لم يكن متوقعاً أن ينتهي انتظار المحامين والمتقاضين لأكثر من شهر إلى قرار لا يفصل في دستورية قانون مهنة المحاماة، وإنما إلى التصريح بتعذر البت في الإحالة بسبب خلل مرتبط بوثائقها.
ومنذ صدور القرار، انهالت التعليقات من المحامين والمهتمين بالشأن القضائي، ولم تكن كلها اعتراضاً على النتيجة، بقدر ما كانت تعبيراً عن حيرة قانونية ومؤسساتية حقيقية.
والسؤال الذي يتكرر بإلحاح:
لماذا تعذر البت؟ وهل كان الخلل قابلاً للتدارك؟
إذا كان الإشكال يتعلق بعدم إرفاق النسخة النهائية للقانون المحال، فهل كان من المتعذر قانوناً أن تطلب المحكمة استكمال الوثيقة أو إيداع النسخة النهائية المطابقة للنص الذي صادق عليه البرلمان؟
لا أطرح هذا السؤال من موقع التشكيك في قرار المحكمة أو في استقلالها، وإنما من زاوية المقارنة مع اجتهادها السابق.
ففي قرارها المتعلق بقانون المسطرة المدنية، واجهت المحكمة وضعية تتعلق أيضاً بالنسخة النهائية للنص المحال، واستحضرت الصيغة التي صادق عليها مجلس المستشارين، ثم مارست رقابتها الدستورية على النص.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق النقاش:
إذا كان بالإمكان، في حالة المسطرة المدنية، الوصول إلى النسخة النهائية وممارسة الرقابة عليها، فلماذا تعذر ذلك في حالة قانون المحاماة؟
هل طبيعة العيب الإجرائي مختلفة؟
هل كانت هناك قيود قانونية تمنع المحكمة من طلب النسخة الأصلية؟
هل كان الأمر يتعلق بعيب يمس شروط انعقاد اختصاص المحكمة ذاتها، أم بمجرد نقص في الوثائق يمكن استكماله؟
هذه ليست أسئلة تشكيك.
إنها أسئلة اجتهاد دستوري.
ولماذا يهمنا الجواب؟
لأن المحكمة لم تكن تنظر في نص عادي.
كان الأمر يتعلق بقانون ينظم مهنة تشكل أحد الأعمدة الأساسية للعدالة، في الوقت الذي كانت فيه هذه المهنة تعيش أزمة مفتوحة انعكست مباشرة على المحاكم.
فالمحامون توقفوا عن العمل، والملفات تأجلت، والمتقاضون انتظروا، والسجناء وجدوا أنفسهم أمام ملفات قد يتعذر النظر فيها في غياب الدفاع، والأسر ظلت معلقة بمآلات قضاياها.
ثم انتهى الانتظار الطويل من دون أن يعرف المجتمع شيئاً عن مدى دستورية القانون أو عدم دستوريته.
وهنا يظهر سؤال آخر أكثر إلحاحاً:
من يتحمل كلفة هذا الانتظار؟
ليست المحكمة الدستورية طرفاً في النزاع المهني، وليس من وظيفتها أن تستجيب للضغط.
وهذا أمر يجب التأكيد عليه.
لكن المتقاضي أيضاً ليس طرفاً في هذا النزاع.
هو الشخص الذي لا يستطيع أن ينتظر إلى ما لا نهاية.
هناك سجين ينتظر البت في قضيته.
هناك متهم ينتظر محاكمته.
هناك ضحية تنتظر إنصافها.
هناك أسرة تنتظر حكماً بالنفقة أو الحضانة أو التطليق.
هناك صاحب حق مالي أو تجاري متوقف مصيره على حكم.
وهناك مغربي مقيم بالخارج قطع آلاف الكيلومترات، وجاء إلى وطنه خلال فترة محدودة لقضاء غرض قضائي قد يكون مستعجلاً، ليجد نفسه أمام جلسة مؤجلة أو إجراء معطل.
هؤلاء جميعاً لا علاقة لهم بالخلاف حول قانون المحاماة، لكنهم يدفعون ثمنه.
وماذا عن السجون؟
هذه النقطة لا ينبغي أن تغيب عن النقاش.
فأي تعطيل متكرر للمحاكمات، خصوصاً في القضايا الزجرية، لا يمكن فصله عن وضعية السجون وما تعرفه من تحديات مرتبطة بالاكتظاظ.
قد يكون تأجيل جلسة في ملف بالنسبة إلى المحكمة مجرد تاريخ جديد في جدول الجلسات.
