كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الفنانات، سواء المغنيات أو الراقصات ، وعن الفنانين العازفين على الكمان أو ضباط الإيقاع، غير أن ما يهمنا هنا ليس حياتهم الشخصية ولا تفاصيلها، وإنما الجانب الفني الخالص: جودة الصوت، وإتقان العزف، والقدرة على توظيف الآلات الموسيقية، وما يجعل بعض الأصوات والأنغام عصية على التكرار.
ومن خلال تتبعنا لمسار الأغنية الأمازيغية، خصوصًا خلال زمن الأشرطة الصوتية «الكاسيت»، تبرز أسماء فنية كثيرة تركت بصمتها في الذاكرة، ومن بينها الفنانة المعتزلة إيطو بنعلي، المعروفة فنيًا باسم تمهاوشت، التي نعتقد أن صوتها من الأصوات التي يصعب أن تتكرر، لما تميزت به من خصوصية في الأداء وقوة في الحنجرة وحضور فني مميز. والبارعة في تلحين وأداء فن" تاماوايت."
غير أن حديثنا في هذا المقال ينصب أساسًا على العزف الموسيقي، وبشكل خاص على تجربة المرحوم موحى أولمودن، الذي نعتبره مدرسة فنية وموسيقية قائمة بذاتها في مجال العزف على الكمان.
فهذا الفنان، النازح من أسيف ن إسلاتن، والمزداد بقرية أوتربات، انتقل إلى أيتزر، وعُرف باسم موحى ن ييتزر، حيث ارتبط اسمه بجيل من الفنانين والعازفين الذين أسهموا في صناعة مرحلة مهمة من تاريخ الأغنية الأمازيغية خلال زمن الأشرطة مثل حدود علا المعروف حدو ن بومية وهو ابن السيد علي او الهاشمي من قرية تابوعربيت التابعة حاليا لجماعة أيت يحيى بقيادة أموگر ، لحسن أعشوش ابن أسيف ملول بدائرة إميلشيل ، حماد بومية .....، بالإضافة إلى مغنيات بارعات في الغناء مثل يامنة اوسليمان ، رقية موسطاش ..... . وقد توفي المرحوم موحى أولمودن سنة 2008، تاركًا وراءه إرثًا فنيًا وموسيقيًا يستحق الدراسة والتوثيق.
ولم يكن موحى أولمودن مجرد عازف بارع على الكمان، بل كان أيضًا ملحنًا متمكنًا وبارعًا. فقد لحن جميع أغانيه باحترافية عالية وبطريقة موسيقية دقيقة، وهو ما يجعل تجربته جديرة بالدراسة من طرف المختصين في الموسيقى والتلحين، للكشف عن الخصائص الفنية التي ميزت ألحانه، وعن المقامات والأنماط الموسيقية التي وظفها في أعماله.
كما أن موحى أولمودن لم يحتفظ بمعرفته الموسيقية لنفسه، بل كان بمثابة مدرسة تخرج منها عدد من العازفين على الكمان، حيث تتلمذ على يده جملة من العازفين الذين واصلوا مسيرة العزف، ومن أبرزهم موحى أمزيان، ابن الفنان حساين أومتشح، وهو ما يعكس الدور الذي اضطلع به المرحوم في نقل الخبرة الموسيقية من جيل إلى آخر.
وقد رافق موحى أولمودن عددًا من أشهر ضباط الإيقاع والفنانين، ومن بينهم عازف الإيقاع المعروف حساين موحاج، المشتهر باسم حساين بومية، وكذلك الفنان موحى أوحتي، المزداد بقرية أفراسكو والمستقر ببومية.
وما يلفت الانتباه في تجربة موحى أولمودن أن عزفه لم يكن حبيس لون موسيقي واحد، بل استطاع أن يجمع ويوظف عددًا من الأصناف والألوان الموسيقية، من الموسيقى الشرقية والغربية إلى العيطة وغيرها، وهو ما يكشف عن تمكن موسيقي وقدرة كبيرة على استيعاب أنماط مختلفة وإعادة صياغتها ضمن أسلوبه الخاص.
ولهذا، فإننا لا نريد أن نتطفل على مجال ليس من اختصاصنا، وإنما نترك للمختصين في الموسيقى مهمة إخضاع طريقة عزف المرحوم موحى أولمودن وأسلوبه في التلحين لدراسات أكاديمية وموسيقية دقيقة، للكشف عن طبيعة المقامات التي وظفها، وكيفية امتزاجها وتداخلها، والخصائص التي ميزت أسلوبه في العزف والتلحين.
