رأي

رشيدة دبيش: حين أنقذتني الكتابة من المحاماة..

ربما نخطئ حين نربط الإبداع دائما بالرقة والرومانسية والصفاء والسلام النفسي .. 

عندما نتأمل تاريخ الفن والادب ، نجد أن كثيرا من الأعمال الخالدة ولدت من مناطق شديدة القسوة والانفعال .
يكفي أن نستحضر لوحة للفنان التشكيلي" غويا " أو كثيرا من الأعمال الروائية والدرامية التي جعلت من الألم والعنف والبشاعة والاختلال الإنساني مادة جمالية ، مثيرة جدا للاهتمام .
الإبداع الحقيقي لا يهرب من قسوة الواقع ، بل أحيانا يكون أكثر شراسة من كشفه . 
ومن هنا ، لا تبدو المحاماة بعيدة عن الابداع ، لانها تضعنا يوميا أمام الحقيقة الأنسانية في اكثر صورها تعقيدا .
وربما نبالغ أيضا حين نربط الابداع تلقائيا بالرقة الأنسانية أو شفافية الإحساس .
فالواقع يكشف لنا أن هناك مبدعين كبارا قد يتمتعون بقدر من الخشونة أو الاضطراب أو حتى البلادة العاطفية، ومع ذلك ينتجون أعمالا خالدة . 
كما أن هناك أشخاصا بعيدين تماما عن أي ممارسة إبداعية، لكنهم يملكون جمالا إنسانيا استثنائيا وجمالا وجدانيا عميقا . 
لذلك فالإبداع ليس مرادفا للنقاء الانساني ، بل هو قدرة خاصة على تحويل التجربة الأنسانية، بكل تناقضاتها، إلى اثر فني أو فكري . 
فكثير من الأعمال الإبداعية كما قلنا لم تخرج من حياة هادئة، بل خرجت من صراع داخلي عميق ، ومن مهن قاسية، من احتكاك يومي بجراح البشر وهمومهم ومعاناتهم. 
والمحامي يعيش يوميا داخل دراما إنسانية حقيقية لا متخيلة.. وهذا يمنحه مادة خاما هائلة للتأمل والإبداع. 
ثم إن المحاماة نفسها ليست مجرد تطبيق جامد للنصوص . فهي نفسها تتطلب قدرا عاليا من الابداع...
المرافعة العظمية فعل ابداعي حقيقي : هي بناء سردي ، هندسة لغوية، قدرة على ترتيب الوقائع، التقاط التفاصيل ، وصناعة أثر في وجدان المحكمة وعقلها . 
المحامي المتميز لا يردد النصوص فقط ، بل يخلق من داخل الوقائع رؤية مقنعة . 
بالمحاماة تتعلم كيف تكون صلبا حين ينبغي أن تكون صلبا ، وأن تخفي ارتعاشة القلب خلف نبرة الثقة ، وأن تواجه القسوة بقسوة أشد أحيانا ، وأن تشك في النوايا ، وأن تستعد دائما للدفاع والهجوم والاحتمال . 
ثم جاءت الكتابة ... 
جاءت لا لتنتشلني من المحاماة ، ولا لتطلب مني أن أتخلى عن تلك المرأة التي صنعتها المهنة، بل لتعيد لي رقتي لا باعتبارها ضعفا ، بل بإعتبارها الجزء الذي ظل حيا في داخلي رغم ما مر بي . 
حين أكتب لا أحتاج أن أربح قضية ، ولا أحتاج أن أقنع أحدا ، وأن أثبت شيئا، وأن أرفع صوتي كي يسمع يكفيني أن أفتح نافذة صغيرة في جدار الأيام ، وأن أترك قلبي يخرج منها كما هو ، بلا مذكرات دفاع ، ولا دفوع شكلية، ولا أحكام نهائية. 
في الكتابة أعود إلى نفسي ...
أعود الى تلك الطفلة التي ترى العالم بقلبها قبل أن تتعلم أن تحذره بعقلها ، إلى المرأة التي لم تمت رغم سنوات من التماسك والمواجهة والوقوف في الصفوف الأولى من معارك الآخرين. 
أنا اليوم لا اريد أن أختار بين المحامية أوالكاتبة، أو الشاعرة بين الصلابة والرقة، بين العقل والقلب، لقد فهمت أخيرا أنني كل ذلك معا . 
وإذا كانت المحاماة قد علمتني كيف أواجه العالم ، فإن الكتابة أعادت تعليمي كيف ألمسه . 
لهذا حين أكتب أشعر أنني أسترد شيئا مني .. 
شيئا ظل طويلا ينتظرني في الجهة الأخرى من تلك المعارك 
وربما لهذا أكتب لا لأهرب من المرأة التي صنعتها المحاماة ، بل لأعيد اليها ما أخذته منها الطريق . 
رقتها ، إنسانيتها ، حاساسيتها، شفافيتها ، مصدقياها، نقاءتها ، صوتها ، وبراءتها الأولى.. 
وذلك الجزء الجميل منها والعميق .. إذ كلما أثقلها صخب المحاماة ... فتحت نافذة من الحروف فعاد إلى قلبها شيء من الرقة والسكينة والى روحها شي من الاتزان والهدوء ..
لهذا أكتب.. 
ولأنني لا أريد للقانون أن يعلمني القسوة والحدة والجمود ولا للحياة لن تنتزع منى اللين والحنو والرهافة الوجدانية. 
أكتب لأتذكر أن القوة لا تناقض الوداعة ودفء ونبل الشعور وأن القلب يستطيع أن يكون صلبا في مواقفه ، ناعما لطيفا في جوهره . 
وربما لهذا الكتابة بالنسبة لي ، أكثر من كلمات وحروف 
بل كانت عودة إلى روحي.