ومن هنا بدأ العقل الإسلامي - للأسف- يعاني نوعًا من الجمود المعرفي؛ إذ لم يعد ينظر إلى التراث باعتباره تجربة بشرية غنية قابلة للدراسة والنقد والاستفادة، بل أصبح في بعض القراءات سلطةً معيارية تحاكم الحاضر إلى الماضي، بدل أن تساعد الإنسان على فهم الحاضر وبناء المستقبل. وعندما يتحول التراث من موضوع للفهم إلى مرجعية مغلقة، يتحول العقل من أداة للإبداع والاجتهاد إلى أداة للدفاع والتبرير، وهذه إحدى المفارقات الكبرى التي يعيشها الفكر الإسلامي؛ فنحن أمام واقع اجتماعي وسياسي واقتصادي مختلف جذريًا عن الواقع الذي تشكلت فيه معظم التصورات السياسية القديمة، ومع ذلك ما زال جزء من الخطاب الإسلامي المعاصر يحاول استعادة تلك التصورات وكأن التاريخ يمكن إعادته بالخطاب والشعارات. والمشكلة في الحقيقة ليست في احترام التاريخ الإسلامي أو الاعتزاز بالتراث، وإنما في تحويل التجربة التاريخية للمسلمين إلى نموذج سياسي مقدس وملزم لكل زمان ومكان .
فالسياسة، في جوهرها، مجال بشري متغير، والدولة مؤسسة تاريخية تتطور بتطور المجتمعات. وما كان مناسبًا لمرحلة تاريخية معينة ليس بالضرورة صالحًا لكل المراحل، ولذلك فإن استدعاء نماذج الحكم القديمة لإدارة الدولة الوطنية الحديثة يطرح إشكالية عميقة؛ لأن الدولة المعاصرة تقوم على مفاهيم لم تكن موجودة بالصورة نفسها في التجارب السياسية القديمة، مثل المواطنة المتساوية، والدستور، وفصل السلطات، والمؤسسات، والانتخابات، والحقوق والحريات، والمساءلة السياسية .
ومن الخطأ بناء تعارض مصطنع بين الإسلام والدولة الحديثة، كما أن اختزال العلمانية في الإلحاد، أو الدولة المدنية في إقصاء الدين، يكشف في كثير من الأحيان عن فقر مفاهيمي أكثر مما يكشف عن موقف فكري متماسك. فالدولة الحديثة لا تحتاج إلى أن تكون معادية للدين حتى تكون دولة مدنية، وإنما تحتاج إلى أن تكون دولةً لجميع مواطنيها، وأن تستند شرعيتها السياسية إلى الإرادة العامة والقانون والمؤسسات، لا إلى ادعاء جماعة دينية سياسية امتلاك تفويض إلهي للحكم .
وهنا تظهر خطورة توظيف الدين في الصراع السياسي. فعندما تُمنح السياسة صفة القداسة، يصبح الخلاف السياسي خلافًا دينيًا، وتتحول المعارضة إلى معارضة للدين، ويصبح نقد الحاكم أو الحزب أو الجماعة وكأنه اعتراض على الشرع نفسه. والأسوأ من ذلك أن بعض التيارات الدينية قد تنصّب نفسها ممثلًا حصريًا للإسلام، فتنتقل من الدفاع عن الدين إلى احتكار الحديث باسمه، ومن الدعوة إلى القيم إلى المطالبة بالسلطة، ومن الاجتهاد في الشأن العام إلى محاولة فرض قراءة واحدة للدين على المجتمع .
ولهذا الإشكالية لا تكمن في مفهوم الحاكمية من حيث دلالته العقدية والأخلاقية، وإنما في تحويله إلى أداة سياسية تمنح البشر سلطةً دينية على البشر. فالله تعالى "جل جلاله" ليس طرفًا في المنافسة السياسية، ولا يمكن لأي حزب أو جماعة دينية أو عالم أن يدعي امتلاك إرادة إلهية مباشرة في المجال السياسي. فكل ممارسة بشرية للسلطة تظل ممارسة بشرية قابلة للنقد والمراجعة والمحاسبة. وكل تفسير للنص هو اجتهاد إنساني، مهما كانت مكانة صاحبه العلمية .
