فن وإعلام

ذاكرة القنيطرة الدكتور مصطفى يعلى.. سيرة أديب في ذاكرة المدينة

محمد حيدا مويس

ليست ذاكرة المدن أسماءً معلقة على جدران المؤسسات، ولا تواريخ تحفظها الكتب فقط، وإنما هي أيضا وجوه وأصوات وصداقات ولقاءات تركت أثرها في وجدان المكان. والقنيطرة، التي عرفت على امتداد عقود حركة ثقافية وأدبية نشيطة، كانت فضاء لعدد من الكتاب والباحثين والمبدعين الذين جعلوا منها محطة أساسية في مساراتهم، وأسهموا في بناء صورتها الثقافية.


ومن بين هذه الأسماء يبرز الدكتور مصطفى يعلى، القاص والباحث والأستاذ الجامعي، الذي ارتبط بالقنيطرة ارتباطا وثيقا، مهنيا وإنسانيا وثقافيا، وأصبح اسمه جزءا من مرحلة مهمة من تاريخها الأدبي.


بدأ مصطفى يعلى مساره في مجال التعليم سنة 1968، قبل أن ينتقل إلى رحاب الجامعة، حيث التحق سنة 1989 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة أستاذا للغة العربية وآدابها. ومن داخل هذه المؤسسة واصل مساره الأكاديمي والبحثي، وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة والباحثين، كما تولى رئاسة شعبة اللغة العربية وآدابها في فترتين.


غير أن علاقة مصطفى يعلى بالقنيطرة لم تتوقف عند حدود الجامعة. فقد وجد نفسه في قلب الحياة الثقافية للمدينة، في زمن كانت فيه الجامعة والمجلات الأدبية واللقاءات الثقافية تشكل فضاءات حقيقية للتعارف والنقاش وتبادل الأفكار.


وكان من الطبيعي أن تجمعه هذه الحياة بأسماء بارزة من الأدب المغربي، من أمثال محمد زفزاف، وبشير القمري، ومحمد الكغاط، ومحمد سعيد سوسان، ومحمد واحمان، ومحمد البوكيلي وغيرهم من الكتاب والباحثين الذين صنعوا جزءا من المشهد الثقافي القنيطري.


«مجرة».. ذاكرة جيل


ومن أبرز المحطات التي تكشف هذا الحضور تجربة مجلة «مجرة»، التي شكلت إحدى العلامات الثقافية في القنيطرة خلال مرحلة مهمة من تاريخها الأدبي.


فقد جمعت المجلة عددا من المثقفين والكتاب الذين كانوا يؤمنون بأن المدينة قادرة على أن تنتج منبرها الثقافي الخاص، وأن يكون لها حضورها في المشهد الأدبي المغربي. وكان مصطفى يعلى ضمن هذا الجيل، إلى جانب أسماء مثل محمد زفزاف وبشير القمري ومحمد الكغاط ومحمد سعيد سوسان ومحمد واحمان ومبارك الدريبي.


كانت «مجرة» فضاء للقصيدة والقصة والنقد والفكر، لكنها كانت في العمق صورة عن روح جماعية جمعت مثقفين ربطتهم بالكتاب علاقات تتجاوز النشر إلى الصداقة والرفقة الثقافية.


وفي هذا السياق، تبدو علاقة مصطفى يعلى برجالات الثقافة في القنيطرة جزءا أساسيا من سيرته، لأن المشهد الثقافي الذي عاشه لم يكن قائما على الأسماء المنفردة، وإنما على التفاعل بين أجيال من الكتاب والباحثين والفنانين.


القاص الذي أنصت إلى الإنسان


إلى جانب عمله الجامعي والبحثي، ظل مصطفى يعلى وفيا للقصة القصيرة، التي جعل منها مجالا لرصد الإنسان وتفاصيل الحياة.


صدرت له مجموعات قصصية من بينها «أنياب طويلة في وجه المدينة»، و**«دائرة الكسوف»، و«لحظة الصفر»، و«شرخ كالعنكبوت»، و«رماد بطعم الحداد»**.


وفي قصصه لم يكن اهتمامه منصبا على الأحداث الكبرى بقدر ما كان ينصت إلى التفاصيل الإنسانية، وإلى الشخصيات التي تعيش في الهامش، وإلى اليومي والبسيط الذي قد يبدو عاديا لكنه يحمل في داخله حكاية كاملة.


وهذه النظرة إلى الإنسان ستجد صداها أيضا في اهتمامه بالحكاية الشعبية والقصص الشعبي المغربي، حيث اشتغل على بنياته وأشكاله ودلالاته، محاولا الكشف عن الذاكرة الجماعية التي تختزنها الحكايات.


ومن أبرز أعماله في هذا المجال كتاب «القصص الشعبي بالمغرب: دراسة مورفولوجية»، إلى جانب دراسات وأبحاث أخرى تناولت السرد والقصة والرواية المغربية.


