لم يعد سؤال علاقة الشباب بالسياسة سؤالا عابرا يمكن اختزاله في ضعف المشاركة الانتخابية أو في عزوف جيل جديد عن الانخراط في الأحزاب والنقابات والجمعيات. إننا أمام أزمة أعمق تمس جوهر العلاقة بين المجتمع والسياسة، وبين المواطن والمؤسسات التي يفترض أن تؤطر إرادته الجماعية وتحول مطالبه وانتظاراته إلى سياسات عمومية. وحين يقول الشباب، صراحة أو ضمنا، إن السياسة لم تعد تعنيه، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ابتعد الشباب عن السياسة؟ بل: ماذا فعلت السياسة حتى يبتعد عنها الشباب؟
إن هذا التحول لا ينبغي أن يقرأ بوصفه مجرد فتور عابر في الاهتمام بالشأن العام، بل باعتباره مؤشرا سياسيا واجتماعيا على وجود اختلال في العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الوساطة السياسية. فحين تفقد فئة واسعة من الأجيال الجديدة ثقتها في الأحزاب، فإن الخطر لا يطال الأحزاب وحدها، وإنما يمتد إلى صورة الديمقراطية ذاتها، وإلى قدرة المؤسسات على إنتاج التمثيل السياسي والاجتماعي.
إن فقدان الشباب للثقة في العمل السياسي والأحزاب السياسية ليس ظاهرة طبيعية، ولا نتيجة حتمية لتحولات العصر الرقمي، ولا دليلا على أن الجيل الجديد غير مبال بالشأن العام. على العكس من ذلك، يكشف سلوك الشباب في كثير من الأحيان عن اهتمام قوي بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والثقافية والحقوقية، وعن حساسية عالية تجاه الظلم والتمييز والفساد والحكرة وغياب تكافؤ الفرص. لكن هذا الاهتمام لم يعد يجد بالضرورة طريقه إلى المؤسسات السياسية التقليدية. لقد انتقلت قطاعات واسعة من الشباب من المشاركة السياسية المنظمة إلى المشاركة الاحتجاجية والرقمية والرمزية، لأنهم لم يعودوا يرون في الأحزاب القائمة فضاء قادرا على التعبير عن أسئلتهم الجديدة أو الدفاع عن مصالحهم اليومية.
وهنا ينبغي التمييز بين العزوف عن الأحزاب والعزوف عن السياسة. فالشباب قد يكون بعيدا عن التنظيمات الحزبية، لكنه ليس بالضرورة بعيدا عن السياسة. وقد يكون شديد الانخراط في قضايا المجتمع، وأكثر حضورا في النقاشات العمومية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأكثر استعدادا للاحتجاج والتعبير عن رفضه، لكنه لا يجد في الحزب السياسي القائم الإطار الذي يستطيع من خلاله تحويل هذا الوعي إلى فعل جماعي مستدام. إن المشكلة، بهذا المعنى، ليست في غياب الحس السياسي لدى الشباب، وإنما في أزمة قنوات التعبير والتمثيل السياسي.
وهنا تحديدا تبدأ مسؤولية الأحزاب.
فالحزب السياسي ليس مجرد آلة انتخابية تظهر في مواسم الاقتراع، ولا شبكة من المرشحين تبحث عن مواقع داخل المؤسسات. الحزب، في معناه الديمقراطي العميق، مؤسسة اجتماعية وفكرية وسياسية، وظيفتها الأساسية تأطير المواطنين، وإنتاج الأفكار، وصياغة البدائل، وتكوين النخب، وربط المجتمع بالدولة، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى مشاريع سياسية. فإذا تحولت الأحزاب إلى هياكل انتخابية موسمية، أو إلى فضاءات مغلقة تتحكم فيها شبكات المصالح والنخب القديمة، فمن الطبيعي أن يشعر الشباب بأن لا مكان لهم فيها.
