رأي

محمد كرم: لا تمنحني سمكة ..

قبل أسابيع معدودة نشر موقع إخباري إلكتروني معروف مضمون حوار جمع بين أحد صحافيي الجريدة و كاتب الدولة المكلف بالشغل. اللقاء كان مناسبة لتجاذب أطراف الحديث حول موضوع الدعم الاجتماعي الذي يحظى اليوم باهتمام شريحة واسعة من المغاربة. و لعل أهم ما احتفظت به ذاكرتي من بين كل عناصر الحوار تصريح للمسؤول الحكومي إياه جاء فيه ما معناه أن الدعم المادي العمومي الموجه لفئات مجتمعية بعينها ليس غاية و أن نجاح المشروع يقاس بتراجع عدد المستفيدين (رجاء وضع سطر تحت كلمة "تراجع"). 

و في وقت لاحق، أدلى الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد و المالية المكلف بالميزانية بتصريح مماثل إلى حد ما جاء ضمن جواب كتابي موجه إلى نائبة برلمانية عن الفريق الحركي. في هذا التصريح شدد معالي الوزير هو الآخر على أن "الدعم المباشر ليس غاية نهائية، بل آلية انتقالية تهدف إلى توفير شروط الإدماج المستدام للأسر المستفيدة في الدورة الاقتصادية و تمكينها من المساهمة الفعلية في خلق القيمة".

مما لا شك فيه أن تصريحات من هذا القبيل و بهذا المستوى لا "ينتجها" المسؤولون الحكوميون عندنا بالأطنان، إذ من النادر جدا أن يخرج وزير من الدرجة الأولى أو الثانية بكلام على هذا القدر من الرزانة و الفصاحة و النضج و العمق. اللغة المعتمدة هنا ليست من خشب و ليس في الخطاب ـ و نحن على مشارف محطة انتخابية جديدة ـ ما يؤشر على الترويج لأطروحات حزبية و سياسية معينة. الأمر هنا يتعلق بمشروع سوسيواقتصادي من المفروض نظريا أن يجسد نبل الدولة و أن توفر له كل أسباب الاستدامة مهما كانت ألوان أحزاب الأغلبية الحاكمة و ذلك حتى يعلم المعوزون الحقيقيون من أفراد الشعب أنهم على باب الله لكن في وجود سند عمومي يضمن لهم حدا أدنى من مقومات الحياة و يحفظ لهم ماء الوجه و يعفيهم من استجداء المحسنين. 

لكن، ما هو السبيل الأمثل لتحقيق مقاصد هذا المشروع النبيل ؟هل كل المغاربة مؤهلون لفهم المقصود بعبارة "تراجع عدد المستفيدين" الواردة بالتصريح الأول ؟ و هل الرصيد المعرفي و اللغوي و الثقافي للأسر المعنية يتيح لأفرادها استيعاب المقصود بفكرة "المساهمة الفعلية في خلق القيمة" الواردة بالتصريح الثاني ؟ و هل للمستهدفين المحتملين كامل الاستعداد للانخراط في هذا الورش الاجتماعي بكل مسؤولية و دون وجود أدنى نية في الإضرار به و بالتالي إفراغه من محتواه ؟ هل من المعقول أن يواكب صرف الدعم ارتفاع ملحوظ في عدد المتسولين ؟ هل من الأخلاق في شيء أن تضع يدك على مال عمومي بطرق مشبوهة أو بوثائق مزورة ؟ هذه فقط أسئلة ضمن أخرى أصبحت تفرض نفسها في سياق تفعيل هذه المبادرة الإنسانية المبتكرة. 

إن استيعاب كنه المشروع و إطاره العام أمر ضروري حتى تسير جهود الدولة في الاتجاه الصحيح و حتى يكون للاستفادة ما يبررها. فالهدف من وجود الدعم ليس هو الاستجابة لحاجيات العمر كله (إلا في حالات محدودة)، بل الغاية هي الإسعاف في ظروف معينة و في وقت معين (صعوبات اقتصادية استثنائية أو ظرفية دولية خاصة أو كوارث طبيعية أتت على الأخضر و اليابس أو عطالة قسرية أو أوضاع اجتماعية مزرية). 

للأسف الشديد، الحياة علمتنا أن من يمسك ب "بزولة" مضمونة و دائمة من المستحيل تخليه عنها. حتى أعلى الدول وعيا و أقواها تعليما و أشدها انضباطا تعاني فيها برامج المساعدة الاجتماعية الأمرين بسبب الانحرافات المسجلة و ارتفاع نسبة التجاوزات و صعوبة إثبات الأهلية من عدمها و غياب الحس المدني و الوازع الأخلاقي عند الكثيرين. و عليه، فإن "الإدماج المستدام للأسر المستفيدة في الدورة الاقتصادية" سيظل مجرد غاية مثالية من الصعب تحقيقها على أرض الواقع، و تراجع أعداد المستفيدين المنتظر لن يحدث في الغالب داخل حدودنا ما دام أنه لم يحدث حتى في السويد و كندا. بهذه الطريقة ستظل دولتنا تسكب الماء على الرمال و ستضيف إلى أمراضنا الاجتماعية الحالية أمراضا مستحدثة مع خلقها من حيث لا تدري لطبقة اجتماعية جديدة ستعيش على فتات ضرره النفسي و المعنوي أكبر بكثير من نفعه الاقتصادي. الدعم فيه خدش لصورة الآباء و الأسر و يولد حتما الإحساس بالدونية بما أن التعويل عليه هو ضرب من ضروب التسول المقنع. لهذا السبب بالذات لا يجاهر الكثيرون بانخراطهم في برنامجه. و لهذا السبب أيضا ـ علاوة على قيمة الدعم الهزيلة ـ من المضحك حقا أن تعتبر الحكومة الحالية هذا الإنجاز بمثابة ثورة اجتماعية تستحق التطبيل. 

