الخيالية الأدبية أو الأدب الخيالي
الأدب الخيالي هو نوع من الاستعمال الفني للغة والمعرفة والأنشطة المتعلقة بها، يعتمد على الإبداع وخلق أحداث تتجاوز الواقع، وينقسم إلى خيال علمي أو اجتماعي أو فلسفي أو فانتازيا أو رعب. فهو أسلوب أدبي يطرح إشكالات وتساؤلات عميقة ذات أبعاد فلسفية، أخلاقية، اجتماعية، اقتصادية، ثقافية أو سياسية⸱ وتكون الغاية منه أساسا تحفيز الإبداع وترجمة الواقع وتجاوزه برموز وإيحاءات على شكل حوارات تدور بين الحيوانات أو الطيور أو بين الأشخاص⸱ ويستعمل هذا النوع من الأدب في النظرية الروائية مثل ما هو الشأن في ملحمة جلجامش التي يعود أصلها إلى أكثر من 4100 سنة، أو روايات الكاتب اليوناني إيزوب التي تمتد جذورها إلى أكثر من 2500 سنة، أو المدينة الفاضلة لأفلاطون التي يرجع عهدها إلى ما يناهز 2400 سنة⸱
ونستحضر كليلة ودمنة لإبن المقفع (724-759))، أو ألف ليلة وليلة التي اكتملت صيغتها في القرنين الثامن والتاسع من العصر العباسي، أو المدينة الفاضلة للفارابي (874-950 م)، أو رسالة الغفران (1033) لأبي العلاء المعري (973-1057) وهي رحلة تخيلية فلسفية وأدبية إلى الآخرة، كوميدية إلهية، ردا على الأديب ابن القارح الحلبي، وقد جاءت هذه الملحمة قبل الكوميديا الإلهية (1308-1320) للشاعر الإيطالي دانتي (1265-1321) بأكثر من 280 سنة، أو حي ابن يقضان (1182) لابن طفيل (1105-1185) وهي قصة خيالية رمزية وفلسفية، أو حوار الحيوانات والطيور للكاتب الفرنسي للا فونتين (1621-1695)، أو أولاد حارتها، نشرت لأول مرة سنة 1959، لنجيب محفوظ (1911-2006)، جائزة نوبل في الأدب، أو مئة عام من العزلة سنة 1967 للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014)، جائزة نوبل في الأدب، أو ثلاثية غرناطة التي صدرت بين عامي 1994 و1997 للكاتبة المصرية رضوى عاشور (1946-2014)، وهي رواية تاريخية خيالية تناولت مأساة حياة عائلة مسلمة في الأندلس بعد سقوط غرناطة سنة 1492م⸱
والخيالية في الأدب قد تكون كذلك ممتزجة بنزعة رومانسية قوية كما جاء مثلا على لسان الكثير من الشعراء في العصور السالفة، وخاصة العصر العباسي (750-1258)⸱ حيث لاحظنا في هذا العصر وجود "إرهاصات وبذور" كثيرة ومتينة لكل هذه المذاهب والمدارس الحديثة التي تحددت معالمها رسميا في الغرب⸱ يقول الشاعر العباسي البحتري (821-897) :
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا --- من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النوروز في علس الدجى--- أوائل ورد كن بالأمس نوما
ومزج الشاعر العباسي ابن الرومي (836-896) في قصيدة النرجس، بكل دقة وتفصيل والوقع الحسن، بين جمال الطبيعة وأحاسيسها ومشاعرها⸱ وتميزت قصائد أبو بكر الصنوبري (897-945) الشاعر العباسي صاحب الأسلوب "السهل الممتنع" بالرقة والصفاء والتجسيد والأنسنة حيث كان يرى للطبيعة وللحدائق والأزهار حس وانفعال، وحزن وفرح⸱ وصار ابن خفاجة الأندلسي (1058-1138) على نهج الشاعر العباسي أبو الوليد البحتري في أنسنة الطبيعة، وجعلها حية تنطق، تدرك وتتأثر، تبكي، تبتسم أو تضحك⸱
