موسم الانتخابات يغير معنى أشياء كثيرة
ما يبدو في الأيام العادية عملا خيريا، قد يصبح في موسم الانتخابات جزءا من حساب آخر. وما يبدو دعما للرياضة، قد يكون أيضا بناء هادئا لصورة سياسية. وما يبدو إنفاقا بلا مقابل، قد يكون في الحقيقة استثمارا ينتظر موعد حصاده.
انتبهوا إلى هؤلاء.
إلى الذين أنفقوا قبل الانتخابات بسنوات، لا لأنهم لا يعرفون قيمة ما ينفقون، بل لأنهم يعرفون جيدا قيمته.
فبعض الأموال لا تُدفع لتضيع، وإنما لتعود.
لكنها لا تعود بالضرورة مالا.
تعود في صورة محبة، وامتنان، وشهرة، وعلاقات، ونفوذ، ثم تأتي الانتخابات لتكشف العائد الحقيقي: الأصوات.
وهنا تصبح المسألة أكثر ذكاء من مجرد شراء الأصوات، من يشتري الصوت مباشرة يدفع ثمنه مرة واحدة.
أما من يبني رصيدا اجتماعيا، فهو يدفع اليوم ليحصل غدا على شيء قد تكون قيمته أكبر بكثير مما أنفقه.
يساعد أسرة، فيكسب قصة تُروى عنه، و يدعم فريقا، فيكسب جمهورا يصفق له.
و قد يرعى مبادرة، فيكسب شبكة من العلاقات، أو يحضر باستمرار، فيصبح اسمه مألوفا.
ومع الوقت، تتحول المساعدة إلى امتنان، والامتنان إلى ثقة، والثقة إلى نفوذ، والنفوذ إلى أصوات.
هكذا يمكن أن يتحول المال الذي خرج من الجيب إلى رأسمال سياسي يعود إلى صاحبه أضعافا.
و لا يعود السؤال هنا: هل هذا الرجل كريم؟
السؤال الأذكى هو: هل هو كريم فقط، أم أنه يعرف أيضا كيف يستثمر كرمه؟..الفرق دقيق، لكنه جوهري.
فالعمل الخيري الحقيقي لا ينتظر موسم الانتخابات حتى يكتشف الناس قيمته. أما حين تتكاثر المبادرات كلما اقترب موعد الاستحقاق، ويصبح لكل نشاط صورته، ولكل دعم حضوره، ولكل مساعدة ذاكرة محفوظة، فمن حق الناس أن يسألوا: هل نحن أمام عطاء أم أمام بناء رصيد؟
وفي الرياضة، تبدو المعادلة أكثر جاذبية.
السياسي لا يحتاج إلى أن يسجل هدفا حتى يستفيد من الانتصار.
يكفي أن يكون قريبا من الفريق حين يفوز.
فالانتصار يصنع فرحا جماعيا، والفرح الجماعي يصنع تعلقا عاطفيا، ومن ينجح في وضع اسمه داخل هذه اللحظة قد يستعير شيئا من بريقها.
الفريق ينتصر، الجمهور يحتفل، والصورة تذهب أبعد من الملعب، إنه استثمار في عاطفة لا يستطيع الخطاب السياسي أن يصنعها بسهولة، أما العمل الاجتماعي فيلعب على وتر مختلف: الحاجة.
ومن يقف إلى جانب شخص في لحظة احتياج، قد يترك في ذاكرته أثرا لا تتركه عشرات الخطب.
لهذا يمكن للرياضة أن تصنع صورة المنتصر، ويمكن للعمل الاجتماعي أن يصنع صورة المنقذ.
وحين تجتمع الصورتان، يصبح الطريق إلى الصورة السياسية معبدا: إسم قريب من الناس، محبوب، داعم، حاضر، ومنتصر.
ثم يأتي يوم الانتخابات، هنا فقط تظهر قيمة كل ما سبق.
فما أنفقه صاحب المشروع لم يعد مجرد مال أنفقه، أصبح رصيدا..
وما كان يبدو نشاطا اجتماعيا أصبح نفوذا.
و ظهر على أنه حضورا رياضيا أصبح شعبية، أما ما ظننا أنه كرما أصبح، في النهاية استثمارا انتخابيا قابلا للاسترداد بأضعافه.
ولذلك، ربما يكون علينا تجنب سؤال من أنفق أكثر؟ و طرح سؤال مهم عند كل موسم انتخابات "من الذي يعرف أن ما أنفقه سيعود إليه؟:
فالمستثمر السياسي لا يحسب فقط كم دفع.
إنه يحسب كم سيعود عليه إذا تحولت صورته إلى أصوات، والأصوات إلى مقعد، والمقعد إلى نفوذ.
بعض الحالات تؤكد أن السياسي الأكثر إنفاقا ليس هو الأكثر كرما، بل الأكثر اقتناعا بأن الانتخابات استثمار مربح.
والفرق بين الاثنين لا يظهر يوم الإنفاق،،، يظهر يوم الحساب.
يوم نكتشف أن بعض "أعمال الخير" و بعض الظهور المبالغ فيه بالمواسم الرياضية لم يكن ينتظر شكرا من الناس، بل كانت ينتظر منهم شيئا آخر: صوتا






