إن استعادة الثقة لدى الشباب ليست مجرد قضية مرتبطة بالتشغيل أو بالترفيه أو بإتاحة بعض الفضاءات الاجتماعية والثقافية، بل هي قبل كل شيء قضية تربية وتكوين وقيم ومواطنة. فالشباب الذي يشعر بالفراغ في المعنى، وبغياب الأفق، وبضعف الثقة في المستقبل، قد يصبح أكثر عرضة للاندفاع نحو المجهول، بحثاً عن إجابات بديلة أو عن انتماء يملأ الفراغ الذي تركته مؤسسات التنشئة والتربية.
من هنا تبرز الحاجة إلى برنامج «الطريق الرابع للشباب»، باعتباره مساراً وطنياً لاستعادة شباب المواطنة، لا شباب العزلة أو اللامبالاة أو الاندفاع غير المحسوب وراء الحدود، طريقاً يجعل من الشباب شريكاً في بناء المستقبل، وفاعلاً في المجتمع، ومالكاً للوعي بحقوقه وواجباته ومسؤولياته.
إننا نحتاج اليوم إلى ثورة حقيقية في التربية والتكوين؛ ثورة لا تقتصر على إصلاح المناهج والبرامج، وإنما تمتد إلى طريقة تفكيرنا في تكوين الإنسان والمواطن. نحتاج إلى رجّات فكرية ومعرفية تعيد الاعتبار للقيم، وللعقل النقدي، وللحرية المسؤولة، وللعمل الجماعي، وللإحساس بالانتماء والمصلحة المشتركة.
وفي هذا السياق، تصبح الحاجة ملحة إلى بناء مدرسة للمواطنة، لا باعتبارها مؤسسة تعليمية إضافية، وإنما باعتبارها فلسفة تربوية ممتدة في المدرسة والجامعة ومراكز التكوين ودور الشباب والفضاءات الثقافية والإعلامية والرقمية. مدرسة تنتج مواطناً يعرف حقوقه، ويدرك مسؤولياته، ويحترم حقوق الآخرين، ويؤمن بأن الكرامة حق للجميع، وأن المسؤولية يجب أن تكون مرتبطة بالمحاسبة، وأن حقوق الإنسان ليست شعاراً، بل ثقافة وسلوك وممارسة يومية.
ولذلك، فإن «الطريق الرابع للشباب» ينبغي أن يتحول إلى برنامج وطني معمّم في مختلف ربوع الوطن، يهدف إلى التحسيس والتربية على القيم، وتنمية روح المبادرة، وترسيخ ثقافة تحمل المسؤولية، وتعزيز الثقة في المؤسسات والمجتمع، وفتح المجال أمام الشباب للتعبير والمشاركة والمساهمة في صناعة القرار.
إن الرهان الحقيقي ليس فقط أن نُبقي الشباب بعيداً عن الاندفاع نحو المجهول، وإنما أن نمنحه طريقاً واضحاً نحو المستقبل؛ طريقاً يقوم على المعرفة والكرامة والحرية والمسؤولية والمواطنة.
فالشباب لا يحتاج إلى من يطالبه بالصبر فقط، بل يحتاج إلى من يمنحه المعرفة والأدوات والثقة والفرصة. ولا يحتاج إلى خطب عن المواطنة، بل إلى فضاءات يتعلم فيها المواطنة ويمارسها. ولا يحتاج إلى الخوف من المستقبل، بل إلى مشروع يجعله شريكاً في صناعته.
ذلك هو الطريق الرابع: أن نستعيد شبابنا للمواطنة، وأن نستعيد المواطنة للشباب.






