فن وإعلام

اغتيال "تَمَغْرَبِيتْ"...اقتصاد الإثارة حوّل الفن الشعبي إلى ابتذال وتجارة سريعة في جسد المرأة "الراقصة"؟

أحمد فردوس

تحفظ ذاكرة المغرب تراثا غنيا ومتنوعا في مجال التعبير الجسدي/الرقص الشعبي، الذي يرافق عادة فنون وترث الموسيقى والغناء التقليدي، مثل رقصة "الْفَرُّوجْ" ورقصة "النَّحْلَةْ" ورقصة "أَحَيْدُوسْ" و "أَحْوَاشْ" و "الْحَصَّادَةْ" ورقصة "الَخَيْلْ ولَمْكَاحَلْ" وغيرها من الرقصات الشعبية المعبرة التي يحلق فيها الجسد منتشيا في سماء الفرجة والفرح. لكن للأسف الشديد سيطر في الآونة الأخيرة رقص "فاضح" تقدم عروضه "المغرية" راقصات في مقتبل العمر، تم استقطابهن وانتقائهن بعناية فائقة رفقة مجموعات شعبية "أمازيغية" على منصات السهرات والمهرجانات.


في هذا السياق، تفتح جريدة "أنفاس بريس" جرحا غائرا في عمق التحولات السيكولوجية والاجتماعية التي تمس جوهر فننا الغنائي والموسيقي "الأمازيغي" خاصة والشعبي عموما، وتضع يدها على تباين صارخ بين فن قضايا المجتمع والجمالية الإنسانية وبين اقتصاد الإثارة والتسليع الفني.


هنا والآن، ينتصب سؤال حارق: هل نعتبر هذا الذي يقع أمام أعين الجهات المسؤولة والوصية مجرد تغير في "الأذواق"؟ إنه للأسف الشديد تحول "هيكلي" في وظيفة الفن الشعبي المغربي. على اعتبار أن الثقافة الشعبية المغربية بروافدها الأمازيغية، والعربية، والحسانية، والأندلسية، هي جدار الدفاع الأول عن الهوية الوطنية، والاستهانة بها لصالح رداءة عابرة هو تفريط صريح في الذاكرة الجمعية.


لقد كان نداء جبال الاطلس، وهو ينثر ورود عشق فن "تَامَوّايْتْ" مع أقوى الأصوات النسائية يحيي الروح والبدن ويجدد الطاقة. وكانت نغمات آلة "وْتَارْ" الفقيد الفنان أسد الأطلس محمد رويشة تكتب بالموسيقى مقامات الفرح، تنعش الجسد رفقة الفنانة المتألقة شْرِيفَةْ وزميلاتها الأمازيغيات الرائعات. وكانت الفنانة المقتدرة حَادَّةْ أُوعَكِّي إلى جانب الشيخ المقتدر بَنَّاصَرْ وخُويَا، وغيرهم من الفنانات والفنانين يمثلون صوت "تَمَغْرَبِيتْ".


كان الجسد والإيقاع والآلة الموسيقية يجسدون فعلا، تعبيرا أصيلا عن بيئة اجتماعية وفنية كاملة، صوتها مشبع برائحة تربة الأرض الطيبة، وحفيف الأشجار الوارفة الظلال، وقسوة الثلج في قمم الأطلس، وآلام العزلة والفقر ومغالبة الحياة. كانت الكلمة تنبض شعرا، والموّال بلسما، لأنها وليدة معاناة صادقة. 


اليوم، تم استبدال هذا العمق بإيقاعات سريعة، وثرثرة لفظية صاخبة وساقطة "حُكْ جُرْ" و "هَزْ يَوَزْ" و "زِيدْ دَرْدَكْ عَاوَدْ دَرْدَكْ"، تصمم لغرض واحد: الإثارة اللحظية وترويج "السخافة" و "التفاهة" والسباق نحو "البوز" على شبكات التواصل الاجتماعي ومواسم المهرجانات السطحية التي لا تترك الأثر الطيب.