والحزب الذي يختزل وجوده في الانتخابات يفقد تدريجياً وظيفته التاريخية باعتباره مدرسة للمواطنة ومختبرا للأفكار ومجالا لصناعة النخب. فالانتخابات لحظة من لحظات العمل السياسي وليست العمل السياسي كله. أما الحزب الذي لا يعيش بين انتخاب وآخر، ولا ينخرط يوميا في المجتمع، ولا ينتج المعرفة والمواقف والبدائل، فإنه يتحول مع الزمن إلى جهاز انتخابي يبحث عن الأصوات بدل أن يبحث عن حلول للمشكلات الاجتماعية.
لقد أصبح جزء من الشباب ينظر إلى الأحزاب باعتبارها مؤسسات تتحدث عنه أكثر مما تستمع إليه، وتعده أكثر مما تشرح له، وتستعمل صورته أكثر مما تمنحه موقعا حقيقيا في صناعة القرار. وفي كثير من الحملات الانتخابية، يتحول الشباب إلى مجرد كتلة انتخابية تستهدفها الشعارات والصور والوعود، ثم يعود إلى الهامش بمجرد انتهاء الاقتراع. وهذا التعامل النفعي مع الشباب يساهم في تعميق القطيعة ويجعل السياسة تبدو بالنسبة إليه لعبة مؤسساتية لا علاقة لها بمشكلاته الفعلية.
فالشاب لا يريد أن يكون مجرد رقم في معادلة انتخابية، ولا صورة في ملصق حزبي، ولا رقما يضاف إلى عدد المشاركين في تجمع انتخابي. إنه يريد أن يكون مواطنا كامل الأهلية السياسية، وأن يكون له حق السؤال والنقد والاقتراح والمشاركة في صناعة القرار. إن تحويل الشباب إلى مادة انتخابية بدل اعتباره قوة اجتماعية وسياسية فاعلة هو أحد الأسباب العميقة التي تغذي أزمة الثقة.
فالشاب الذي يبحث عن عمل ولا يجد، والذي يرى أمامه انسدادا في الأفق الاجتماعي، والذي يواجه ارتفاع تكاليف التعليم والسكن والنقل، والذي يعيش قلق المستقبل، لا يحتاج إلى خطاب سياسي عام ومجرد بقدر ما يحتاج إلى مشروع واضح يجيب عن سؤال: ماذا ستفعلون من أجل أن يكون لهذا الجيل مستقبل؟
فالسؤال الاجتماعي هو في جوهره سؤال سياسي. والبطالة ليست رقما اقتصاديا مجردا، والسكن ليس مجرد ملف تقني، والتعليم والصحة والنقل ليست خدمات منفصلة عن السياسة؛ إنها تعبير عن اختيارات في توزيع الموارد والثروة والفرص. ولذلك فإن الحزب الذي لا يستطيع أن يقدم تصورا واضحا حول هذه القضايا، أو يكتفي بالشعارات العامة، لن يستطيع إقناع الشباب بأن السياسة يمكن أن تغير شروط حياته.
وهنا تكمن إحدى أكبر أزمات الأحزاب: الفجوة بين الخطاب والممارسة.
لقد تراكمت لدى الشباب خبرات جعلتهم أكثر تشككا في الوعود السياسية. يسمعون أثناء الحملات الانتخابية عن الإصلاح ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية وخلق فرص الشغل، لكنهم بعد الانتخابات يواجهون واقعا لا يتغير بالسرعة التي وعدوا بها، وأحيانا واقعا يناقض تماما ما سمعوه. وعندما تتكرر هذه التجربة، لا يعود عدم التصويت أو عدم الانخراط موقفا من السياسة في حد ذاتها، بل يصبح موقفا من مصداقية الفاعل السياسي.