لقد شكل موحى أولمودن، في مرحلة من مساره الفني، فرقة خاصة ومتميزة، جمعت بين حنجرة خدوج أيتزر، وأشعار حساين أومتشح، وإيقاع موحى أوحتي، وعزف وتلحين موحى أولمودن، وهي تركيبة فنية أنتجت رصيدًا مهمًا من الأغاني التي تستحق اليوم إعادة اكتشافها ودراستها.
وفي أواخر ثمانينيات القرن الماضي، رافق الفنان موحى المودن أحد أشهر ضباط الإيقاع في المنطقة، وهو سعيد بومية، المعروف باسم سعيد أبوي، ابن قرية أنفرگال التابعة لجماعة أيت يحيى حاليا. وقد شكّل هذا التعاون امتدادا للتجربة الموسيقية والفنية لموحى المودن، الذي كان حريصا على مرافقة العازفين والموسيقيين المتمكنين، وإغناء تجربته الفنية بمختلف الألوان والإيقاعات المحلية.
ومن أشهر الأشرطة التي جمعت موحى المودن بسعيد أبوي ذلك الشريط الذي أُنجز بمناسبة موسم التفاح في دورته الأولى، على الأرجح، وهو شريط متميز جمع بين الأغنية الأمازيغية والأغنية الشعبية بالدارجة، بما يعكس انفتاح التجربة الفنية لموحى المودن على أكثر من لون موسيقي.
ومن أشهر الأغاني الأمازيغية التي ارتبطت بهذا الشريط أغنية:
«موسم التفاح، أفراح أيت إيان، عاود أيافلاح، إلغرس أد گادين»
كما تضمن الشريط أغنية شعبية بالدارجة اشتهرت بدورها، جاء في مطلعها:
«أبلادي بلاد التفاح
واغرسها رجل فلاح
ياربي سبحانه
كمل عليها بالنجاح»
وتكشف هذه الأعمال عن جانب مهم من تجربة موحى المودن، ليس فقط باعتباره عازفا وملحنا، وإنما أيضا باعتباره فنانا استطاع أن يجعل من الموسيقى وسيلة لتوثيق المناسبات المحلية والاحتفاء بالمنتوجات والمواسم الفلاحية، وربط الفن بالحياة اليومية للمجتمع المحلي. كما أن اشتغاله إلى جانب موسيقيين من أمثال سعيد أبوي يؤكد المكانة التي احتلها في المشهد الفني المحلي خلال تلك المرحلة.
ولم يقتصر هذا الإرث الفني على الذاكرة الشفوية، وإنما خلف موحى أولمودن رصيدًا محفوظًا في خزانة الإذاعة الوطنية، وفي أرشيف بعض استوديوهات التسجيل، فضلًا عن الأشرطة الخاصة التي احتفظ بها محبو هذا الفنان، والتي تمثل اليوم مادة أرشيفية مهمة للباحثين في تاريخ الموسيقى والأغنية الأمازيغية.
إن قيمة هذا الرصيد لا تكمن فقط في كونه تسجيلات صوتية من مرحلة مضت، وإنما في كونه وثيقة فنية وثقافية واجتماعية يمكن من خلالها إعادة قراءة جانب من تاريخ المجتمع وذاكرته الموسيقية.
وفي دراسات قادمة، سنحاول تناول عدد من أغاني الفنان موحى أولمودن بالدراسة والتحليل، ليس من الزاوية الموسيقية التقنية وحدها، وإنما من خلال البحث في الأبعاد الأدبية والشعرية والاجتماعية والأنثروبولوجية الكامنة وراء الألحان والكلمات والأبيات الشعرية التي أنتجها الفنان رفقة فرقته الأصلية.
فالأغنية ليست مجرد صوت وإيقاع ولحن، وإنما هي وثيقة ثقافية واجتماعية تحمل صورًا من الحياة اليومية، وتمثلات المجتمع، والذاكرة الجماعية، والقيم والعلاقات الاجتماعية، وأنماط التعبير، وهي جميعًا عناصر يمكن قراءتها وتحليلها من خلال الكلمات والألحان والإيقاعات.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة قراءة تجربة موحى أولمودن لا ينبغي أن تكون مجرد استعادة لذكريات زمن الأشرطة، بل يمكن أن تتحول إلى مشروع بحث في تاريخ الموسيقى الأمازيغية وتحولاتها، وفي الذاكرة الفنية والاجتماعية التي حملتها تلك الأشرطة إلى الأجيال اللاحقة.