المصيبة أن التحول الأكثر إيلاما هو تسليع جسد المرأة "الراقصة" التي لقبوها عنوة بـ "الشِّيخَةْ". علما أن التاريخ الشعبي المغربي عرف "الشِّيخَةْ" كحافظة للتراث، وصوتٍ يجهر بالحق والمقاومة، ويفضح النفاق الاجتماعي، كما في تراث العيطة وعند الفرق الغنائية الأمازيغية القديمة. أما اليوم، فقد تم اختزال حضورها تحت ضغط العوز الاجتماعي إلى مجرد موضوع بصري، وحركات إيحائية تخاطب غرائز "لَغْرَامَةْ" و"الفحولة" الاستعراضية، حيث تحول الركح من فضاء لتذوق الفن إلى حلبة لاستعراض المال وتأكيد السيطرة الذكورية.


المشكلة ليست في "الرقص" كجزء من التراث المغربي، لأن الرقص الأمازيغي مثلا في فن "أَحَيْدُوسْ" و "أَحْوَاشْ" هو رقص جماعي، يفيض بالوقار والتناغم الروحي بين الرجل والمرأة، بل أن المشكلة في الاستغلال التجاري الذي يجرِّد الموسيقى الأمازيغية من روحها، على اعتبار أن الفنان بالأمس كان يحمل مشعل الهوية، وكانت الآلة والموّال وفن القول وسيلة للتعبير عن الوجود والكرامة. أما اليوم أصبح الفن يخضع لقوانين السوق العابر، حيث تقاس جودة العرض بمقدار التفاعل السريع والفرجة السطحية، على حساب المتن واللحن الشجي.


 الانتكاسة التي تعرضت لها شخصية "الشِّيخَةْ" في المتخيل والواقع الفني المغربي، تكشف بوضوح الفرق بين "الشِّيخَةْ" المؤنسة والحافظة للتراث وبين "الاستغلال التجاري للجسد" الذي فرضه منطق السوق الهابط وضغوط الهشاشة والعوز الاجتماعي.


لقد كانت "الشِّيخَةْ" في تاريخ فن العيطة والأداء الشعبي مؤسسة قائمة بذاتها، تُجسد سلطة فن "قول كلمة الحق"، حيث كانت متون الغناء تنقل فضائح القياد وظلم الاستعمار، وتخليد ملاحم المعارك الوطنية، ونقل آلام المستضعفين وسخط القبيلة. 

نعم، كانت "الشِّيخَةْ" تمثل الوقار والكبرياء والهيبة. وكان رقصها يشخص ويستحضر جماليات الفرس وعنفوانها. رقصة سنابك "الْخَيْلْ والْبَارُودْ"، حركات الرأس والكتفين التي ترمز للقوة والتحدي، والثبات والنبل دون أي سقوط في ابتذال الجسد أو الاستعراض الغريزي. بل كانت "الشِّيخَةْ" حارسة للذاكرة الجمعية بلباسها التقليدي وأناقتها الفخمة، وتحفظ آلاف الأبيات والمتون السردية التي تشكل التاريخ الشفهي للمغرب العميق.


ما يحدث اليوم، سواء في فنون الغناء الشعبي أو في المشهد الغنائي الأمازيغي الحديث، هو عملية تجريف قسري للفن الشعبي، حيث تم إفراغ العرض الفني من "متون الغناء" واللحن الشجي، وتحويله إلى خلفية ضوضائية لحركات جسدية إيحائية استهلاكية تسعى لتفجير "المكبوت" الجنسي، وجني المال، واستقطاب المشاهدات العابرة. إنها أبشع صور المتاجر بالوجع، حين يتم تحويل الجسد الأنثوي للمرأة /الراقصة إلى موضوع للبصر والاستغلال التجاري، في ظل غياب الحماية الاجتماعية والتأطير الفني.


نتساءل مع الرأي العام من له المصلحة في التساهل مع الابتذال وتغليب منطق الفرجة السطحية؟ ومن يفسح المجال لاستسهال التعاقد مع "مجموعات شعبية" تعتمد الإثارة السريعة لشغل المهرجانات والمواسم؟ بدلا من دعم الشيخات والشيوخ والرواد الأصليين الذين يحملون الموروث الحقيقي. مما جعل الفن التراثي يخضع لمنطق التسطيح الذي يقاس بمدى صخب الجمهور لا بعمق الرسالة الهوية والإنسانية.