والمشكلة لا تكمن فقط في أن بعض الوعود لا تتحقق، فهذا أمر يمكن أن يحدث في أي تجربة سياسية، وإنما تكمن في غياب التفسير والمكاشفة والمحاسبة. فالسياسة الديمقراطية لا تقوم على ادعاء امتلاك الحقيقة أو القدرة على تحقيق كل شيء، وإنما تقوم أيضا على الاعتراف بالحدود، وتقديم الحصيلة، وشرح أسباب التعثر، وتصحيح الاختيارات عندما تثبت الوقائع عدم نجاعتها.
ومن الخطأ، في هذا السياق، تحميل الشباب مسؤولية عزوفه عن الأحزاب. فالسياسة لا تفقد جاذبيتها لأن الشباب أصبح أقل اهتماما بالشأن العام، وإنما تفقد جاذبيتها عندما يشعر المواطن أن صوته لا يغير شيئا، وأن البرامج الانتخابية لا تتحول إلى التزامات قابلة للمحاسبة، وأن المسؤول السياسي يستطيع أن يقدم وعودا كبيرة ثم يغادر موقع المسؤولية دون أن يقدم تفسيرا جديا لما تحقق وما لم يتحقق.
لكن هل الأحزاب وحدها مسؤولة عن هذه الأزمة؟
بالطبع لا. فالأزمة أوسع من الأحزاب، لأنها مرتبطة بطبيعة الحياة السياسية نفسها، وبمحدودية الثقة في المؤسسات، وبالاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، وبضعف التربية السياسية والمدنية، وبصورة السياسة في المجال العمومي. غير أن هذا لا يعفي الأحزاب من مسؤوليتها. بل إن مسؤوليتها تصبح أكبر لأنها الفاعل الذي يفترض أن يمتلك القدرة على التأثير في السياسات العمومية وفي المؤسسات المنتخبة والحكومة والبرلمان والجماعات الترابية.
كما أن أزمة الثقة لا يمكن فصلها عن طبيعة المجال السياسي نفسه؛ فحين تصبح المنافسة الحزبية أقرب إلى صراع حول المواقع منها إلى صراع حول البرامج والمشاريع المجتمعية، وحين يطغى منطق التدبير الانتخابي القصير المدى على التفكير الاستراتيجي في مستقبل البلاد، يصبح من الصعب إقناع جيل جديد بأن السياسة مجال للتغيير وليس مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة.
والأخطر من ذلك أن الشباب لا يجد نفسه حاضرا بما يكفي في برامج الأحزاب السياسية إلا باعتباره موضوعا للخطاب. كثير من البرامج تتحدث عن "الشباب" وكأنهم فئة اجتماعية متجانسة تحتاج إلى بعض المبادرات والمشاريع، بينما الحقيقة أن الشباب ليس قطاعا هامشيا من المجتمع، بل هو قلب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. إن الحديث عن الشباب يجب ألا يكون حديثا عن "مساعدات" أو "مبادرات ظرفية"، بل عن إعادة بناء شروط المشاركة الاجتماعية والسياسية لجيل كامل.
فالشباب ليس ملفا من ملفات البرنامج الانتخابي يمكن وضعه إلى جانب التعليم والصحة والرياضة، وإنما هو جزء أساسي من مستقبل المشروع المجتمعي نفسه. والحديث الجدي عن الشباب يقتضي الإجابة عن أسئلة أعمق تتعلق بالعمل والثقافة والتعليم والعدالة الاجتماعية والحق في السكن والحق في المشاركة والحق في الكرامة والحق في تقرير المصير الفردي والجماعي.
لماذا لا يحتل الشباب، إذن، موقعا مركزيا في البرامج السياسية؟
لأن بعض الأحزاب ما زالت تشتغل بعقلية سياسية تنتمي إلى زمن مختلف. زمن كانت فيه الهياكل الحزبية أكثر قدرة على إنتاج الانتماء، وكانت الوسائط التقليدية أكثر تأثيراً، وكانت العلاقة بين المواطن والحزب أكثر استقراراً. أما اليوم فقد تغيرت شروط التواصل والمعرفة والاحتجاج. الشباب يعيش في عالم سريع، مفتوح، رقمي، شديد الحساسية تجاه التناقض بين الكلام والفعل. ولذلك فإن الحزب الذي يكرر اللغة القديمة نفسها، ويقدم الوجوه نفسها، ويستعمل الأساليب نفسها، لن يستطيع إقناع جيل جديد بأن السياسة قادرة على صناعة المستقبل.
