فن وإعلام

عبد الله أوريك… المهاجر الأبدي من طفل زلزال أكادير إلى رحّالة جاب 104 بلدان

خالد العيوض (مدير مركز تاوسنا للدراسات والأبحاث)
وُلد عبد الله أوريك في مدينة أكادير، قبل الزلزال المدمر الذي ضرب المدينة ليلة 29 فبراير 1960. كان في نحو الرابعة عشرة من عمره عندما عاش واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ المدينة الحديث.

في تلك الليلة، كان أوريك قد اختار المبيت في المسجد القريب من بيت أسرته، هربًا من عقاب والده. كانت التربية في ذلك الزمن تقوم، في كثير من الأسر، على الشدة والانضباط الصارم. لكنه لم يكن يعلم أن اختياره للمبيت خارج البيت سيجعله شاهدًا على واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها المغرب.

وفجأة، شعر بالأرض تهتز من تحته. خرج إلى الشارع، وفي وسط الظلام أدرك أن الأمر ليس عاصفة ولا حادثًا عابرًا؛ لقد كان الزلزال.

اهتزت أكادير بعنف، وسرعان ما تحولت المدينة إلى فضاء للموت والبحث والانتظار. أربعة أيام كاملة بدت خلالها المدينة وكأنها تبحث عن أبنائها: من مات، كان يُسارع إلى دفنه، ومن بقي عالقًا تحت الأنقاض، كانت فرق الإنقاذ تفعل المستحيل للوصول إليه.

ومع وصول المساعدات الدولية وتدخل الجيش الملكي، بدأت عمليات الإنقاذ والإغاثة على نطاق واسع. وكانت حصيلة الكارثة هائلة؛ فقد تجاوز عدد الضحايا 15 ألف شخص وفق التقديرات المتداولة.

وسط هذه الفوضى، وجد عبد الله أوريك نفسه وحيدًا، طفلًا اقتلعته الكارثة من محيطه الأسري والاجتماعي. لم يكن يعرف ماذا سيحدث له بعد ذلك. وكغيره من أطفال الزلزال، دخل في مسار جديد لم يختره بنفسه.

في أعقاب الكارثة، جُمِع عدد من الأطفال الذين فقدوا أسرهم أو أصبحوا في وضعية هشّة، وبدأت عائلات أوروبية تبدي استعدادها لاحتضان أطفال من ضحايا زلزال أكادير. وكان من بين هؤلاء نحو أربعمائة طفل أُرسلوا إلى بلجيكا، بينما ظل مصير بعضهم مجهولًا بالنسبة إلى ذويهم.

كان عبد الله أوريك واحدًا من أولئك الأطفال.

احتضنته أسرة بلجيكية أحسنت رعايته، ووفرت له ظروفًا جيدة للتعلم والتكوين. وهناك بدأت قصة أخرى في حياته؛ قصة طفل الناجي الذي وجد في الفن طريقًا للخروج من جراح الماضي.

لاحظت الأسرة موهبته في الرسم، فشجعته على تطويرها. التحق بمعهد للفنون الجميلة، وتخرج سنة 1969 بعد حصوله على شهادة البكالوريا، ثم واصل دراسته في مجال الفن والأنثروبولوجيا.

لكن عودته إلى أكادير كانت تحمل له مفاجأة إنسانية لا تُنسى.

بعد سنوات من الاعتقاد بأن الزلزال قد أخذ منه كل شيء، اكتشف أن والدته ووالده مازالا على قيد الحياة.

كانت تلك اللحظة بمثابة استعادة لجزء من ذاكرته التي انقطعت ليلة الزلزال. 

غير أن عبد الله أوريك لم يعد ذلك الطفل الذي غادر أكادير. لقد عاد شابًا يحمل ثقافة أوروبية وتجربة إنسانية مختلفة، وفي الوقت نفسه يحمل في داخله ذاكرة المدينة التي هدمها الزلزال.

وفي أوروبا، وجد نفسه متأثرًا بموجة الشباب التي اجتاحت القارة خلال ستينيات القرن الماضي. أطلق لحيته، واعتمد الشعر الطويل غير المرتب، وارتدى ملابس الشباب التي كانت ترمز إلى جيل جديد متمرد على القواعد الاجتماعية التقليدية.