إن إنقاذ الموروث الشعبي من الإبتذال، يقتضي الانتقال من منطق الحسرة إلى خطوات عملية تُعيد الاعتبار للهوية الوطنية، من خلال إعادة النظر في دفاتر تحملات المهرجانات الوطنية، وضبط صرامة الاشتراط للمعيارية التراثية في العروض المدعومة عموميا، ومنع توظيف العروض الهابطة التي تسفه الجسد/المرأة وتسيء للتراث. لأن صيانة التراث ليست مجرد حماية لأنغام قديمة، بل هي دفاع عن كرامة الذاكرة الوطنية وضمان ألا يستبدل وقار التاريخ بابتذال اللحظة.


هل ما يقع من تسليع لجسد المرأة/الراقصة، هو انعكاس لأزمة تدبير القطاع الفني في المغرب، أم أن الأمر يتعلق بخلل قانوني تنظيمي يرتبط بمعايير استحقاق صفة "فنان"، وخلل إعلامي مؤسساتي يرتبط بمسؤولية القنوات العمومية في حماية الذوق العام؟ 


كان يفترض في هيكل الإدارة التنظيمية لـ "بطاقة الفنان" أن يكون آلية لحماية المهنة، وضمان حقوق المبدعين، وصيانة القيمة الاعتبارية للفنان. لكن للأسف أصبحت البطاقة تمنح في كثير من الأحيان بناء على استيفاء أوراق إدارية شكلية أو الحضور اللحظي في المنصات الرقمية، بدلا من التقييم القائم على الأصالة الفنية، والبحث التراثي، والتراكم الإبداعي. 


إن هذا الوضع أتاح لمن يمارسون "الابتذال" الاحتماء بـ "صفة" قانونية فتحت لهم أبواب الدعم العمومي والمهرجانات التي تمول من المال العام. وأدى غياب الحكامة الفنية إلى بروز ظاهرة المتعهد الطفيلي "شناقة الفن"، الذي يتعامل مع الموروث الثقافي الشعبي بوصفه بضاعة سريعة التلف تقوم على الإثارة البصرية والضجيج، بدلا من جودة موضوع النص الغنائي الشعبي، الشيء الذي أدى إلى تغييب الرواد الحقيقيين والشيوخ الذين يرفضون تقديم تنازلات تمس بكرامة الفن والتراث، لصالح مجموعات شعبية تنفذ ما يطلبه "السوق السطحي".


الخطورة الكبرى تتجلى عندما ينتقل هذا الابتذال من منصات الأعراس والعلب الليلية، إلى شاشات القطب العمومي في أوقات الذروة، علما أن التلفزيون العمومي يُفترض فيه تقديم خدمة عمومية ترعى الذوق والذاكرة والتربية الجمالية، لا العمل على تسهيل عملية اقتحام العروض المبتذلة للبيوت دون إذن، والتخلي عن الحراسة الثقافية لصالح نسب المشاهدة السريعة. على اعتبار أن دخول هذه الأنماط إلى التلفزيون يعطي للأجيال الناشئة انطباعا زائفا بأن هذا الإنحطاط هو التعبير الرسمي عن "الفلكلور" والتراث المغربي الأصيل.


إن ما يتعرض له تراثنا الموسيقي والغنائي من تشويه وابتذال، يفرض على الجهات الوصية إعادة هيكلة لجنة بطاقة الفنان، والعمل على وضع دفتر تحملات صارم يعتمد على لجان تحكيم مستقلة تتكون من رواد التراث، والأكاديميين، والموسيقيين، لإعادة النظر في البطائق الممنوحة وضبط شروط التجديد. مع ضرورة تفعيل دور الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، لإلزام الشاشات العمومية بدفاتر تحملات تمنع تسليع الجسد والابتذال اللفظي، وفرض نسبة مئوية محددة صرامة لحضور التراث الأصيل والرواد الحقيقيين. مع التأكيد على أهمية تغيير فلسفة التعاقد في المهرجانات من خلال قطع الطريق على "سماسرة العروض" عبر التعامل المباشر مع الجمعيات التراثية الجادة والفرق النظيفة التي تحفظ الموروث وتصونه من التجارة الرخيصة.