يمكن القول بداية، ان السياق الحالي يجعل الموضوع أكثر إلحاحًا؛ فالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي يتحدث صراحة عن الانتقال من منطق «الإصلاح» إلى «التحول»، وعن نموذج بيداغوجي متمركز حول الطالب، والتحول الرقمي، والسيادة الرقمية، والنزاهة الأكاديمية. كما أصدر في يونيو 2026 توصية خاصة بتأطير الذكاء الاصطناعي في التربية والتكوين والبحث العلمي، مع التنبيه إلى الفجوة بين سرعة انتشاره وبطء التأطير المؤسساتي.
تمهيد: هل انتهى زمن كلية الآداب؟ ان المقصود من السؤال ليس هل ما تزال العلوم الإنسانية ضرورية؟ بل المقصود وبعيدا عن أي تضليل هو هل ما تزال كليات الآداب والعلوم الإنسانية المغربية تعمل بالنموذج الجامعي الذي يحتاجه مجتمع القرن الحادي والعشرين؟
فهناك مفارقة هامة تستحق التأمل: فكلما ازداد العالم تعقيدًا، ازدادت حاجته إلى فهم الإنسان والمجتمع والذاكرة والثقافة واللغة والتاريخ والسياسة؛ وفي نفس الان، تواجه العلوم الإنسانية ضغطًا متزايدًا باسم التشغيل، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والنجاعة، والملاءمة مع سوق الشغل. والمفارقة، ان المستقبل لا يقلل من أهمية العلوم الإنسانية، لكنه يقلل من قيمة العلوم الإنسانية التي ترفض أن تتغير. ان المشكلة ليست في التاريخ، ولا في الفلسفة، ولا في الأدب، ولا في علم الاجتماع، ولا في الجغرافيا. ان المشكلة في طريقة إنتاج المعرفة وتدريسها وتوظيفها. وقد سبق للمجلس الأعلى أن سجل الحاجة إلى انفتاح العلوم الإنسانية والاجتماعية على وسائط التكنولوجيا الحديثة، ضمن تصور أوسع للتحول الرقمي للتعليم العالي.
أولًا: أزمة كليات الآداب ليست أزمة تخصصات وإنما أزمة نموذج، فتاريخيًا، أدت كلية الآداب وظيفة أساسية في تكوين النخب الثقافية والتعليمية والإدارية. لكن الجامعة تغيرت، والمجتمع تغير، وسوق العمل تغير، والطالب تغير، ومصادر المعرفة تغيرت. وعلى هذا الاساس، هل تغيرت كلية الآداب بالسرعة نفسها؟ لقد انتقل العالم من: الكتاب إلى الإنترنت، ومن:المكتبة إلى قاعدة البيانات، ومن: المحاضرة إلى بيئات التعلم المتعددة، ومن: البحث التقليدي إلى البحث المدعوم بالبيانات والذكاء الاصطناعي، ومن: المعرفة المحلية إلى المعرفة الشبكية العالمية. ولذلك فإن استمرار تدريس بعض التخصصات بالطريقة نفسها التي كانت سائدة قبل عقود يجعل الفجوة بين الجامعة والمجتمع تتسع اكثر.
ثانيًا: من جامعة الشهادة إلى جامعة الكفاءة، ان أخطر سؤال تواجهه كليات الآداب هو: ماذا يستطيع خريج كلية الآداب أن يفعل، وليس فقط ماذا يعرف؟ وهذا التحول جوهري. فالطالب الذي درس التاريخ أربع سنوات ينبغي ألا يخرج فقط وهو يعرف تاريخ المغرب، وإنما ينبغي أن يستطيع: تحليل الوثيقة، بناء قاعدة بيانات تاريخية، التعامل مع الأرشيف الرقمي؛ استخدام الخرائط الرقمية؛ تحليل الصحافة؛ توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة نقدية؛ كتابة بحث علمي؛ إدارة مشروع ثقافي؛ والتواصل بلغات متعددة. وهكذا تصبح المعرفة التاريخية رأس مال معرفيًا ومهنيًا. والأمر نفسه ينطبق على الجغرافيا والسوسيولوجيا والأدب والفلسفة والدراسات الإسلامية واللغات.
ثالثًا: الثورة الحقيقية هي "العلوم الإنسانية الرقمية"، فهذه المسالة ينبغي أن تكون قلب في الدراسة.