لكن بالنسبة إلى معتقل ينتظر محاكمته، قد يعني ذلك أسابيع أو أشهراً إضافية من الانتظار.
وبالنسبة إلى أسرته، يعني استمرار حالة القلق وعدم اليقين.
وبالنسبة إلى الدولة، يعني استمرار أعباء مالية واجتماعية مرتبطة بالاعتقال والإيواء.
وهكذا يتحول الخلاف حول قانون مهني إلى آثار تمتد إلى السياسة الجنائية والسجون والأسرة والاقتصاد وثقة المواطن في العدالة.
لكن السؤال الأهم: هل حماية الدستور تعني حماية الشكل فقط؟
لا أحد يجادل في أن احترام قواعد الإحالة إلى المحكمة الدستورية مسألة جوهرية، وأن المحكمة لا تستطيع أن تمارس اختصاصاً خارج الحدود التي رسمها الدستور والقانون التنظيمي.
لكن الرقابة الدستورية لم توضع لحماية المسطرة لذاتها.
إنها وُجدت أساساً لحماية الدستور وما يتضمنه من حقوق وحريات ومبادئ وضمانات.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً:
إذا كان الخلل في وثيقة يمكن تداركه، وكان القانون يمس مرفق العدالة مباشرة، وكانت البلاد تعيش أزمة مهنية وقضائية حقيقية، فهل كان ممكناً اعتماد آلية إجرائية تسمح باستكمال الوثيقة دون المساس باستقلال المحكمة أو بحيادها؟
هذا هو السؤال الذي يستحق النقاش.
وليس من حق أحد أن يجيب عنه بمنطق الضغط على المحكمة، كما ليس من حق أحد أن يغلق باب النقاش بدعوى أن القرار صدر وانتهى الأمر.
فالاجتهاد الدستوري يتطور أيضاً من خلال الأسئلة التي تطرحها القرارات.
بين هيبة الدولة وهيبة العدالة
قد يقرأ البعض القرار باعتباره رسالة واضحة: الدولة لا تخضع للضغط المهني أو الاجتماعي.
وهذه قراءة لها ما يبررها من زاوية استقلال المؤسسات.
لكن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على عدم الخضوع للضغط.
قوة الدولة تقاس أيضاً بقدرتها على إنهاء الأزمات دون أن يدفع المواطن ثمنها.
والمحامون، بدورهم، لهم حق الدفاع عن استقلال مهنتهم ومصالحها.
لكن استقلال المحاماة يقترن أيضاً بمسؤولية الدفاع عن المتقاضي.
والقضاء له استقلاله.
لكن استقلال القضاء يقترن بضمان وصول المواطن إلى العدالة في أجل معقول.
وهنا تتقاطع المسؤوليات الثلاث:
الدولة… والمحاماة… والقضاء.
أما المتقاضي، فلا ينبغي أن يكون الحلقة الأضعف بينها.
والآن ماذا بعد؟
قرار المحكمة الدستورية لم يحسم مدى مطابقة قانون مهنة المحاماة للدستور.
وهذه حقيقة جوهرية.
فالقانون لم يحصل على شهادة بالدستورية، ولم يصدر في حقه حكم بعدم الدستورية؛ وإنما تعذر على المحكمة البت في الإحالة بالشكل الذي قدمت به.
وهذا يعني أن الأسئلة التي أثارتها الأزمة لم تختف.
بل ربما أصبحت أكثر إلحاحاً:
هل سيعاد تقديم الإحالة؟
هل سيستكمل المسار الإجرائي؟
ومتى سيعرف المحامون والمتقاضون والرأي العام موقف المحكمة من دستورية القانون؟
والأهم:
ماذا عن الملفات التي تراكمت خلال فترة التوقف؟
ومن سيعالج آثارها؟
وكيف سيتم التعامل مع المتقاضين الذين تعطلوا، والسجناء الذين تأجلت ملفاتهم، وأفراد الجالية الذين غادروا المغرب قبل قضاء مصالحهم، والآجال التي قد تكون انقضت أو أصبحت مهددة؟
هذه ليست أسئلة سياسية.
إنها أسئلة العدالة اليومية.
وفي النهاية، قد تنتصر المسطرة، وقد ينتصر القانون، وقد تنتصر الدولة في معركة المؤسسات.
لكن يبقى السؤال الذي لا يجوز أن يخسر:
مَنْ يَحْمِي المتقاضي عندما تتعطّل العدالة؟
لأن المتقاضي لا يريد أن يعرف فقط من كان على حق في النزاع بين الدولة والمحامين.
إنه يريد أن يعرف شيئاً أبسط وأعمق:
متى ستعود العدالة إلى العمل؟