ثم بدأ فصل جديد من حياته: السفر.

لم يعد أوريك يبحث عن بلد للاستقرار، بل عن العالم نفسه.

زار الفاتيكان والتقى البابا، ثم توجه إلى العراق، حيث أثارته حضارة بلاد الرافدين وتاريخها. وهناك عاش إحدى أكثر مغامراته غرابة، إذ تقاطعت رحلته مع شخصية سياسية وأمنية بارزة في العراق آنذاك، صدام حسين، الذي كان يشغل موقعًا قياديًا في أجهزة الدولة والأمن.

ومن العراق، واصل رحلته نحو الشرق، وصولًا إلى نيبال وعاصمتها كاتماندو، التي كانت في ذلك الوقت إحدى الوجهات التي تستقطب شباب حركة الهيبيزم الباحثين عن عوالم جديدة وتجارب مختلفة.

ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أمضى سبع سنوات جاب خلالها مختلف الولايات.

لم يكن أوريك سائحًا تقليديًا؛ فقد كان السفر بالنسبة إليه طريقة للعيش. وكان يؤمّن قوته من موهبته الفنية، خصوصًا من خلال رسم البورتريهات في الساحات والأماكن العمومية.

كان يجلس أمام الناس، يرسم وجوههم، ويحوّل موهبته إلى وسيلة للعيش. وهكذا أصبح الفن بالنسبة إليه جواز سفر ومهنة ووسيلة للتواصل مع البشر في مختلف البلدان.

وعلى امتداد عقود، ظل عبد الله أوريك وفيًا لروحه الرحالة. لم تكن الحدود تعني له الكثير، ولم يكن الاستقرار هدفه الأساسي. كان ينتقل من بلد إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى، حاملاً معه ذاكرة أكادير، وذاكرة الطفل الذي نجا من الزلزال، وذاكرة الشاب الذي اكتشف العالم.

وفي السنوات الأخيرة، عاد ليستقر في حي تالبرجت الجديد، الذي أعيد بناؤه بعد الزلزال، وكأنه عاد بذلك إلى نقطة البداية؛ إلى المدينة التي فقد فيها طفولته، ثم استعاد فيها أمه، قبل أن ينطلق منها مرة أخرى إلى العالم.

وظل أوريك يتردد على إسبانيا وبلجيكا، وخاصة بلجيكا التي يكن لها حبًا خاصًا، لأنها كانت البلد الذي احتضنه طفلًا، ومنحه فرصة جديدة للحياة والتعليم والفن.

وهكذا تبدو حياة عبد الله أوريك وكأنها دائرة كبيرة بدأت من أكادير وانفتحت على العالم قبل أن تعود إلى أكادير من جديد.

لقد كان طفلًا من أطفال الزلزال، ثم أصبح فنانًا، ثم رحالة، ثم شاهدًا حيًا على تحولات جيل كامل.

وإذا كانت كتب التاريخ تحفظ أسماء المدن التي ضربتها الكوارث، فإن سيرة أوريك تحفظ وجهًا إنسانيًا آخر لتلك الكارثة: وجه طفل اقتلعته الأرض من مدينته، فأصبح العالم كله وطنه.

يُقال إن ابن بطوطة جاب عددًا كبيرًا من البلدان، وظل اسمه مرتبطًا إلى الأبد بفكرة الترحال المغربي. أما عبد الله أوريك، فقد زار، بحسب ما يروى عن رحلاته، 104 بلدان.

وبذلك لم يعد مجرد طفل من أطفال زلزال أكادير، ولا مجرد فنان مغربي عاش بين القارات؛ بل أصبح، في سيرته الاستثنائية، «المهاجر الأبدي»، الرجل الذي لم يتوقف عن البحث عن الإنسان في كل مكان، وعن وطنه في كل مكان.

إن قصة عبد الله أوريك ليست قصة هجرة فقط، بل قصة نجاة وذاكرة وفن وترحال؛ قصة طفل فقد المدينة، فاختار أن يكتشف العالم، ثم عاد في النهاية إلى المدينة التي بدأت منها حكايته.