Digital Humanities
انها ليست مجرد استعمال الحاسوب في كلية الآداب. بل إنها إعادة بناء طريقة إنتاج المعرفة الإنسانية. فالتاريخ الرقمي، مثلًا، يمكن أن يجمع بين: الوثيقة، قاعدة البيانات، الخريطة، الصورة، الصحافة، الذكاء الاصطناعي، والتحليل الإحصائي. ويمكن للسوسيولوجيا أن تنتقل من الاستبيان التقليدي إلى: البيانات الاجتماعية، تحليل الشبكات، البيانات المفتوحة، المنصات الرقمية.. الخ. كما يمكن للأدب أن يدخل إلى:
المدونات الرقمية، تحليل النصوص آليًا، النشر الإلكتروني، تحليل المدونات الأدبية. ويمكن للتراث أن يتحول إلى: أرشيف رقمي، متحف افتراضي، خرائط تفاعلية، نمذجة ثلاثية الأبعاد. وانطلاقا من ذلك، يمكن للمغرب والجامعة النغربية أن تمتلك مشروعًا وطنيًا بالغ الأهمية: فالمشروع الوطني للعلوم الإنسانية الرقمية
يمكن أن يشمل: رقمنة الأرشيف التاريخي.د، بناء قاعدة بيانات للوثائق المغربية، رقمنة الصحافة الوطنية، بناء خريطة رقمية للتاريخ المغربي، رقمنة المخطوطات،
توثيق التراث غير المادي، إنشاء مستودعات جامعية مفتوحة،تطوير أدوات للغة العربية والأمازيغية. توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث التاريخي واللغوي، وإنشاء مختبرات مشتركة بين الجامعات.. الخ.
رابعًا: الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة تعريف الأستاذ والطالب، ان توصية المجلس الأعلى لسنة 2026 تعتبر أن الذكاء الاصطناعي يتيح في التعليم العالي إمكانات في الوصول إلى المعرفة وتحليل البيانات والإنتاج العلمي، لكنها في الوقت نفسه تثير قضايا النزاهة الأكاديمية ومصداقية الشهادات وأخلاقيات إنتاج المعرفة. فلا يكفي إذن أن نقول للطالب: لا تستعمل ChatGPT. بل يجب أن نعلمه: كيف يستعمل الذكاء الاصطناعي دون أن تفقد قدرتك على التفكير؟ فكلية الآداب المستقبلية يجب أن تعلم الطالب: كيف يسأل الآلة، وكيف يتحقق من جوابها، وكيف يكتشف تحيزاتها، وكيف يقارن مخرجاتها بالمصادر، وكيف ينتج معرفة أصلية تتجاوز ما تنتجه الآلة. ومن هنا تصبح العلوم الإنسانية صاحبة وظيفة جديدة: تكوين الإنسان القادر على مراقبة الآلة، وليس الإنسان الذي تستبدل الآلة تفكيره.
خامسًا: نهاية التخصصات المغلقة، ان كلية الآداب المستقبلية لا يمكن أن تبقى مجموعة من الجزر الأكاديمية. بل ينبغي أن تظهر مسالك من نوع:
- التاريخ والرقمنة، التاريخ والأرشيف، قواعد البيانات، GIS، الذكاء الاصطناعي. التراث والسياحة الثقافية. التاريخ، التراث، السياحة، الرقمنة، إدارة المشاريع.
- اللغة العربية والذكاء الاصطناعي. اللغة، اللسانيات، معالجة اللغة الطبيعية، الذكاء الاصطناعي.
- الدراسات السياسية وتحليل البيانات. العلوم السياسية، - السوسيولوجيا، الإحصاء، البيانات الانتخابية.
- الجغرافيا والذكاء الترابي، الجغرافيا، GIS، التخطيط، البيئة، البيانات.
- الأدب والصناعات الثقافية، الأدب، الإعلام، النشر الرقمي، صناعة المحتوى. فهذه هي الجامعة البينية التي يحتاجها المستقبل.
سادسًا: كلية الآداب وسوق الشغل، في هذا المقام، ينبغي أن نتوقف عن السؤال السطحي: لماذا لا يجد خريج الآداب عملاً؟ والأفضل: هل صممنا تكوينًا يجعل خريج الآداب قابلًا للاندماج في قطاعات متعددة؟ وهنا تبدو المسؤولية مشتركة بين: الجامعة، الدولة، القطاع الاقتصادي، المؤسسات الثقافية، الجماعات الترابية، المجتمع المدني.