وهكذا التقى في تجربته القاص بالباحث؛ فالأول ينصت إلى الحكاية، والثاني يبحث في جذورها وبنياتها، وكلاهما ينطلق من الإنسان بوصفه مركزا للحكاية والذاكرة.


القنيطرة.. الجامعة والصداقة


كانت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة إحدى أهم المحطات في حياة مصطفى يعلى، لكنها كانت أيضا فضاء لعلاقات إنسانية وثقافية امتدت خارج المدرجات.


هناك التقى طلبة وباحثين وأساتذة وأدباء، وشارك في النقاشات التي كانت تواكب الحياة الثقافية في المدينة، كما تولى مسؤوليات داخل الجامعة وفي المشهد الثقافي المحلي.


وكان له حضور في اتحاد كتاب المغرب فرع القنيطرة، حيث تولى رئاسته في مناسبتين، وهو ما يعكس موقعه داخل الحركة الأدبية بالمدينة.


ومن خلال هذه الأدوار، لم يكن مصطفى يعلى مجرد متابع للحياة الثقافية، بل كان واحدا من المشاركين في صناعتها.


محمد البوكيلي.. وجه آخر من الحكاية


ومن الأسماء التي ارتبطت بمساره القنيطري اسم محمد البوكيلي، الذي شكل فضاءه الثقافي والنشري واحدا من المواقع التي التقت فيها أسماء كثيرة من أبناء المشهد الأدبي.


كانت دار البوكيلي بالقنيطرة فضاء للكتاب والمجلات واللقاءات، وارتبطت بأعمال ومشاريع ثقافية كان مصطفى يعلى أحد المشاركين فيها.


وفي سنة 2010 احتفت مؤسسة محمد البوكيلي «إبداع وتواصل» بالقنيطرة بتجربته، في لقاء حضره عدد من الكتاب والباحثين والأصدقاء، فتحول التكريم إلى مناسبة لاستعادة مسار طويل من الكتابة والبحث والعمل الثقافي، واستعادة أيضا علاقات إنسانية نشأت عبر سنوات من العشرة الأدبية.


وكانت قيمة تلك المناسبة في كونها لم تحتف فقط بالقاص والباحث، وإنما استحضرت الإنسان الذي عاش بين أصدقائه ورفاقه، وترك فيهم من الذكريات ما يتجاوز صفحات الكتب.


شهادات الأصدقاء.. مصطفى الإنسان


في الشهادات التي قدمها عدد من المثقفين في حقه، تبرز صورة مختلفة عن تلك التي قد تقدمها السيرة الأكاديمية وحدها.


صورة رجل ارتبط بالكتاب، لكنه ظل قريبا من الناس؛ مثقف لا يبحث عن الأضواء، وقاص ينطلق من تفاصيل الحياة، وباحث لا يفصل المعرفة عن الواقع الذي يعيشه.


وتكشف شهادات أصدقائه، ومن بينهم محمد أنقار ومحمد السولامي، عن جوانب إنسانية في شخصيته، من بينها البساطة والوفاء للصداقة والميل إلى العمل الهادئ، وهي خصال جعلت علاقته برفاقه علاقة تتجاوز المشترك الأدبي إلى الرفقة الإنسانية.


ولعل هذا الجانب هو الذي يمنح حضوره في القنيطرة قيمة خاصة؛ فالأسماء الثقافية لا تبقى في ذاكرة المدن بما كتبته فقط، وإنما بما تركته من علاقات وذكريات في نفوس من عايشوها.


عندما نتحدث عن مصطفى يعلى اليوم، فإننا لا نتحدث عن أستاذ جامعي أو قاص وباحث في السرد فقط، وإنما عن رجل ارتبط اسمه بمرحلة من تاريخ القنيطرة الثقافي.


مرحلة كانت فيها الجامعة فضاء للمعرفة، وكانت المجلات منابر للحوار، وكانت اللقاءات الأدبية تجمع الكتاب، وكانت الصداقة أحد أهم جسور الثقافة.


وفي قلب هذه المرحلة كان مصطفى يعلى حاضرا، يكتب ويبحث ويدرس ويشارك في الحياة الثقافية، ويقيم علاقات إنسانية مع أسماء تركت بدورها بصمتها في ذاكرة المدينة.


ولذلك فإن استحضاره في «ذاكرة القنيطرة» لا يأتي من باب استعادة سيرة أديب فحسب، بل من الرغبة في استعادة زمن ثقافي كامل؛ زمن كان للكتاب فيه مكانه، وللجامعة دورها، وللمجلة صوتها، وللأصدقاء مجالسهم، وللقنيطرة موقعها في خريطة الأدب المغربي.


مصطفى يعلى واحد من أولئك الذين لم يكتفوا بالعيش في القنيطرة والعمل فيها، بل أسهموا في كتابة فصل من ذاكرتها الثقافية؛ فبقي اسمه حاضرا بين الجامعة والكتاب والقصة، وبين أصدقاء ورفاق شكلوا معه وجها من وجوه القنيطرة التي كانت تقرأ وتكتب وتحلم.