وتروي الرواية انهيار الحضارة الغربية، ولا سيما فرنسا، تحت وطأة هجرة جماعية قادمة من دلتا نهر الغانج على متن سفن شحن.
وقد كُتبت الرواية في فترة لم تكن فيها قضية الهجرة تحتل المكانة التي تشغلها اليوم في النقاش العام، لكنها أصبحت لاحقا مرجعا لدى تيارات اليمين المتطرف في فرنسا. ولم تتردد مارين لوبان في وصفها بأنها روايتها المفضلة، بل وكتابها الذي لا يفارقها.
سبتة.. الجرعة الإفريقية لأوروبا
هل ستجعل سبتة من راسباي روائيا استشرافيا؟ أم نبيا؟
تاريخيا، تعود أول محاولة للهجرة الجماعية نحو أوروبا إلى السابع من غشت 1991، عندما استولى آلاف الأشخاص على سفينة الشحن الألبانية «فلورا» (Vlora) في ميناء دوريس (Durrës) حيث اقتحمتها حشود بشرية قُدِّرت بنحو 20 ألف ألباني، وأجبرت ربانها، تحت التهديد، على الإبحار نحو إيطاليا.
غير أن هذه الحادثة ظلت معزولة، بينما بدأت الظاهرة تكتسب طابعا بنيويا مع مطلع الألفية الثالثة. وعلى وجه التحديد فإن نقطة التحول جاءت في خريف سنة 2005، عندما شهدت مليلية أولى محاولات الاقتحام الجماعي والمنسق، حيث أقدم نحو 650 مهاجرا من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء على اقتحام السياج الحدودي.
ومنذ ذلك الحين، تشكلت، حول المدينتين المغربيتين المحتلتين، سبتة ومليلية، سابقة تكررت في أعوام 2014 و2018 و2021 و2022، ثم عادت إلى الواجهة مجددا في 30 يوليوز 2026 بسبتة.
وعلى مدى عشرين عاما، لم تعد المدينتان المغربيتان المحتلتان، سبتة ومليلية، المسلكين الوحيدين للهجرة، إذ برزت أربع طرق أخرى اتسمت بالدينامية نفسها.
فمنذ سنة 2013، أصبحت جزيرة لامبيدوزا إحدى أبرز بوابات الهجرة نحو أوروبا، حيث تكررت حوادث غرق مميتة، كان أكثرها مأساوية تلك التي وقعت في أبريل 2015 وأسفرت عن مصرع نحو 1200 شخص. وفي شتنبر 2023، استقبلت الجزيرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها 6300 نسمة، حوالي 6000 مهاجر في فترة وجيزة.
ومع اندلاع ما عُرف بـ"أزمة اللاجئين" السوريين، برز مسار جديد عبر تركيا واليونان، انتهى بوصول أكثر من مليون مهاجر إلى فضاء شنغن.
وفي المقابل، أدى تشديد مراقبة الحدود الشمالية للمغرب إلى بروز طريق جزر الكناري، الذي أصبح بدوره أحد أبرز منافذ الهجرة نحو إسبانيا.
وتُعد هذه الطريق، من حيث مستوى المخاطر، مماثلة للمسار الآخر الواقع في قلب أوروبا، حيث يخوض المهاجرون رحلة محفوفة بالمخاطر على متن "القوارب الصغيرة " (Small Boats) لعبور بحر المانش في محاولة للوصول إلى المملكة المتحدة.
غير أن سبتة تتميز بخصوصيات لا تتوافر في أي من مسالك الهجرة الأخرى.
فأولا، تُعد سبتة، إلى جانب النقاط الست الأخرى الخاضعة للاحتلال الإسباني، حالة جيوسياسية شاذة. فقد آلت إلى إسبانيا سنة 1668 بموجب تنازل من البرتغال، لتصبح اليوم إرثا استعماريا انتقل إلى أوروبا فضاء شنغن. وتشكل سبتة ومليلية الحضور الإفريقي داخل أوروبا، وهو حضور يتجاوز أي بعد غرائبي، إذ تمثل المدينتان آخر حدود الاتحاد الأوروبي الجنوبية.
ورغم أنهما ليستا جزءا من المجال الجغرافي الذي يشمله حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإنهما تظلان تمثلان مفارقة تاريخية وجغرافية. ومن ثم، فإن الضمير الأوروبي، الذي كثيرا ما يبادر إلى تقديم الدروس للآخرين، مدعو إلى مواجهة التناقض القائم بين القيم التي يرفعها وبين هذا الوضع الجغرافي الموروث من حقبة أخرى.
ففي عام 1989، أقدمت أوروبا، التي تتبنى قيم احترام الكرامة الإنسانية والحرية والديمقراطية والمساواة وسيادة القانون وحقوق الإنسان، على إسقاط جدار برلين. ثم تأسس الاتحاد الأوروبي رسميا في الأول من نونبر1993. لكن مع انضمام إسبانيا إلى اتفاقية شنغن سنة1991، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1995، بدأت أوروبا نفسها في إقامة الأسوار والتحصينات الحدودية.
