لقد كان المواطن ينتظر من السياسة أن تكون وسيلة لتحسين حياته، لا مجرد وسيلة للوصول إلى مواقع القرار كان ينتظر من الأحزاب أن تقدم له أجوبة عن الأسئلة التي تؤرق يومه ومستقبل أبنائه أي تعليم نريد؟ أي شغل نريد؟ كيف سنواجه الغلاء؟ كيف سنرفع القدرة الشرائية؟ كيف سنضمن العدالة الاجتماعية؟ كيف سنعيد الاعتبار للمجال العمومي؟ وكيف سنفتح أفقاً سياسياً يجعل المواطن يشعر بأن صوته له قيمة؟ لكن شيئاً ما انكسر في الطريق.
فبينما تتغير الحكومات وتتجدد الخطب والبرامج، تستمر الأسئلة نفسها في مطاردة المواطن التعليم ما زال يحتاج إلى إصلاح عميق، والشباب ما زال يبحث عن فرصة، والطبقة المتوسطة تشعر بضغط متزايد على قدرتها الشرائية، والفئات الهشة تنتظر سياسات أكثر إنصافاً، فيما أصبح جزء من الخطاب السياسي عاجزاً عن إنتاج الحماس أو حتى الإقناع وهنا تكمن المفارقة المؤلمة الأحزاب تتحدث كثيراً عن المواطن، بينما المواطن نفسه أصبح أقل اقتناعاً بأن الأحزاب تتحدث إليه.
لقد تحولت بعض الوعود الانتخابية إلى مادة للسخرية ليس لأن المواطن لا يريد أن يصدق، وإنما لأنه صدّق كثيراً وانتظر كثيراً، ثم وجد نفسه أمام واقع لا يتغير بالسرعة التي وُعد بها وكلما تكررت الوعود دون نتائج ملموسة، اتسعت المسافة بين الخطاب السياسي والحياة اليومية للناس والمشكلة ليست في أن كل وعد لم يتحقق فالسياسة تدبير للواقع، والظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية قد تفرض تعديلات وتحد من قدرة أي حكومة على تنفيذ كل ما وعدت به المشكلة الحقيقية تبدأ عندما لا تكون هناك مصارحة، ولا تفسير، ولا محاسبة، ولا اعتراف بالفشل المواطن يستطيع أن يتفهم الصعوبة، لكنه لا يتفهم الاستهانة بعقله يستطيع أن يقبل بأن مشروعاً ما يحتاج إلى وقت، لكنه لا يقبل أن يسمع الوعد نفسه في كل مناسبة وكأن ذاكرته قصيرة ويستطيع أن يصبر، لكنه لا يستطيع أن يعيش دائماً على الصبر.
إن أخطر ما أنتجته هذه الوضعية ليس فقط العزوف عن الانتخابات أو ضعف الانخراط الحزبي، وإنما تحول السياسة في نظر جزء من المجتمع إلى شيء بعيد عن حياته اليومية وحين يشعر المواطن بأن السياسة لا تغير شيئاً في حياته، فإنه يبدأ في البحث عن بدائل أخرى الانسحاب، اللامبالاة، السخرية، أو فقدان الثقة في المؤسسات والفاعلين السياسيين وهنا يجب أن نتوقف لأن الديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد الأحزاب، ولا بعدد الانتخابات، ولا بعدد البرامج الانتخابية الديمقراطية تحتاج قبل كل شيء إلى مواطن يثق بأن مشاركته لها معنى، وحزب يثبت أن وجوده له وظيفة، ومؤسسات تستطيع تحويل الاختيارات السياسية إلى نتائج ملموسة لذلك، فإن استعادة الثقة ليست مسؤولية الدولة وحدها، ولا مسؤولية الحكومة وحدها، بل تقع في جزء أساسي منها على عاتق الأحزاب السياسية نفسها الحزب السياسي مطالب اليوم بأن يعيد تعريف دوره.