ومن هنا يصبح تحرير العلاقة بين النص والتأويل من أهم شروط تجديد العقل الإسلامي. فالنص المقدس شيء، وفهم الإنسان للنص شيء آخر. والقرآن ثابت في مرجعيته الدينية، لكن قراءات البشر له تاريخية ومتعددة ومتأثرة باللغة والثقافة والظروف الاجتماعية والسياسية. ولذلك فإن تحويل تفسير معين إلى حقيقة مطلقة يؤدي إلى إغلاق باب الاجتهاد، وإلى منح التأويل البشري سلطة النص نفسه.
والعقل المقاصدي يستطيع أن يفتح طريقًا مختلفًا للخروج من هذه الأزمة؛ لأنه لا ينشغل فقط بسؤال الشكل، وإنما يسأل عن الغاية والمصلحة والمآل. فالشريعة لا تُفهم فقط من خلال الجزئيات المنفصلة، وإنما من خلال مقاصدها الكبرى في تحقيق العدل والرحمة ورفع الضرر وصيانة النفس والعقل والمال والكرامة وحفظ مصالح الناس، ولذلك فإن قيمة النظام السياسي لا ينبغي أن تقاس فقط بالاسم الذي يطلق عليه، وإنما بقدرته على تحقيق العدل، وصيانة الحقوق، ومنع الاستبداد، وتحقيق المساواة، وحماية المجتمع من الفوضى والظلم .
إن الدولة التي تحقق هذه المقاصد، وتحمي الإنسان وتصون كرامته وتمنع الاستبداد وتضمن الحقوق، لا يمكن اعتبارها بالضرورة نقيضًا للدين لمجرد أنها لا تستنسخ نموذجًا سياسيًا تاريخيًا؛ بل إن الإصرار على شكل تاريخي معين، حتى لو أدى إلى الظلم والاستبداد وإهدار الحقوق، يتناقض مع روح مقاصد الشريعة .
ولعل أخطر ما يعانيه العقل الإسلامي اليوم أنه لا يزال أسير ثنائية زائفة: إما دولة دينية وإما دولة معادية للدين، إما العودة الكاملة إلى الماضي وإما القطيعة الكاملة معه، إما قبول الحداثة بكل ما فيها وإما رفضها بالكامل. بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذه الثنائيات. فالمطلوب ليس هدم التراث، وإنما تحريره من القداسة البشرية؛ وليس رفض الحداثة، وإنما نقدها والاستفادة من منجزاتها؛ وليس إقصاء الدين من الحياة، وإنما تحرير الدين من التوظيف السياسي الذي يحوله إلى أداة للصراع على السلطة.
إن التجديد الحقيقي يبدأ عندما ندرك أن الإسلام أكبر من أن يُختزل في تجربة سياسية تاريخية، وأن التراث أوسع من أن يتحول إلى عقيدة مغلقة، وأن العقل المسلم قادر على الاجتهاد متى تحرر من الخوف ومن سلطة الإجابات الجاهزة. فالوفاء للدين لا يكون بتجميد التاريخ، وإنما بالحفاظ على مقاصده وقيمه مع القدرة على تنزيلها في واقع متغير.
ختاما، فإن المعركة الحقيقية ليست بين الدين والدولة، ولا بين الإسلام والحداثة، وإنما بين عقل يصر على إعادة إنتاج الماضي وعقل يمتلك شجاعة التفكير في المستقبل. وليست المشكلة في أن يكون للدين حضور في المجال العام، وإنما في أن يتحول هذا الحضور إلى احتكار للحقيقة السياسية أو إلى وسيلة لإضفاء القداسة على السلطة. إن المطلوب اليوم هو بناء وعي إسلامي جديد يميز بوضوح بين الوحي والتاريخ، وبين الدين والتفسير، وبين القيم السياسية والأشكال التاريخية، ويعيد للإنسان دوره باعتباره فاعلًا في التاريخ لا مجرد تابع له. وعندما يصبح العقل قادرًا على الجمع بين ثبات المقاصد وتغير الوسائل، وبين أصالة المرجعية ومرونة الاجتهاد، يمكن للفكر الإسلامي أن يخرج من أزمته التي طال أمدها .






