مجتمع وحوداث

انهيار تدريجي في الحسّ الاجتماعي وتراجع في مفهوم الحياء

جيهان عبادي (إعلامية)

في زمنٍ قريب جداً، كنّا نعتبر مجرّد نشر الملابس الداخلية فوق السطح فعلاً “مستحيلاً”، وعيباً اجتماعياً لا يُغتفر، وكنّا نهرب من أي إشارة محرجة أمام الجيران…

اليوم، وبكل بساطة، أصبح البعض يرى إظهار العورة على الملأ فعلاً عادياً، وخطأً بسيطاً

 يمكن تبريره حتى لو كان متعمّداً.

هذا التحوّل ليس بريئاً، وليس صدفة.

إنه نتيجة انهيار تدريجي في الحسّ الاجتماعي، وتراجع في مفهوم الحياء، وتضخّم في ثقافة “كلشي عادي”، حتى صارت الحدود الأخلاقية تُعامل كخيارات شخصية لا كقيم مشتركة.

أما أن نصل إلى مرحلة إشهار و بيع الملابس الداخلية الخاصة حتى بوقت الحميمية (طبعا بين الزوجين) و بالمباشر … فهنا لا نتحدث عن حرية، بل عن تسليع الجسد وتحويل البيولوجيا إلى محتوى استهلاكي، وكأننا فقدنا القدرة على التمييز بين ما هو إنساني وما هو استعراضي. أتذكّر جيداً كيف كنّا نهرب من إشهار أولويز، نختلق الأعذار، نتظاهر بوجع الرأس فقط لكي تهرب من المائدة أمام الأب …

كان هناك حياء، كان هناك سياق اجتماعي، كان هناك حدّ أدنى من الذوق. اليوم، صار كل شيء قابلاً للبثّ المباشر، وصار الجسد مادة إعلامية، وصارت الخصوصية سلعة، وصار “العيب” مجرد كلمة قديمة في قاموس لم يعد أحد يفتحه. الإعلام لا يصنع هذه التحوّلات وحده، لكنه يعكسها ويضخّمها ويعيد إنتاجها.

وعندما يصبح ما كان “عيباً” بالأمس “ترنداً” اليوم، فهنا لا نتحدث عن تطوّر… بل عن انهيار في الذوق العام، وانزلاق في المعايير، وغياب كامل للوعي الاتصالي.الحرية لا تعني أن نُظهر كل شيء.

والحداثة لا تعني أن نُسقط كل الحدود.

والجرأة لا تعني أن نُحوّل الجسد إلى إعلان. هناك فرق كبير بين التعبير… وبين التعرّي الاتصالي الذي نراه اليوم.