إن الشباب لا يريد فقط أن يسمع عن الديمقراطية؛ إنه يريد أن يعيشها داخل الحزب نفسه. يريد أن يعرف كيف تُتخذ القرارات، وكيف يتم اختيار المرشحين، وكيف تتم محاسبة المسؤولين، وكيف تتوزع المسؤوليات، وكيف يمكن لعضو شاب أن ينتقل من موقع المناضل إلى موقع صناعة القرار دون أن يمر عبر شبكة من الولاءات الشخصية.
ومن هنا فإن ديمقراطية الأحزاب شرط لإعادة بناء الثقة في الديمقراطية نفسها.
ولا يمكن لحزب أن يدافع عن الديمقراطية في المجتمع وهو يمارس التهميش داخل تنظيمه. ولا يمكن أن يطالب الدولة بتداول المسؤوليات وهو عاجز عن تجديد قياداته. ولا يمكن أن يتحدث عن تمكين الشباب بينما يحتفظ بهم في مواقع ثانوية لا تسمح لهم بالتأثير الحقيقي.
إن تجديد النخب ليس ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة سياسية. فالمجتمع يتغير، والأجيال تتعاقب، والأسئلة تتبدل، وإذا بقيت الأحزاب عاجزة عن إنتاج قيادات جديدة وعن فتح المجال أمام الطاقات الشابة، فإنها ستتحول تدريجياً إلى مؤسسات منفصلة عن الواقع الاجتماعي الذي يفترض أن تمثله.
ثم هناك سؤال أكثر حساسية: لماذا لا توجد إجراءات سياسية واضحة عندما تتحمل الأحزاب المسؤولية الحكومية؟
هذه واحدة من أكثر النقاط التي تضر بصورة العمل السياسي. ففي الأنظمة الديمقراطية، لا تعني المسؤولية السياسية مجرد الحصول على الأغلبية وتشكيل الحكومة، بل تعني أيضاً تحمل نتائج القرارات والاختيارات. الحكومة التي تتخذ قراراً سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً يجب أن تكون قابلة للمساءلة عن نتائجه. والحزب الذي يتحمل المسؤولية السياسية عن تلك القرارات يجب ألا يختبئ خلف الخطاب العام عندما تكون النتائج سلبية.
إن الديمقراطية ليست فقط صناديق اقتراع، بل هي أيضاً مسؤولية ومحاسبة وربط للقرار بالنتيجة.
فإذا فشل برنامج حكومي في تحقيق أهدافه، فمن حق المواطنين أن يعرفوا من المسؤول؟ وإذا أخفقت سياسة عمومية في تحقيق النتائج المعلنة، فمن الطبيعي أن تتم مراجعتها ومساءلة من وضعها ونفذها. وإذا ارتكب مسؤول سياسي أخطاء جسيمة، فإن الاستقالة أو الإعفاء أو الاعتذار السياسي أو مراجعة السياسات ليست علامات ضعف، وإنما يمكن أن تكون مؤشرات على وجود ثقافة ديمقراطية حقيقية.
أما حين تصبح المسؤولية السياسية بلا كلفة سياسية، فإن معنى المسؤولية نفسه يفقد قيمته.
إن غياب الكلفة السياسية للفشل يخلق نوعاً من اللامبالاة المؤسساتية، لأن المسؤول الذي لا يخشى المساءلة الجدية قد لا يجد حافزاً كافياً لمراجعة سياساته أو الاعتراف بأخطائه. وفي المقابل، فإن المسؤولية السياسية الحقيقية لا تعني الانتقام من المسؤولين، بل تعني حماية المؤسسات من الاستمرار في الأخطاء، وحماية المواطن من دفع ثمن قرارات لم يخترها ولم يشارك في صياغتها.