ومن اللافت أن وزارة التعليم العالي كانت قد أدرجت تخصصات الآداب والعلوم الإنسانية ضمن مراكز التميز؛ ففي حصيلة 2023–2024 كان نحو 30% من الطلبة المسجلين بمسارات مراكز التميز ينتمون إلى الآداب والعلوم الإنسانية، مع اعتماد هندسة بيداغوجية تستهدف الانسجام مع متطلبات المحيط السوسيو-اقتصادي. وهذا يؤكد أن القضية ليست إقصاء الآداب، وإنما إعادة هندسة تكويناتها.
سابعًا: كلية الآداب مؤسسة منتجة للمعرفة، هل الجامعة المغربية تستهلك المعرفة أم تنتجها؟ وهل كلية الآداب تنتج معرفة ذات أثر في: السياسة العمومية؟ المجتمع؟
الثقافة؟ التعليم؟ التراث؟ التنمية الترابية؟ الدبلوماسية الثقافية؟ قضايا الهوية؟ والذاكرة الوطنية؟ فإذا ظلت الأبحاث الجامعية حبيسة الرفوف، فإن المشكلة ليست في الباحث فقط، بل في منظومة إنتاج المعرفة وتثمينها ونشرها. لذلك ينبغي أن تنتقل كلية الآداب من: البحث من أجل الترقية إلى: البحث من أجل المعرفة والمجتمع والسياسة العمومية.
ثامنًا: الجامعة الجديدة تحتاج إلى "مختبرات إنسانية"، - مختبر العلوم الإنسانية الرقمية يضم: مؤرخين، جغرافيين، لغويينن، سوسيولوجيين، مبرمجين، خبراء بيانات.
- مختبر الذاكرة والتراث، يدرس: التراث المادي، غير المادي، الذاكرة المحلية، التاريخ الشفوي.
- مختبر المجتمع والتحولات، يدرس: الشباب، الانتخابات، الهجرة، التحولات الاجتماعية ، المدن.
- مختبر اللغة والذكاء الاصطناعي، يدرس: العربية الأمازيغية، الفرنسية، معالجة اللغة الطبيعية، النماذج اللغوية. وبهذا الشكل تصبح كلية الآداب فضاءً للابتكار الإنساني وليس مجرد فضاء للتدريس.
تاسعًا: في أفق 2035 — أي كلية آداب نريد؟
في هذا السياق يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات:
الأول: الاستمرار، خيث تبقى البرامج تقريبًا كما هي، منا سيؤدي الى اتساع الفجوة بين الجامعة والمجتمع وسوق الشغل.
الثاني: الإصلاح الجزئي، من خلال فقط، إضافة بعض الوحدات الرقمية واللغات والمهارات. وهذا سيؤدي بالنتيجة الى تحسين محدود دون تغيير النموذج.
الثالث: التحول، بمعنى إعادة بناء الكلية حول: الإنسان، المعرفة، التكنولوجيا، المهارات، البحث، والمجتمع.
وهذا هو السيناريو الأخير هو الذي ينبغي الدفاع عنه.
وفي الختام، فإن أزمة كليات الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعات المغربية ليست ناتجة عن تراجع أهمية العلوم الإنسانية، وإنما عن استمرار نموذج مؤسساتي وبيداغوجي وبحثي لم يعد قادرًا على مواكبة التحولات العميقة التي أحدثتها الرقمنة والذكاء الاصطناعي واقتصاد المعرفة وتحولات سوق العمل. ولذلك فإن إنقاذ العلوم الإنسانية لا يمر عبر الدفاع عن النموذج التقليدي، بل عبر إعادة تأسيسها باعتبارها علومًا رقمية وبينية ومنتجة للمعرفة وقادرة على تفسير المجتمع وصناعة المعنى والمساهمة في بناء السياسات العمومية. اننا قد لا نحتاج إلى الدفاع عن كلية الآداب كما هي؛ بل نحتاج إلى إعادة اختراعها.
ان التحول الجامعي الجاري في المغرب يوفر سياقًا مؤسساتيًا مناسبًا لهذا النقاش، خصوصًا مع مشروع إعادة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية والانتقال من 12 إلى 27 جامعة، ومع النقاش المتزايد حول النموذج البيداغوجي والتحول الرقمي.






