سياسة واقتصاد

هل يعيد بنكيران فتح الصفحة التي سبق أن أثارت إشكالا حول حدود حديثه عن الملك والمؤسسة الملكية؟!

فاطمة الزهراء الإبراهيمي (محامية بهيئة الدار البيضاء)

أشد ما يثير الاستغراب في آخر تصريح للسيد عبد الإله بنكيران ليس فقط ما قاله! وإنما كيف قاله! ومتى قاله! ولماذا اختار أن يدخل المؤسسة الملكية في هذا النقاش بالذات.

ونحن في سنة انتخابية والأحزاب السياسية تستعد لاستحقاق تشريعي جديد، والبلاد تواجه ملفات سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية دقيقة، يخرج عبد الإله بنكيران بتصريح يقول فيه إنه طلب من جلالة الملك أن يخبره بما وقع في سبتة!! وهل كان الأمر مدبرا من جهات خارجية أم داخلية؟!

وهنا لابد من التوقف!

بأي صفة يتحدث بنكيران عن طلبه من الملك أن يجيبه عن قضية من هذا الحجم؟

إن كان السؤال سياسيا فهناك الحكومة.

وإن كان السؤال رقابيا فهناك البرلمان.

وإن كان الأمر يتعلق بالتحقيق وتحديد المسؤوليات فهناك المؤسسات والأجهزة المختصة.

أما أن يجعل من اتصاله بالملك ومن سؤاله له مادة للتصريح الصحفي!! فهذه مسألة خطيرة!

المشكلة ليست في أن بنكيران يريد معرفة ماذا وقع في سبتة، المشكلة في أنه اختار أن يجعل الملك جزءا من السؤال.

وهنا يتحول الأمر من مجرد موقف سياسي إلى سؤال عن حدود استحضار المؤسسة الملكية في الخطاب السياسي.

المؤسسة الملكية ليست ورقة يستدعيها السياسي متى أراد أن يمنح كلامه وزنا أمام الرأي العام.

الغريب هو أن عبد الإله بنكيران كان رئيسا للحكومة، ويعرف جيدا طبيعة المؤسسة الملكية، ويعرف حدود المسؤوليات والاختصاصات، ويعرف أكثر من غيره أن الحديث عن الملك ليس كحديث السياسيين عن بعضهم البعض.

ولهذا فإن عودته إلى هذا الأسلوب ليست أمرا يمكن المرور عليه مرور الكرام.

لقد سبق أن أثارت تصريحات بنكيران، خلال سنوات سابقة، جدلا واسعا بسبب الطريقة التي كان يستحضر بها اسم الملك والمؤسسة الملكية في خطابه السياسي. وسبق أن تعرض لتنبيهات ومؤاخذات قوية تلقاها في هذا الصدد.

وهنا أستحضر الحوار الصحفي الذي كان ضيفه السيد مصطفى الرميد، وأنه في اليوم الذي استقبل فيه جلالة الملك محمد السادس نصره الله السيد عبد الإله بنكيران وتعيينه رئيسا للحكومة بعد التعيين مباشرة، وفي حضور السيد مصطفى الرميد الذي كان شاهدا، حسب تعبيره، على أثقل عشرين دقيقة كان فيها جلالة الملك صارما وشديدا وموبخا لعبد الإله بنكيران، بعد أن تقدمت أحزاب المعارضة وقتها (الأصالة والمعاصرة، والاتحاد الاشتراكي، وحزب الاستقلال) بشكاية في مواجهة بنكيران إلى الملك محمد السادس مفادها أن بنكيران يستغل شخص الملك والمؤسسة الملكية ويقوم بتوظيفها في خطاباته السياسية والإعلامية. وكانت هذه الشكاية سبب التنبيه الأول، وتم منع عبد الإله بنكيران من استغلال أو توظيف المؤسسة الملكية في الخطابات السياسية والإعلامية.

ولكن ماذا تغير اليوم حتى يعود بنكيران إلى الأسلوب نفسه؟

هل يعتقد أن الحديث عن اتصاله بالملك أو مراسلته سيضيف شرعية أو قوة إلى موقفه السياسي أو الحزبي أو الانتخابي؟

وههل يدرك أن هذا النوع من الخطاب في سنة انتخابية تحديدا يمكن أن يفهم باعتباره توظيفا للرمزية الملكية داخل المنافسة الحزبية؟

وهذه هي النقطة التي يبدو أن بنكيران لا يريد أن يفهمها أو أنه يختار تجاهلها.

إن استدعاء اسم الملك إلى النقاش السياسي بهذه الطريقة لا يقوي موقف بنكيران، ويمكن أن يفهم منه أنه لا يحترم الحدود التي تفصل بين السياسي والمؤسسة الملكية.

ثم إن قضية سبتة ليست مناسبة للاستعراض الانتخابي. إنها قضية بالغة الحساسية ولها أبعاد أمنية وسياسية ودبلوماسية، ولا يجوز اختزالها في عبارة من قبيل: «سألت الملك ماذا وقع؟ ومن الذي دبر هذا؟ هل هي جهات داخلية أم جهات خارجية؟! وما زلنا ننتظر الجواب؟!».

الملك في النظام الدستوري المغربي ليس صديقا سياسيا لأحد!! ولا يمكن لبنكيران أن يعرض على المغاربة تفاصيل اتصاله أو تواصله مع المؤسسة الملكية بهذا الأسلوب الذي لا يمكن تجاوزه!

إنه ملك البلاد، والمؤسسة الملكية لها مكانتها الدستورية والرمزية التي لا ينبغي تحويلها إلى مادة في الخطاب الانتخابي والإعلامي.

لكن ما يمكن قوله بوضوح هو أن بنكيران أعاد بنفسه فتح الباب أمام النقاش الذي كان يفترض أن يكون قد حسم منذ سنوات.

والأخطر أن بنكيران أخطأ فعلا تقدير اللحظة السياسية.

فالمغاربة مقبلون على انتخابات، والبلاد تحتاج إلى نقاش سياسي جاد حول البرامج والبدائل والحلول، وليس إلى إعادة إنتاج خطاب يقوم على استحضار العلاقة بالملك التي نبه من خلالها جلالة الملك نصره الله سابقا وفي محطات متعددة وكثيرة وكان المصطفى الرميد شاهدا عليها.

المغاربة لا يحتاجون إلى سياسي يخبرهم أنه قريب من الملك وأنه يتواصل مع الملك مباشرة!!!

المغاربة يحتاجون إلى سياسي يقول لهم ماذا سيفعل، وكيف سيفعل، وكيف سيواجه الأزمات، وكيف سيحل مشاكلهم.

أما الإيحاء للمغاربة بالقرب من الملك، فليس برنامجا انتخابيا، فالمؤسسة الملكية أكبر من أن تتحول إلى جزء من أي خطاب انتخابي أو سياسي!!