مجتمع وحوداث

التفاهة ليست قضية «كلامور».. إنها أزمة مجتمع

محمد أمين شكيرا (صحفي متدرب)

لم تعد قضية التفاهة في المغرب مجرد مادة للسخرية أو موضوعاً عابراً على مواقع التواصل الاجتماعي. نحن أمام ظاهرة أصبحت تفرض نفسها على النقاش العمومي، بعدما تحولت بعض المنصات إلى فضاء يكافئ الضجيج أكثر مما يكافئ المعرفة، ويمنح الشهرة لمن يثير الجدل أكثر ممن يقدم قيمة حقيقية.

ولذلك، فإن الأحكام القضائية أو المتابعات التي تطال بعض مشاهير مواقع التواصل لا ينبغي أن تكون مقتصرة على أشخاص بعينهم، بقدر ما يمكن أن تكون مناسبة لطرح سؤال أكبر: أي محتوى نريد أن نتركه لأطفالنا وللأجيال المقبلة؟

قضية «كلامور»، أياً كانت تفاصيلها القانونية، ليست سوى قنطرة نحو نقاش أوسع. فالمشكلة لا تختصر في اسم أو مؤثر أو صفحة، وإنما في منظومة كاملة جعلت من التفاهة سلعة رائجة، ومن الإثارة وسيلة سهلة لجذب المتابعين وتحقيق الانتشار.

الأخطر أن الأطفال والمراهقين يوجدون في قلب هذه المعادلة. الطفل الذي يقضي ساعات أمام محتوى يقوم على الاستعراض والصراخ والإساءة والبحث عن المشاهدات، قد يجد نفسه أمام نموذج للنجاح لا علاقة له بالعلم أو الاجتهاد أو الإبداع. ومع الوقت، يمكن أن تتغير لديه معايير الشهرة والنجاح والقيمة.

وهنا لا يمكن تحميل الأسرة وحدها المسؤولية. المدرسة معنية، والإعلام معني، والمنصات الرقمية معنية، والمجتمع بأكمله معني. فمواجهة التفاهة ليست بإغلاق الإنترنت، ولا بمحاربة كل صانع محتوى، وإنما بإعادة الاعتبار للمحتوى الذي يضيف شيئاً إلى الإنسان.

نحن في حاجة إلى مرحلة جديدة عنوانها محاربة التفاهة بالوعي، لا بالمنع فقط. نحتاج إلى إعلام يقدم المعرفة بدل الإثارة، وإلى مؤثرين يدركون أن ملايين الأطفال يتابعونهم، وإلى أسر تراقب ما يستهلكه أبناؤها رقمياً، وإلى مدرسة تعطي للتفكير النقدي مكانته.

لقد أصبحنا أمام اقتصاد جديد يقوم في جزء منه على بيع الانتباه. وكلما كان المحتوى أكثر إثارة للجدل، ارتفعت فرص انتشاره. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع شخص بعينه، وإنما مع منطق يجعل التفاهة أكثر ربحاً من المعرفة.

ولا يعني هذا أن كل ما هو ترفيهي تافه، أو أن مواقع التواصل الاجتماعي شر في حد ذاتها. بالعكس، يمكن لهذه المنصات أن تكون أدوات للتعلم والتثقيف والتعبير والإبداع. المشكلة تبدأ عندما يصبح المحتوى الفارغ هو القاعدة، والمحتوى المفيد هو الاستثناء.

لقد حان الوقت لكي نسأل أنفسنا بجدية: ماذا نريد لأطفال المغرب أن يشاهدوا؟ ومن نريد أن يكونوا قدوتهم؟ وما نوع المجتمع الذي نبنيه عندما نمنح الشهرة والاهتمام والانتشار لكل من يرفع مستوى الضجيج؟

محاربة التفاهة ليست حرباً على الأشخاص، بل دفاع عن الذوق العام وعن حق الأجيال الجديدة في بيئة رقمية أكثر توازناً.

فالمغرب الذي يريد بناء اقتصاد قوي ومدرسة أفضل ومجتمع أكثر وعياً، لا يمكن أن يترك أبناءه فريسة لخوارزميات لا تسأل عن مستقبلهم، وإنما تسأل فقط: كم عدد المشاهدات؟

والرسالة الأهم ربما هي أن التفاهة لا تُهزم بالقانون وحده، وإنما عندما يتوقف المجتمع عن مكافأتها.