ليس المطلوب أن يكون الحزب آلة انتخابية تستيقظ قبل الانتخابات وتنام بعدها المطلوب أن يكون مدرسة للمواطنة، وفضاءً لإنتاج الأفكار، ومختبراً للسياسات العمومية، ووسيطاً حقيقياً بين المجتمع ومؤسسات الدولة الحزب الذي لا يسمع للناس إلا في موسم الانتخابات، يفقد تدريجياً حقه في أن يتحدث باسمهم والحزب الذي لا يملك تصوراً واضحاً للتعليم والتشغيل والصحة والسكن والعدالة المجالية والقدرة الشرائية، لا يمكنه أن يختبئ خلف البلاغة السياسية والشعارات.
لقد تغير المواطن وأصبح أكثر اطلاعاً، وأكثر قدرة على المقارنة، وأكثر تشككاً في الخطاب الجاهز لم يعد يكفي أن تقول له إن المستقبل سيكون أفضل؛ يريد أن يعرف كيف سيكون أفضل، ومتى، وبأي موارد، ومن سيحاسَب إذا لم يتحقق ذلك وهذا بالضبط ما يجب أن تعنيه السياسة الجادة الانتقال من ثقافة الوعد إلى ثقافة الالتزام نحن بحاجة إلى برامج انتخابية لا تُكتب لتُنسى بعد الانتخابات، وإنما لتتحول إلى تعاقد سياسي وأخلاقي مع المواطن برامج تتضمن أهدافاً واضحة، وآجالاً محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، وتقييماً دورياً للإنجاز.
فلماذا لا يصبح من الطبيعي أن يعود الحزب إلى المواطنين بعد سنة أو سنتين ليقول لهم هذا ما وعدنا به، هذا ما أنجزناه، وهذا ما لم ننجزه، وهذه أسباب عدم الإنجاز؟ لماذا لا تتحول المحاسبة من شعار دستوري وسياسي إلى ممارسة يومية؟ ولماذا لا تصبح الانتخابات لحظة تقييم حقيقية لما تم إنجازه، بدل أن تكون مناسبة لإعادة تدوير الوعود؟.
إن استعادة الثقة لن تكون عبر حملة تواصلية جديدة، وإنما عبر تغيير قواعد العلاقة مع المواطن نحتاج إلى أحزاب أكثر تواضعاً في وعودها، وأكثر جرأة في تشخيص المشاكل، وأكثر صدقاً في الاعتراف بالأخطاء، وأكثر حضوراً نحتاج إلى سياسة تقول للمواطن الحقيقة حتى عندما تكون الحقيقة صعبة فالناس لا ينتظرون من السياسي أن يمتلك عصاً سحرية إنهم يريدون فقط أن يشعروا بأن من يحكم باسمهم يفهم معاناتهم، ويحترم عقولهم، ويعمل من أجل مصالحهم، ويقبل المحاسبة.
ولعل المعركة السياسية الحقيقية في المرحلة المقبلة لن تكون معركة من يقدم أكبر عدد من الوعود، وإنما معركة من يستطيع أن يعيد للمواطن شيئاً فقدناه تدريجياً لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يغضب المواطن من السياسيين، وإنما أن يتوقف عن انتظار شيء منهم الغضب يمكن أن يتحول إلى فعل سياسي أما اللامبالاة فهي بداية القطيعة.
ولهذا، فإن إعادة الثقة ليست ترفاً سياسياً، ولا شعاراً انتخابياً جديداً إنها حاجة وطنية ملحّة فبدون ثقة المواطن، تصبح المؤسسات أكثر هشاشة، والأحزاب أكثر عزلة، والانتخابات أقل معنى، والديمقراطية نفسها مهددة بأن تتحول إلى مجرد إجراءات دورية بلا روح.
لقد حان الوقت لأن تتوقف الأحزاب عن سؤال المواطن ماذا تريد أن نعدك به؟ وأن تبدأ في سؤاله ماذا نستطيع أن ننجز معاً فبين السؤالين يوجد الفرق كله بين سياسة تبحث عن الأصوات، وسياسة تبحث عن بناء المستقبل.