الواقعية الأدبية أو الأدب الواقعي
الأدب الواقعي أو الواقعية في الأدب هي مذهب أدبي يركز على سلوك وتصرف الشخصيات العادية داخل المجتمع وردود أفعالها، كما يحاول في أسلوب أدبي صادق ودقيق تصوير وتحليل ونقد تفاصيل ومشاكل ومشاق الحياة اليومية وعيوبها كالفقر والبطالة والتهميش والفساد المالي والإداري وكيفية تأثير الصراعات المعيشية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والبيئية في اتخاذ القرارات والأفعال⸱ وقد ساهم كتاب وفلاسفة وروائيون كثيرون في خلق ونمو وازدهار هذا التيار الأدبي الواقعي في العالم بصفة عامة وفي الأدب العربي على وجه الخصوص⸱ فكتاب البخلاء للجاحظ (776-868) مثلا يعتبر نموذجا سابقا لهذه النزعة الأدبية الواقعية وذلك من خلال رصد مشاهد اجتماعية حقيقية، عادات وتقاليد، نابعة من الطبقات الشعبية معلقا عليها ودحضها في أسلوب سخري لاذع⸱ والمقامات عند بديع الزمان الهمذاني (969-1007) والحريري (1054-1122) استمدت مواضيعها من طبائع البشر واختلاف سلوكاتهم اليومية⸱ ونقل لنا أدب النوادر والأخبار طرائف مستمدة من الواقع المعيشي⸱ يقول الشاعر طرفة بن العبد (539-564): "نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر" أي أن الداعية فينا لمأدبة الطعام في أيام الشتاء والبرد يدعو الجميع بدون انتقاء أو اقتصاره على الأغنياء⸱
ومنذ القرن التاسع عشر والعشرين ازدهر هذا النوع من الأدب وأصبحت المدرسة الواقعية باعتبارها تعالج مشاكل المجتمع باختلالاته وصراعاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطبقية حافلة بأدباء وشعراء وروائيين بارزين من أمثال بلزك (1799-1850) في الكوميديا الإنسانية، وزولا (1840-1902) في "جيرمينال" أي فصل الربيع والأمل في مستقبل أفضل للعمال وعمال المناجم، والتحف الأدبية لدوستويفسكي (1821-1881) في الإخوة كارامازوف و الجريمة والعقاب، وكذلك التحف الأدبية لتولستوي (1828-1910) في رواياته آنا كارنين والحرب والسلم،⸱⸱⸱وظهر أيضا منذ القرن العشرين هذا التيار الواقعي في الأدب العربي وصار يعالج قضايا مجتمعية من منظور المظالم والفساد والتفاوتات الطبقية ومدى تأثير الوسط الاجتماعي والبيئة والزمان والمكان على كل هذه الصراعات⸱ وظهر هذا الفن الأدبي واشتهر وازدهر بأقلام عربية من مصر ولبنان وسوريا والعراق مثل طه حسين، نجيب محفوظ، محمد ومحمود تيمور، عبد الرحمن الشرقاوي، عمر الفاخوري، رئيف خوري، حسين مروة، حنا مينا، مواهب ألكيالي، غائب طعمة وصلاح خالص⸱⸱⸱
ويمكننا استحضار في هذا الشأن كتابات طه حسين (1889-1973) في مجلة "الكاتب المصري" من 1945 إلى 1948، حول مفهوم الالتزام عند سارتر ودلالات الاشتراكية، والقضايا المعاصرة والنقد الأدبي والجسر بين الشرق والغرب، وثلاثية نجيب محفوظ (1911-2006)، والقاهرة الجديدة وخان الخليلي (سنة 1945)، ورواية "الأرض" عام 1954 لعبد الرحمن الشرقاوي (1921-1987)، ورواية موسم الهجرة إلى الشمال بقلم الكاتب