أما السياج الحدودي بمليلية، فقد شرع في بنائه سنة 1998، قبل أن يشهد، بعد سبع سنوات، أول محاولة اقتحام جماعية نفذها مهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء سنة 2005. ووجد المغرب نفسه، آنذاك، مطالبا بالتعامل مع هذه الظاهرة الجديدة، في وقت تعرض فيه، كما نتذكر٬ لوابل من الانتقادات الصادرة عن "أصحاب الضمائر الحية".
سبتة.. رقعة صغيرة ووهم كبير
سبتة ليست سوى رقعة جغرافية صغيرة، لكنها تُكلف إسبانيا أعباء مالية كبيرة. ولولا الموارد الضخمة التي يوفرها الاتحاد الأوروبي، لوجدت مدريد صعوبة في الإبقاء على سبتة ومليلية تحت سيادتها.
فإذا جُمعت أعداد العاملين في قطاعات الأمن والجيش وباقي مرافق الوظيفة العمومية، مثل التعليم والصحة والإدارة المحلية، يتبين أن المدينة تضم ما بين 10 آلاف و11 ألف موظف وعنصر من قوات الأمن. ويقيم هؤلاء مع أسرهم داخل مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 84 ألف نسمة. وباحتساب متوسط أسرة مكونة من ثلاثة أفراد لكل موظف، فإن نحو 31 ألفًا و500 شخص، أي ما يقارب ثلاثة من كل ثمانية سكان، يعتمدون بصورة مباشرة على راتب تؤديه الدولة الإسبانية. وتعكس هذه النسبة اعتماد اقتصاد المدينة، بشكل بنيوي، على الإنفاق العمومي الإسباني أكثر من اعتماده على نشاط اقتصادي محلي منتج.
وقد تعزز هذا الواقع منذ خريف سنة 2019، إثر الإغلاق الأحادي لمعبر مرور البضائع، وهو ما وضع حدا لحركة التهريب المعيشي التي كانت تشكل مورد رزق لعدد كبير من سكان المنطقة.
وفي المقابل، فإن الفقر يطال بصورة أكبر السكان المسلمين، الذين يشكلون نحو نصف سكان المدينة. كما أن سبتة تعرف أعلى معدلات البطالة داخل الاتحاد الأوروبي، وتمس هذه الظاهرة بشكل خاص السكان المنحدرين من أصول مغربية، أو ما يطلق عليهم اسم"موروس"
سانشيز والمغرب... ضحيتا المهزلة
قيل الكثير منذ مسيرة 30 يوليوز 2026، كما قيلت مغالطات كثيرة، من بينها ما ذهب إليه الصحافي جوزيف ماسي-سكارون، الذي جانب الصواب عندما قارن عملية الاقتحام بالمسيرة الخضراء. أما التفسيرات التي قدمها هذا الطرف أو ذاك، فتتحدى أحيانا المنطق. فقد طُرحت جميع الفرضيات: المهربون وشبكات الجريمة المنظمة، وهو ما يتعارض مع المنطق لأنه لا مصلحة لها في ذلك، وغياب المراقبة، بما يوحي بتواطؤ الدولة المغربية، والتوترات الدبلوماسية بين الرباط ومدريد، رغم أن العلاقات بينهما في أفضل حال، فضلا عن "الأيادي الخفية" ونظريات المؤامرة، وترامب، وإسرائيل، والجزائر…
أما أنا، فأرى أن في هذه القضية ضحيتين.
الأولى ليست إسبانيا، بل إسبانيا بيدرو سانشيز. فهذاالأخير يواجه حملة غير مسبوقة وثأرين في آن واحد. الأول تقوده نقمة اليمين المتطرف الصاعد في أوروبا، الذي يلومه على حملة تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، وهو قرار سيادي. (فإيطاليا، بقيادة ميلوني المناهضة للهجرة، توظف على نطاق واسع رعايا من دول خارج الاتحاد الأوروبي لتعويض النقص في اليد العاملة).
الأسلوب واحد، لكن الجزاء مختلف. فعندما تقوم روما بتسوية أوضاع المهاجرين لسد النقص في اقتصادها الذي يعاني من قلة اليد العاملة، يُنظر إلى ذلك باعتباره براغماتية، أما عندما تقدم مدريد على الخطوة نفسها، فيُصوَّر الأمر على أنه سذاجة مذنبة في التعامل مع الهجرة. رئيسا حكومتين أوروبيتين، وقراران سياديان يكادان يكونان متطابقين، لكنهما يحظيان بمعاملتين متناقضتين تماما من جانب جزء من الرأي العام الأوروبي. ومن ثم، فإن الانقسام لا يمر بين يمين ويسار في قضايا الهجرة، بل بين من يحق له اتخاذ القرار دون أن يدفع ثمنه.
أما الثأر الثاني، فتقوده حملة أمريكية وإسرائيلية وجدت في هذه القضية فرصة لتصفية الحساب مع بيدرو سانشيز بسبب مواقفه من غزة أو من الحرب مع إيران.
