تجربة «مدارس الريادة» ليست كارثة…
بل على العكس، فيها كثير من الإيجابيات، وحققت نتائج تستحق أن نتوقف عندها، وأن نعترف بها بلا عقدة ولا مزايدة.
المشكلة ليست في التجربة نفسها.
المشكلة في الطريقة التي نتحدث بها عنها.
فنحن، مع الأسف، نعاني شيئاً من فقر التربية، لكننا نملك غنى فاحشاً في «البروباغندا» التربوية.
نأخذ إنجازاً جزئياً، فنحوّله إلى نصر كوني؛ ونأخذ تجربة واعدة، فنقدمها كأنها الوصفة السحرية التي كان العالم ينتظرها منذ أفلاطون.
وهنا بالضبط تبدأ الحكاية.
أولاً: الأرقام تتحدث… لكنها لا تعفينا من السؤال
بدأت تجربة مدارس الريادة في الموسم الدراسي 2023-2024 بـ626 مدرسة، ثم توسعت إلى 2626 مدرسة في الموسم الموالي، لتصل خلال 2025-2026 إلى حوالي 4626 مدرسة ابتدائية عمومية.
إنه توسع سريع جداً، وهو في حد ذاته إنجاز يستحق التقدير.
والبنك الدولي لم يبخل بالتنويه بالنتائج؛ فقد أشار إلى مكاسب مهمة في التعلمات، وقال إن تلاميذ مدارس الريادة، بعد سنة واحدة من التطبيق، حققوا مكاسب جعلتهم يتفوقون على نحو 82 في المائة من أقرانهم في مدارس المقارنة.
ممتاز.
لا غبار على ذلك.
لكن دعونا نقرأ قليلاً بين السطور.
السؤال ليس: هل تحسن التلاميذ؟
السؤال هو: هل نضج التقييم بالسرعة نفسها التي توسع بها المشروع؟
التقييم الذي أنجزته الهيئة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سجل نتائج إيجابية، لكنه كشف في الوقت نفسه عن تفاوتات واضحة بين الجهات؛ فقد بلغ معدل التطابق 86 نقطة في جهة الشرق، مقابل 69 في جهة الداخلة وادي الذهب.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
كيف يمكن أن تكون لدينا «ريادة» بدرجات مختلفة بهذا الحجم؟
هل المشكلة في التلميذ؟
في الموارد؟
في التجهيز؟
في التأطير؟
أم في طريقة تنزيل النموذج؟
هذا ليس تشكيكاً.
هذا هو عمل الصحافة.
أن تقول للنجاح: أحسنت، ثم تسأله: وماذا عن الباقي؟
ثانياً: حين تصبح الجغرافيا امتحاناً آخر للريادة
المشكلة ليست فقط في اختلاف النتائج بين الجهات.
هناك سؤال العدالة نفسه.
فالمجلس الأعلى أشار إلى أن النموذج لا يستفيد منه جميع التلاميذ بالكيفية نفسها، كما سجل صعوبات مرتبطة بإدماج التلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة.
وهنا تصبح كلمة «الريادة» بحاجة إلى شيء من الحذر.
لأن المدرسة الرائدة ليست المدرسة التي تجعل التلميذ الجيد أكثر تفوقاً فقط.
المدرسة الرائدة هي التي تعرف كيف تنقذ المتعثر قبل أن يسقط.
هي التي لا تجعل الطفل القروي يدفع ثمن موقعه الجغرافي.
وهي التي لا تجعل الطفل الذي يحتاج إلى دعم إضافي يشعر بأن الإصلاح جاء ليقول له، بطريقة أخرى: انتظر دورك.
فالنجاح التربوي لا يقاس فقط بسرعة تقدم الأقوياء.
بل يقاس أيضاً بعدد الذين لم نتركهم خلفنا.
ثالثاً: الميدان… حيث لا تعمل عروض «باوربوينت»
ثم هناك المدرسة الحقيقية.
ليست المدرسة التي تظهر في العرض التقديمي.
بل تلك التي يدخل إليها الأستاذ صباحاً، فيجد أمامه أربعين تلميذاً، ويبحث عن الوسيلة الرقمية فلا يجدها، أو يجدها لكن الإنترنت قرر، كعادته، أن يأخذ عطلة.
هناك أيضاً مشكلات في التجهيزات، والموارد البشرية، والتأهيل، وتوفير بعض الوسائل، وهي ملاحظات أثارها فاعلون تربويون ونقابيون خلال مراحل تنزيل المشروع.
وهنا أظن أن علينا أن نكون منصفين للطرفين.
قد تكون الوزارة محقة عندما تقول إن النتائج تحسنت.
وقد تكون النقابات محقة عندما تقول إن شروط العمل والتنزيل ليست دائماً في مستوى الطموح.
لا تناقض في ذلك.
قد ينجح المنهج، بينما يتعثر التنزيل.
وقد تتحسن نتائج التلاميذ، بينما يظل الأستاذ يشتغل وسط خصاص أو اكتظاظ أو مشكلات لوجستيكية.
فالمنهج التربوي، مهما كان جيداً، يشبه سيارة فاخرة:
لا تكفي سرعتها القصوى إذا كان الطريق مليئاً بالحفر.
رابعاً: الامتحان سُرِّب… وهذه هي الريادة؟
ثم جاءت واقعة تسريب بعض مواضيع امتحانات مؤسسات الريادة في يناير 2026، واضطرت الوزارة إلى اتخاذ إجراءات لإعادة بعض الاختبارات وتأجيل أخرى حفاظاً على تكافؤ الفرص.
وهنا، سامحوني، يصعب على الصحفي أن يقاوم قليلاً.
كنا ننتظر أن تكون الريادة في التعلمات، فإذا بنا نجدها أيضاً في إعادة الاختبارات!