السوداني الطيب صالح (1929-2009) تجسيدا للنزاعات الثقافية بين الشرق والغرب التي تم نشرها سنة 1966، و"أرخص ليالي" عام 1954، و"بيت من لحم" عام 1971، ليوسف إدريس (1927-1991)، رائد القصة القصيرة وناقل الواقعية الحية من خلال تشريح المجتمع المصري، و"الجبل" سنة 1958، لفتحي غانم (1924-1999)، وهي رحلة قاسية ومتعبة، لكن الاستمرارية في بدل الجهود والتحديات تقوي العزيمة وتبني الشخصية، ومقالات محمود أمين العالم (1922-2009)، مثل "من أجل أدب واقعي" و"حجر الزاوية" و"ثلاثية الرفض والهزيمة" و"المنهج الموضوعي" التي استمر نشرها أكثر من خمسة عقود، وتناولت عدة مفاهيم ووقائع غيرت وجه النقد الأدبي والفكري وجعلت الأدب رسالة مسؤولة⸱⸱⸱محمد بكري، الواقعية في الأدب العربي المعاصر، النسخة الإلكترونية من صحيفة الرياض اليومية، السعودية، بتاريخ 29 أكتوبر 2014، يناقش المقال علاقة الواقعية الماركسية بأدب العربي، زكريا نمر، المدرسة الواقعية في الأدب والنقد الأدبي، ومضات أمل، 29-10-2025⸱
الواقعية-الخيالية أو الأدب الواقعي-الخيالي
الواقعية-الخيالية في الأدب هي نوع من مجموعة الأنشطة والأعمال الكتابية أو الشفوية المتميزة بقيمة فنية وجمالية وتعبر عن أفكار ومشاعر ووقائع وقصص وروايات ومغامرات من خلال سلطة أو قوة اللغة⸱ وهي تمزج بكل دقة وأمانة بين العالم الواقعي وعناصر خيالية وذلك بطريقة طبيعية كما لو تعلق الأمر بوحدة اجتماعية كاملة من الحياة اليومية⸱ وقد كتب العديد من الشعراء والكتاب والأدباء في هذا الصنف من الأدب سواء في العصر القديم أو العصر الحديث أو في العصر الحالي الراهن، أمثال ملاحم الملك جلجامش وأفيد وألف ليلة وليلة ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري (973-1057، حيث ظهرت الأولى منذ أكثر من 4600 سنة والثانية أكثر من 2000 سنة والثالثة في مراجع عربية منذ القرن العاشر ميلادي والرابعة عام 1053، وهن مزج من واقع الإنسان الديني والروحي والاجتماعي وتخيلات من الآلهة والأساطير، والمشاحنات أو الصراعات التي تنشأ بينهما⸱
إن الصراع بين الواقع والخيال في الأعمال الأدبية والفلسفية والثقافية والفنية وتداخل الحدود بين هاتين الحقيقتين يعكس بطريقة أو بأخرى اهتمامات مجتمعية ووعي الواقع المعاش والتوقعات المثالية لمحاولة فهم الحقيقة أو رفض الواقع أو الهروب منه أو التركيز على المشاكل والأولويات الاجتماعية⸱
وفي هذا الإطار نجد في العصر الحديث والحالي (القرنان 19 و20) كتاب وأدباء كثيرون أورو-أسيويون وأوروبيون وأميركيون لاتينيون وعرب أو أسيويون أنتجوا الكثير وأبدعوا في هذا التيار الأدبي من أمثال نيكولاي غوغول (1852-1809)، ميخائيل بولغلكوف (1891-1940)، خورخي لويس بورخيس (1899-1986)، فرانز كافكا (1924-1983)، إيتالو كالفينو (1923-1985)، إدوار الخراط (1926-2015)، غازي القصيبي (1940-2010)، إيزابيل ألياندي ليونا (1942)، إبراهيم الكوني (1948)، هاروكي موراكامي (1949) سليم بركات (1951)، إبراهيم نصر الله (1954)، أمير تاج السر (1960)، أحمد