هذا ليس تعبيرا عن تشاؤم دفين و مزمن، بل هو قراءة متأنية لواقع الحال خاصة عندما نعلم أن شريحة جد واسعة من المستفيدين لا يكتفون بأموال الدعم ـ و هي على أية حال أموال زهيدة تعادل قيمتها بالكاد ثلث الحد الأدنى للأجور في أحسن الحالات ـ بل و يواصلون الاجتهاد بشكل ملتو و سري لغاية تحسين مداخيلهم بطريقة أو بأخرى... و عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة. 

هذه هي العقلية السائدة التي لا تعير أي اهتمام لا لتصريح هشام صابري الذي اعتبر فيه تراجع عدد المستفيدين شرطا من شروط نجاح التجربة و لا لمضمون رد فوزي لقجع على سؤال الفريق الحركي و الذي ركز فيه على ضرورة الانتقال من منطق المساعدة الاجتماعية إلى منطق التمكين الاقتصادي.

إن إطلاق الوعود بإرساء برنامج الدعم المباشر للأسر أو تطويره سلاح انتخابوي رهيب من الطبيعي أن يضمن به مستعملوه من الهيئات السياسية استمالة ملايين الناخبين، لكن من ينظر إلى المسألة من زاوية أخلاقية لا يمكن له إلا أن يصاب بالصدمة أمام هول هكذا وعود في بلد ينخره الفقر و الجهل و الفساد و الهشاشة. العمل هو حجة وجودنا في هذه الحياة، و هذه حقيقة يقر بها حتى المعتوهون. الصين و اليابان و روسيا و الولايات المتحدة الأمريكية و غيرها من الدول العظيمة حققت نهضتها بسواعد أبنائها و أدمغتهم و ليس بطوابير طالبي الإعانة... و لقد صدق من قال : "إذا أردت إفساد شعب فما عليك إلا أن تصرف له أجر عمل لم يقم به." 

نعم لدعم المعاقين و كبار السن و الأرامل و المرضى المعوزين، أما من ما يزال يتمتع بكامل قواه الجسدية و النفسية و العقلية فهو مطالب ببناء نفسه بنفسه و تطوير مهاراته و الاستفادة من فرص التكوين الأكاديمي أو المهني المتاحة و الجري وراء لقمة عيشه في حدود ما تسمح به الشرائع السماوية و قوانين البلاد، و العاقل من الناس هو من يقول لك : لا تمنحني سمكة، بل علمني الصيد أو ناولني قصبة صيد. 

حبذا إذن لو استثمرت معظم أموال الدعم في تحسين الخدمات الاجتماعية و في تعزيز صندوق المقاصة حتى تبقى المواد الاستهلاكية الأساسية في متناول الجميع و في مساعدة الجمعيات العاملة في مجال التكوين و الارتقاء بأوضاع الشرائح الهشة من المجتمع ... و تظل "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" البرنامج الأكثر نجاعة و الأكثر واقعية و الأكثر قابلية للتطوير. القروض الصغرى لا تخلو هي الأخرى من أهمية. صحيح أنها تطوق عنق المقترض بمسؤولية التسديد لكنها تقوي عضده و تفيده في نهاية المطاف إن هو أحسن تدبيرها. الجماعات الترابية لها هي أيضا القدرة على المساهمة في امتصاص الفقر و لو بالاكتفاء بتخصيص فضاء كبير و مفتوح و منظم و آمن ل "الفراشة" حتى يتسنى لهم أن يمارسوا تجارتهم دون مضايقة أو خوف أو مطاردة.     

مجمل القول، من الواجب ـ على غرار الكثير من المجتمعات العصرية ـ توفرنا نحن أيضا على نظام للدعم الاجتماعي شريطة ألا يخضع للتقلبات السياسية و الحسابات الانتخابوية، و أن تكون آلياته مدروسة و شفافة حتى لا تسقط الدولة لا في فخ الإقصاء و لا في فخ الترخيص بالاستفادة غير المستحق، و أن تكون شروطه شبه تعجيزية حتى لا تعطى للكسالى و عديمي الضمير فرصة التفنن في ابتكار الحيل للاستمرار في الرضاعة من ثدي الدولة إلى ما لا نهاية و بالتالي التلاعب بمقدرات البلاد، و حتى لا يصبح تتبع صعود المؤشر الاجتماعي و نزوله هو هم المستفيدين الأبرز ... و حتى يظل العمل هو مصدر الرزق الأساسي. كل من سولت له نفسه التلاعب بالمفاهيم الكبرى العابرة للزمن و الحضارات فإنما يسعى إلى خراب المجتمع، و عمارة الأرض لا تتحقق أبدا بالأجساد "الميتة" و الأدمغة المعطلة، و بالنوايا الحسنة فقط يكون التعاضد و التعايش. بطبيعة الحال، لن أكون سعيدا إذا كنت أعلم بأن ما يتقاضاه جاري الكسول أو الغشاش من دعم عمومي ما هو في نهاية التحليل سوى جزء من إفرازات عرقي و عرق باقي الخاضعين للضريبة.

نصيحة لوجه الله موجهة لمعظم فئات المجتمع : إذا كانت أفضل طريقة للإقلاع عن التدخين هي الامتناع منذ اليوم الأول عن تجريبه فإن أنجع وسيلة للإفلات من فخ الدعم الاجتماعي هي عدم الانخراط فيه أصلا. لن تقترب الطيور من يدك لأكل ما تحمله من حبوب. فهي تخشى فقدان حريتها حتى و إن كنت تنوي إطعامها لا غير.