أما الضحية الثانية فهي المغرب نفسه، في وقت يراكم فيه البلد نجاحات في مجالات عدة. ففي عهد الملك محمد السادس، يعرف المغرب استقرارا يحظى بالإعجاب، كما يسجل نموا اقتصاديا، ويُشاد بأدائه الدبلوماسي والرياضي. غير أن هذه الأحداث جاءت لتلحق الضرر بصورة البلاد. ولذلك، سيكون من العبث الشديد الإيحاء بأن وراء هذه المسيرة يدا خفية للسلطات المغربية، ولاسيما أنها وقعت يوم عيد العرش، غداة الخطاب الذي استعرض فيه الملك حصيلة المنجزات.
في مواجهة الهجرة، تتقاسم إسبانيا والمغرب وضعا يكاد يكون متماثلا، كل من جهته: فإحداهما تحرس الضفة الجنوبية لأوروبا، والأخرى تحرس الضفة الشمالية لإفريقيا. وقد يقول المشككون إن المغرب يتقاضى مقابلا للقيام بهذا الدور. ولا ضير في ذلك. أليست فرنسا تؤدي الدور نفسه في كاليه، وتتلقى مقابل ذلك تمويلا من المملكة المتحدة ــ بلغ 541 مليون يورو بين عامي 2023 و2026، وارتفع إلى 766 مليون يورو بموجب اتفاق أبريل2026 ــ لاعتراض المهاجرين الساعين إلى الوصول إلى بريطانيا؟ وكون هذا الدور الحدودي أصبح أيضا سوقا للخدمات، لا يغير من حقيقة أن المغرب ليس ثغرة في المنظومة الأوروبية، بل أحد ركائزها، تماما كما أن فرنسا تمثل الركيزة نفسها بالنسبة لإنجلترا.
"الحريك" لا يعرف حدودا اجتماعية
لم يكن المشاركون في مسيرة 30 يوليوز يفرون من حرب أهلية، ولا من كارثة إنسانية أو مجاعة. ساقني القدر إلى هناك وشاهدت ذلك بأم عيني. لم يكونوا جميعا من ذوي الفقر المدقع. كان بينهم شباب ومراهقون، وفتيات ونساء، ورجال بزي عملهم، ما يوحي بأنهم سارعوا إلى الالتحاق بالحركة. والمؤكد أنهم ينتمون إلى المغرب الهامشي وإلى جزء من الطبقة الوسطى الدنيا.
وكان الارتجال واضحا. لم يكونوا في رحلة سفر. فقد كانوا بالآلاف، يسيرون كالأشباح أو كالسائرين أثناء النوم، والفراغ يملأ أعينهم. لم يكن بحوزتهم شيء: لا حقائب، ولا أكياس، ولا أمتعة. وأكثر ما يبعث على التأثر هو أنهم كانوا ينتعلون نعالا لا تناسب السير لمسافات طويلة.
لكنهم جميعا يشتركون في قاسم مشترك واحد: الهاتف المحمول، وغالبا ما يكون من دون اشتراك. وإلى جانب قيمته، فإنه يشكل صلتهم بالعالم.
وهو أداة الانتشار الفيروسي، إذ يربط بينهم في مجموعات بلا قيادة، ولا زعيم ولا ماء، ولا زاد.
وقد أصبحت كلمة "الحريك" نفسها تنتشر على نحو مذهل، وتنتقل بعدوى لافتة. إنها كلمة سحرية. كانوا يتقدمون كأنهم زومبي نحو فخ، نحو مصيدة سيتحطم فيها قريبا حلمهم بالكرامة. فهؤلاء لم يكونوا يفرون من الجوع، ولا من الفقر، ولا حتى من المغرب، بل كانوا يفرون من الحكرة، ومن تعطل المصعد الاجتماعي، ومن التدهور الاجتماعي.
غير أن هذا "الحريك" المرتبط ب "الحكرة" والتقهقر الاجتماعي ليس سوى الوجه الأكثر ظهورا، والأكثر يأسا، لرغبة في الرحيل تخترق في الواقع جميع شرائح المجتمع المغربي، بما فيها الأكثر حظا. فالرغبة في المغادرة جزء أصيل يسكن من الروح المغربية. إنها روح تكاد تكون جزيرية، تشعر بحاجة دائمة إلى التنفس في مكان آخر. والمغاربة، في كثير من الأحيان، يحبون بلدهم أكثر عندما يغادرونه.
ولدى المغرب الهامشي "الحريك" الذي يعرفه الجميع. لكن المغرب المركزي، هو الآخر لا يزهد في "الحريك"، وإن كان مختلفا من نوع ناعم ميسور ونخبوي. فالنخب المغربية لا تتردد في اللجوء إليه، خصوصا من أجل أبنائها، إذ تسجلهم في المدارس الفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية أو الكندية أو الأمريكية، ولا ترى بأسا في أن يحمل أبناؤها جنسيات تلك البلدان.






