بغض النظر، في هذه المرحلة، عن تقييم المسطرة التي سلكتها الجهة التي أحالت القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إلى المحكمة الدستورية، وعن الخطأ المادي المتمثل في عدم إرفاق الإحالة بنسخة مطابقة لأصل النص القانوني الموافق عليه، وكذلك عن النقاش الذي يمكن أن يثار بشأن الزمن الذي استغرقته المحكمة قبل الوقوف عند هذا العيب، فإن الأهم دستوريا هو تحديد الأثر القانوني الدقيق للقرار الصادر عنها.
فالقرار لم يصرح بعدم دستورية القانون، كما لم يبت في دستوريته؛ وإنما انتهى حصرا إلى «تعذر البت في الإحالة… على حالها» بسبب عدم تمكين المحكمة من الوثيقة التي تشكل، في الأصل، محل الرقابة الدستورية ذاتها.
ونحن هنا أمام قانون "عادي" تخضع إحالته إلى المحكمة، قبل إصدار الأمر بتنفيذه، للرقابة الاختيارية المنصوص عليها في الفصل 132 من الدستور، وليس أمام قانون تنظيمي تستوجب دستوريته رقابة قبلية وجوبية.
وبناء عليه، فإن صدور قرار المحكمة على هذا النحو ينهي، في تقديري، الإحالة المعروضة عليها دون أن يرتب مانعا موضوعيا من استكمال مسطرة إصدار القانون ونشره؛ إذ لا يمكن أن نرتب على قرار لم يصرح بعدم الدستورية الأثر نفسه المترتب على التصريح بعدم مطابقة مقتضى للدستور. ومن ثم، ومع مراعاة الآجال الدستورية التي يؤطرها الفصل 50، يمكن أن يستكمل القانون مساره نحو الإصدار والنشر، ولا أرى في القرار ذاته إلزاما دستوريا بإعادة الإحالة أو انتظار إعادة المسطرة.
غير أن المسألة تطرح، في المقابل، سؤالا آخر يتجاوز المشروعية الدستورية الشكلية إلى الأمن القانوني والدستوري. فهذا القانون عرف نقاشا مجتمعيا ومهنيا واسعا، وتباينا واضحا في المواقف والمقاربات بين الفاعلين المهنيين والوزارة المعنية، بل إن اللجوء إلى المحكمة الدستورية في الأصل يكشف عن وجود حاجة إلى تحصين النص دستوريا. ولذلك، لا أرى مانعا، بل قد يكون من المستحسن من منظور الأمن القانوني، أن يبادر رئيس الحكومة، أو أي جهة أخرى يخولها الفصل 132 هذا الحق، إلى إحالة جديدة ومستقلة ومستوفية لجميع شروطها على المحكمة الدستورية، إذا ارتأت وجود مصلحة دستورية جدية في الحصول على جواب في الموضوع، بدل بقاء الجدل حول دستورية القانون مفتوحا.
وهنا ينبغي التشديد على الفرق: الإحالة الجديدة ليست، في تقديري، تصحيحا واجبا للإحالة الأولى ولا تنفيذا لقرار المحكمة؛ وإنما هي ممارسة جديدة ومستقلة لاختصاص دستوري أصيل، شريطة أن تتم قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون وفي الحدود الزمنية التي يسمح بها الدستور.
وعليه، نحن أمام طريقين دستوريين: إما استكمال مسطرة الإصدار والنشر، باعتبار أن المحكمة لم تقض بعدم دستورية القانون؛ وإما، إذا أريد تعزيز الأمن القانوني وإغلاق باب الجدل الدستوري حول نص بهذه الحساسية، استعمال إحدى الجهات المخول لها دستورياً حق الإحالة لاختصاصها وإحالته من جديد، هذه المرة وفق مسطرة مكتملة، للحصول على جواب المحكمة في الجوهر.
وفي كلتا الحالتين، لا ينبغي أن يبقى القانون في منطقة دستورية رمادية غير محددة زمنيا؛ فإما الرقابة الدستورية وفق شروطها وآجالها، وإما استكمال مسطرة الإصدار والنشر وفق الفصل 50. الأمن القانوني لا يحمي فقط دستورية القاعدة، بل يقتضي أيضا وضوح مصيرها وعدم إبقائها معلقة خارج الآجال والمساطر التي رسمها الدستور.






