في بيت واحد من العيطة الحصباوية، تختزل المرأة العبدية كل فلسفة الحب والوفاء في جملة بسيطة تبدو للوهلة الأولى مجرد خبر عابر، "ڭالوا ليا سيدك جا خرجت برويسي عريان". هذا البيت الذي تتناقله الشيخات في عبدة منذ أكثر من قرن ليس إقرارا بفعل مادي هو الخروج سفورا، بل هو اعتراف وجداني يفضح لهفة اللقاء بعد طول غياب. فالشاعرة الشعبية حين سمعت بخبر عودة سيدها/زوجها لم تستطع أن تتمالك نفسها، فشل الخبر كل شعور لديها إلا من الهرولة نحو الحبيب/الزوج، حتى نسيت ما تفرضه الأعراف من ستر للرأس، وهو النسيان الذي يتحول في منطق العيطة من ذنب إلى دليل براءة. فلو لم تكن مشتاقة صادقة لما خرجت على ذلك النحو، ولذلك يغفر لها الزوج هذه الزلة لأنها شهادة على إخلاصها. ويكتمل المعنى حين نضعه إلى جوار بيت آخر من نفس المتون يقول "عام وشهرين ما مشطت رويسي"، فالرأس نفسه الذي أهملته حزنا وحدادا في الغياب، هو الذي كشفته فرحا وجنونا في الحضور، ليصبح الجسد مسرحا تتبادل عليه مشاعر الفقد واللقاء. غير أن للبيت قراءة ثانية لا تقل عمقا عن الأولى، وهي قراءة الفخر لا قراءة الفوضى، فخروجها عارية الرأس قد يكون كشفا متعمدا للحساب، فهي المرأة التي صانت غيبة زوجها لأكثر من عام، لم تتزين ولم تتعطر لغيره، وشعرها الأشعث المهمل هو الدليل المادي على وفائها، فتخرج اليوم عارية لتقول له انظر إلى أثر صوني لك، فالعري هنا ليس تبرجا بل هو بياض صحيفة ترفعه المرأة أمام سيدها وأمام القبيلة، لتثبت أنها كانت ناصعة الجبين في غيابه. وبهذا يصبح البيت الواحد حاملا لثلاث طبقات من المعنى في آن واحد، طبقة عاطفية تكشف الاشتياق الجارف، وطبقة أخلاقية تعلن الفخر بالعفة، وطبقة جمالية تقدم الجمال الخام بلا زواق كما أحبه الحبيب أول مرة، وهي الطبقات التي تجعل من العيطة ليست مجرد غناء للفرجة بل محاكمة علنية للذات أمام المجتمع، حيث تضع المرأة شرفها على المحك في كلمة واحدة وتخرج منها منتصرة.