وهنا تتشكل إحدى أخطر المفارقات: المواطن مطالب بأن يكون مسؤولاً عن اختياره الانتخابي، بينما لا يبدو المسؤول السياسي دائماً مطالباً بالدرجة نفسها بأن يكون مسؤولاً عن نتائج اختياراته. وهذه المفارقة لا يمكن أن تنتج إلا مزيداً من الإحباط.
فالشاب الذي يرى مسؤولاً سياسياً يصل إلى موقع القرار عبر وعود كبيرة، ثم يواجه نتائج ضعيفة أو متناقضة دون أن تترتب عن ذلك مسؤولية واضحة، سوف يسأل نفسه: لماذا أصوت؟ ولماذا أنخرط؟ ولماذا أضع وقتي وجهدي في حزب لا أستطيع من خلاله التأثير في شيء؟
وهذه الأسئلة ليست عداءً للديمقراطية؛ إنها، في جوهرها، مطالب بالديمقراطية الحقيقية.
المشكلة، إذن، ليست في أن الشباب أصبح ضد السياسة، بل في أن جزءاً منه أصبح ضد سياسة لا تمنحه القدرة على التأثير. وهذا فرق جوهري ينبغي للأحزاب أن تدركه. فالشاب قد يكون مستعداً للنضال من أجل البيئة، أو العدالة الاجتماعية، أو التعليم العمومي، أو حقوق الإنسان، أو محاربة الفساد، أو الدفاع عن القضية الفلسطينية، أو مواجهة التمييز، لكنه قد لا يجد نفسه معنياً بالانضمام إلى حزب إذا شعر أن الحزب لا يملك سوى خطاب عام وأدوات تنظيمية مغلقة.
ومن هنا فإن إعادة الشباب إلى السياسة لا تبدأ بحملات دعائية تستعمل صور الشباب، ولا بإنشاء قطاعات شبابية شكلية، ولا بإطلاق شعارات من قبيل "الشباب مستقبل الوطن". الشباب ليس المستقبل فقط؛ إنه الحاضر الذي يصنع المستقبل الآن.
المطلوب هو إعادة بناء العلاقة بين الشباب والسياسة على أساس مختلف: الإنصات، والمشاركة، والشفافية، والمساءلة، وتداول المسؤوليات، وتجديد النخب، وربط البرامج بالنتائج، وإعطاء الشباب مواقع حقيقية في صناعة القرار.
كما ينبغي أن تتحول العلاقة بين الحزب والشباب من علاقة عمودية تقوم على التلقين والتعبئة إلى علاقة أفقية تقوم على الحوار والتعلم المتبادل. فالشباب ليس مجرد متلقٍ للأفكار التي تنتجها القيادات، بل يمكنه أن يكون منتجاً للأفكار، وصانعاً للسياسات، ومختبراً لبدائل جديدة في الاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا والمجتمع.
ويجب أن تتحول البرامج الانتخابية من وثائق إنشائية إلى عقود سياسية قابلة للقياس والمحاسبة. على الحزب الذي يقدم وعداً أن يحدد الوسائل والآجال ومؤشرات الإنجاز. وعلى المسؤول الذي يتحمل السلطة أن يشرح دورياً ما الذي أنجزه، وما الذي فشل فيه، ولماذا. وعلى المواطن أن يمتلك الحق في مساءلة من انتخبه، لا أن ينتظر أربع أو خمس سنوات ليعيد إنتاج الاختيار نفسه.
فالبرنامج الانتخابي الذي لا يحدد أولوياته وأهدافه ومؤشرات نجاحه ومصادر تمويله وآليات تقييمه يظل أقرب إلى إعلان سياسي منه إلى مشروع للحكم. أما البرنامج الذي يضع نفسه تحت مجهر التقييم الشعبي والمؤسساتي، فإنه يحول السياسة من مجال للوعود إلى مجال للالتزام.