طبعاً، التسريب لا ينسف المشروع، ولا يصح تحميله للمدرسة أو للأستاذ أو للتلميذ بالجملة.
لكن الواقعة تكشف شيئاً مهماً:
الإصلاح الكبير يحتاج إلى تدبير كبير.
فالمدرسة لا تصبح رائدة فقط لأن لها منهجاً جديداً.
حتى الامتحان، والوثيقة، والموعد، والوسيلة، والتجهيز، والتواصل… كلها أجزاء من الجودة.
والتلميذ يحتاج قبل الامتحان «الريادي» إلى شيء بسيط جداً:
أن يثق بأن الامتحان الذي بين يديه هو الامتحان الذي كان يفترض أن يجتازه.
خامساً: أخنوش وبرادة… والعالم الذي يريد أن يتعلم منا
هنا نصل إلى الجزء الأكثر إثارة في الحكاية.
رئيس الحكومة عزيز أخنوش يتحدث عن النتائج التي حققتها مدارس الريادة، ووزير التربية الوطنية محمد سعد برادة يتحدث عن اهتمام دول شقيقة وصديقة بالتجربة المغربية وعرضها في محافل دولية.
ومرة أخرى، لا مشكلة في ذلك.
بل بالعكس.
إذا كانت لدينا تجربة ناجحة، فمن حق المغرب أن يعرضها.
لكن، بالله عليكم، دعونا نفرق بين شيئين:
الاهتمام شيء.
والتبني شيء آخر.
أن نقول إن دولاً مهتمة بالتجربة، فهذا معقول.
أما أن ننتقل من ذلك إلى القول إن العالم كله يريد الاستفادة من «النموذج المغربي»، فهنا ينبغي أن نتريث قليلاً.
فالعالم الأكاديمي لا يشتغل بالتصفيق.
لا يقول لك: «أعجبتني التجربة، أعطني منها عشرة آلاف نسخة.»
بل يقول:
أين البيانات؟
أين المنهجية؟
أين المقارنة؟
أين التقييم المستقل؟
أين النتائج بعد خمس سنوات؟
وأين النتائج في المدرسة القروية كما في المدرسة الحضرية؟
وأين أثر التجربة على الطفل المتعثر، وعلى ذي الاحتياجات الخاصة؟
ثم، بعد ذلك، يمكن أن نتحدث عن نموذج.
سادساً: فقر التعلم لا يختفي بمؤتمر صحفي
وهنا نصل إلى الحقيقة التي ينبغي ألا تضيع وسط الاحتفال.
البنك الدولي يذكّر بأن نحو 60 في المائة من الأطفال المغاربة في سن العاشرة كانوا سنة 2023 غير قادرين على قراءة وفهم نص بسيط وفق مؤشر فقر التعلم.
هذه هي المشكلة التي جاءت مدارس الريادة أساساً لمحاولة معالجتها.
ولذلك فإن تحسن التعلمات خبر ممتاز.
لكن هناك فرق بين أن نقول:
بدأ العلاج يعطي نتائج.
وبين أن نقول:
انتهى المرض.
المريض الذي تنخفض حرارته بدرجتين لا يخرج من المستشفى حاملاً شهادة الشفاء.
وهذا بالضبط ما يجب أن نتعلمه في التربية:
لا نعلن نهاية الأزمة لأن مؤشراً واحداً تحسن.
مدارس الريادة ليست فشلا… وليست معجزة
إذن، ماذا نقول في النهاية؟
نقول إن مدارس الريادة تجربة واعدة حققت نتائج مشجعة.
ونقول أيضا إنها كشفت عن تفاوتات واختلالات وأسئلة حقيقية تتعلق بالتنزيل، والموارد، والتجهيزات، والعدالة المجالية، وتكافؤ الفرص، وإدماج ذوي الاحتياجات الخاصة.
ونقول إن هذه الاختلالات لا تلغي النتائج الإيجابية.
كما أن النتائج الإيجابية لا تلغي الاختلالات.
وهذه هي أبسط قواعد العقل.
المشكلة تبدأ عندما يصبح النقد خيانة، والاعتراف بالنجاح تملقا…
نحن لا نحتاج إلى مدرسة تقول لنا:
«كل شيء ممتاز.»
ولا إلى مدرسة أخرى تقول:
«كل شيء كارثي.»
نحتاج إلى مدرسة تستطيع أن تقول:
هذا نجح.
هذا لم ينجح.
وهذا يحتاج إلى وقت.
وهذا يحتاج إلى إصلاح.
وهنا فقط تصبح الريادة حقيقية.
ليس أن نصرخ في وجه العالم:
«نحن الأفضل!»
بل أن نقول له بهدوء:
«هذه تجربتنا. هذه نجاحاتها. وهذه أخطاؤها. تعالوا نتعلم معاً.»
لأن العالم لا يحتاج منا إلى أسطورة تربوية جديدة.
يحتاج إلى تجربة قابلة للفحص.
والمدرسة المغربية لا تحتاج إلى مزيد من التصفيق بقدر ما تحتاج إلى الصبر، والتجهيز، والأستاذ، والتقييم، والعدالة، والوقت.
وفي النهاية، هناك امتحان واحد لا يستطيع أي مسؤول أن يعيد برمجته:
طفل يفتح كتابا، ويقرأ جملة بسيطة، ويفهم معناها… من دون أن يخاف من المدرسة، أو من الامتحان، أو من المستقبل.
إذا وصلنا إلى هنا، فسنكون قد بدأنا فعلاً في بناء مدرسة رائدة.
أما قبل ذلك…
فربما نكون فقط قد أتقنا درسا آخر: كيف نصنع من الإنجاز الصغير نصراً كونياً.






