنف، ألقى الملك خطابا تلفزيونيا أدان فيه القادة الكتالونيين بشدة ووصفهم بـأنهم غير مسؤولين وخارجين عن القانون، ودعم الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الحكومة المركزية في مدريد واعتبر الكتالونيون، حتى المعتدلون منهم، هذا الخطاب بمثابة إعلان حرب سياسي وإعادة لروح "مراسيم نويفا بلانتا" لجدّه فيليب الخامس، وشعروا أن الملكية أدارت ظهرها تماما لنحو نصف سكان الإقليم الذين يطالبون بتقرير المصير.
تتجلى رغبة الاستقلال والرفض في كاتالونيا للسلالة الحاكمة اليوم في سلوكيات سياسية وشعبية واضحة داخل الإقليم، منها مقاطعة الأنشطة الملكية، حيث ترفض القيادات السياسية الكتالونية بانتظام استقبال الملك فيليب السادس أو مصافحته أثناء زياراته الرسمية لبرشلونة، ويُعد حرق صور الملك والرايات الملكية لآل بوربون فعلا رمزيا متكررا في المسيرات الاستقلالية، خاصة في اليوم الوطني 11 سبتمبر الذي يوافق يومه الجمعة.
ويرى الكتالونيون في استمرار حكم آل بوربون امتدادا لنفس العقلية السياسية التي سحقت عاصمتهم عام 1714م، حيث يعتبرون أن فيليب السادس يكمل برداء دستوري حديث ما بدأه جده السابع فيليب الخامس بالسيف والمراسيم الملكية المطلقة.
وهذا ما كان.