خالد توفيق (1962-2018)، أحمد سعداوي (1973)، طارق إمام (1977)⸱ كل هؤلاء الكتاب والأدباء مزجوا وقائع الحياة اليومية بكل طبائعها ونماذجها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفلسفية والثقافية والإدارية والبيروقراطية والتاريخية مع أبعاد ولمسات ميتافيزيقية، روحية، غرائبية، سحرية، سريالية وخيالية، كما هو الشأن بالنسبة لقصة "الأنف" لغوغول سنة 1836، أو رواية المسخ لكافكا سنة 1915، أو"الفارس غير الموجود" لكالفينو سنة 1959، أو"المعلم ومارغاريتا" لبولغاكوف بين عامي 1966 و1967، أو"بيت الأرواح" لألياندي ليونا عام 1982، أو سلسلة روايات "ما وراء الطبيعة" لخالد توفيق عام 1993، أو رواية "فرانكشتاين في بغداد" لأحمد سعداوي سنة 2013، فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية عام 2014، وهي تحيلنا إلى الرواية الأصلية " فرانكشتاين" التي صدرت عام 1818 لماري شيلي والتي تعتبر من أجمل الأدب الخيالي العلمي، أو رواية "حرب الكلب الثانية" لإبراهيم نصر الله سنة 2016، نالت الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2018⸱
وجاء كتابنا "من الظلمات إلى النور" وهو إنتاج بالفرنسية في طور النشر، في هذا الاتجاه المعرفي، بحيث يمكن تصنيفه نوع أدبي خيالي بالنسبة للأشخاص الرئيسية، أما الأحداث كلها واقعية سمعتها من شباب ورجال وشيوخ من خلال كثرة الأحياء الشعبية التي احتضنتنا أنا وأسرتي الصغيرة طوال السنين والأعوام⸱ وكان الإطار العام للكتاب مستوحى من واقع تلك الأحياء: دار الصابون، درب الفرفارة، درب المشماش، درب الفران، عين قادوس، درب المامون، درب بوطويل ⸱ أنصت جيدا وباهتمام لكل حدث أو واقعة واستوعبت فيما بعد كل هذه الوقائع ودمجتها بكاملها في رواية واحدة متكاملة خيطها الناظم مراهق في الرابعة عشرة من عمره⸱ وثقت هذه الرواية على أساس المزج في تكامل بين وقائع حقيقية ووقائع خيالية⸱ بدأت الوقائع الحقيقية بالبادية، مسقط الرأس، وحانت الهجرة القروية لما شاءت الأقدار، ثم هاجر الصبي مع عائلته وهو لم يتجاوز الرابعة من عمره، غادر نهائيا الضواحي ودخل إلى المدينة، فاس، عاش هناك، في أحياء شعبية، حياة جد متواضعة كما كان الحال في القرية، ورافق أصدقاء في هذه الأحياء التي تنقل بينها، وسمع من هؤلاء، من هذا وهذا وذاك، خلال هذه الفترة من حياته، حكايات وروايات ومصائب ومغامرات ومخاطر ونكبات، استوعب كل هذه الوقائع والأحداث والنوازل والمجريات ودمج فيما بعد لما كبر ونضج فكريا جميع عناصرها الواقعية في كيان واحد متماسك الأطراف، إلا أن شخصياتها كانت خيالية أكثر منه واقعية⸱ فتم بعد ذلك تحليل وتركيب وتصوير الشخصيات والمواقف بطريقة واقعية أشد ما يمكن، محاولا بأسلوب دقيق وبسيط الجمع والموافقة بين الواقعية والخيالية⸱ يقول خورخي لويس بورخيس: "إننا بحاجة إلى الخيال كي نواجه تلك الفضاعات التي تفرضها علينا الأشياء"⸱ الجيلالي شبيه، دكتور الدولة في القانون ومحامي بهيئة المحامين لدى محاكم الاستئناف بأكادير وكلميم والعيون⸱