إن استعادة الثقة ليست مهمة إعلامية، بل مهمة سياسية وأخلاقية. ولا يمكن أن تستعيد الأحزاب ثقة الشباب إلا إذا بدأت أولاً بمراجعة علاقتها بذاتها، وبمنطق اشتغالها، وبطرق إنتاج قياداتها، وبعلاقتها بالمجتمع.
فالشباب لا يحتاج إلى حزب يتحدث باسمه، بقدر ما يحتاج إلى حزب يفتح له المجال لكي يتحدث بنفسه. ولا يحتاج إلى من يقرر مستقبله نيابة عنه، بل إلى فضاء ديمقراطي يستطيع داخله أن يشارك في صناعة ذلك المستقبل.
إن أزمة الثقة الحالية ليست نهاية السياسة، لكنها إنذار قوي بأن السياسة التقليدية لم تعد قادرة على الاستمرار بالطريقة نفسها. وقد يكون هذا الإنذار فرصة تاريخية لإعادة بناء الحياة السياسية على أسس أكثر ديمقراطية وصدقية.
فالقطيعة بين الشباب والأحزاب ليست قدراً محتوماً، وإنما يمكن تجاوزها إذا امتلكت القوى السياسية الشجاعة الكافية للاعتراف بأسبابها. وأول خطوة في العلاج هي التخلي عن خطاب تحميل الشباب مسؤولية العزوف، والاعتراف بأن جزءاً من المسؤولية يقع على عاتق المؤسسات السياسية التي فشلت في إقناع جيل كامل بأن المشاركة السياسية يمكن أن تكون طريقاً فعلياً للتغيير.
فالسياسة التي لا تصغي إلى الشباب تفقد قدرتها على تجديد نفسها، والحزب الذي يخاف من تداول المسؤوليات يحكم على نفسه بالجمود، والحكومة التي لا تتحمل نتائج قراراتها تفرغ المسؤولية السياسية من مضمونها، والديمقراطية التي لا يشعر المواطن بأن صوته يحدث فرقاً تتحول تدريجياً إلى طقس انتخابي بلا روح.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تطرحه الأحزاب اليوم ليس: كيف نقنع الشباب بالتصويت لنا؟ بل: كيف نجعل السياسة جديرة بثقة الشباب من جديد؟
والجواب لن يكون في المزيد من الشعارات، وإنما في الممارسة: أن تصبح الأحزاب أكثر ديمقراطية، والبرامج أكثر واقعية، والوعود أكثر قابلية للقياس، والمسؤوليات أكثر وضوحاً، والمحاسبة أكثر جدية، والشباب أكثر حضوراً في مواقع القرار.
وأن يصبح الحزب، قبل أن يطلب ثقة المواطن، قادراً على تقديم حساب سياسي واضح عن ممارسته، وأن تصبح الحكومة، قبل أن تطلب تمديد الثقة، قادرة على تقديم حصيلة قابلة للنقاش والتقييم، وأن تصبح الانتخابات لحظة لاختيار البرامج والبدائل لا مجرد مناسبة لتجديد الوجوه والمواقع.
عندها فقط يمكن أن تتحول علاقة الشباب بالسياسة من علاقة شك واغتراب إلى علاقة مشاركة وفعل. وعندها فقط يمكن أن تستعيد الديمقراطية معناها باعتبارها ليست مجرد لحظة انتخابية، بل قدرة المواطنين على التأثير في حاضرهم وصناعة مستقبلهم ومحاسبة من يتولى تدبير شؤونهم باسمهم.
فالأحزاب لا تستعيد ثقة الشباب بأن تطلب منهم أن يثقوا بها؛ إنها تستعيدها عندما تجعل نفسها جديرة بهذه الثقة.






