كانت بين محمود درويش والجمهور المغربي علاقة تتجاوز علاقة الشاعر بجمهوره. شيء من الألفة الأسطورية كان يطبع تلك العلاقة، وكان درويش نفسه يشعر بها ويدرك خصوصيتها. كان يرى في المغرب، وفي الرباط تحديداً، جمهوراً يمنحه نوعاً من الحميمية التي لا تتكرر بسهولة. ولعل مسرح محمد الخامس كان، كما قال ذات مرة، قد تحول إلى «حيزه الشعري الخاص». ولم تكن أمسياته هناك مجرد قراءات شعرية، بل كانت طقوساً جماعية للاحتفاء بالكلمة، وكأن الجمهور كان يذهب إلى المسرح لا ليستمع إلى قصائد فحسب، وإنما ليستعيد شيئاً من ذاته في صوت الشاعر.
ومع ذلك، كان هذا الحب الكبير يضع درويش أمام امتحان لا يستهان به. قبل كل أمسية، كان القلق يتسلل إليه، وكان التوتر يبدو واضحاً في حركاته وفي صمته وفي إقباله اللافت على الشاي والماء. كنت ألاحظ ذلك عن قرب، وأدرك أن ما يبدو أحياناً مجرد توتر عابر لم يكن كذلك؛ كان إحساساً بثقل اللحظة وبمسؤولية الوقوف أمام جمهور ينتظر من الشاعر الكثير. كان درويش يحاول، أمام أصدقائه ومرافقيه، أن يخفي شيئاً من هذا الاضطراب الداخلي، لكن الجسد كان يشي بما تحاول الكلمات إخفاءه.
ثم كان يحدث التحول.
ما إن يخطو محمود درويش إلى خشبة المسرح حتى يتبدد ذلك القلق كله، كأن المسرح كان يمتلك مفتاحاً سرياً لشخصيته الأخرى. فجأة، لا يعود الرجل المتوتر الذي كان قبل دقائق يحتسي الشاي ويتحرك في المكان، وإنما يظهر كائن شعري مختلف؛ متمكناً من لغته، ومن إيقاعه، ومن صوته، ومن الجمهور. كان يمتلك قدرة استثنائية على أسر القاعة من دون افتعال، وعلى تحويل المستمعين إلى شركاء في القصيدة. لم يكن يلقي الشعر بقدر ما كان يجعل الشعر يحدث أمامنا.
كانت أمسياته أعراساً حقيقية للكلمة والجمال. وكان الجمهور المغربي يمنحه، في المقابل، ما يشبه الوفاء الأبدي. هناك، في تلك اللحظة المسرحية، كانت القصيدة تتحرر من الورق، وتستعيد جسدها وصوتها وإيقاعها، ويصبح الشاعر والجمهور كأنهما طرفان في تجربة واحدة. لم يكن درويش يقرأ نصوصه فقط؛ كان يعيد خلقها في الهواء.
ولذلك لم تكن استضافته في البرنامج التلفزيوني «لكل الناس»، الذي كنت أعده وأقدمه، في القناة الثانية ،مجرد استضافة عابرة أو اختياراً شكليا. كان البرنامج في الغالب ينفتح على ا الشؤون السياسة والحزبية والسياسات العمومية وأحبانا بعض القضايا الفكرية ، واستضافة شاعر بحجم محمود درويش كانت تعني، بالنسبة إليّ، أكثر من إضافة اسم كبير إلى قائمة الضيوف. كانت تعني منح البرنامج شيئاً من شرعية الثقافة، ومن هيبة الأدب، ومن قوة السؤال الذي لا يختزل الإنسان في انتمائه السياسي أو موقفه الآني.
استضفت محمود درويش مرتين، في 2004 و2005. وكان وجوده في البرنامج، في حد ذاته، حدثاً تلفزيونياً. فحين يحضر شاعر بقامته، لا يعود الحوار مجرد أسئلة وأجوبة، وإنما يصبح اختباراً لقدرة الإعلام على ملامسة مناطق أعمق من الخبر والسياسة. كان درويش ضيفاً، لكنه في الحقيقة كان أكبر من صفة «ضيف». كان يحمل معه تاريخاً فلسطينياً كاملاً، وتجربة شاعر خرج من الجرح ليعيد صياغته بلغة لا تستسلم للجرح.
أتذكر جيداً ذلك اليوم في فندق هيلتون الرباط، الذي أصبح لاحقاً فندق "سوفيتيل". كان المكان يتحول تدريجياً إلى استوديو مفتوح. كاميرات، أضواء، معدات صوتية، تقنيون يتحركون بسرعة ودقة، واستنفار مهني كان كفيلاً بإثارة فضول نزلاء الفندق. كان المخرج مصطفى مضمون يقود الفريق التقني، فيما كانت الاستعدادات تسير بإيقاع محكم يوحي بأننا أمام حدث يتجاوز التصوير العادي.
وعندما نزل محمود درويش من غرفته، كان فريق القناة الثانية في انتظاره، إلى جانب عدد من العاملين في ديوان محمد الكحص، ومن بينهم محمد بوشطو، الذي كان يومها أشبه ببلدوزر ودينامو لا يتوقف عن العمل، فضلاً عن عدد كبير من المعجبين الذين تجمعوا لرؤيته.
أقبل درويش بخطوات هادئة وواثقة. كان في غاية الأناقة والبهاء، يبتسم لمحبيه وقرائه ، ويتوقف لمن يريد إلتقاط صورة تذكارية، ولا يبدو عليه أي ضيق من هذا الاقتراب الإنساني. كان يمرر عينيه على المشهد من حوله، كما لو أنه يريد أن يستوعب تفاصيله كلها. لم يكن يتعامل مع محبيه بوصفهم جمهوراً، وإنما بوصفهم جزءاً من علاقة طويلة وحميمة بين شاعر وناس أحبوه قبل أن يروه، ووجدوا في شعره شيئاً منهم.
وقبل بدء التصوير، وبينما كان الفريق يتأكد من جودة الصوت والصورة، كان درويش في أقصى درجات الارتياح. جلس مسترخياً، هادئاً، متصالحاً مع المكان، وكانت ملامح وجهه تقول إن الشاعر الذي كان قبل قليل يستعد لمواجهة جمهوره ،قد دخل الآن إلى منطقته الطبيعية: منطقة اللغة.
ولعل هذا هو سر محمود درويش كله: كان يعرف كيف يحول القلق إلى جمال، والخوف إلى قصيدة، والمنفى إلى وطن من الكلمات.
لم يكن مشروع درويش الشعري كما تحدث عنه في كتابي المعنون ب"ضد الغياب" مشروع كتابة عن فلسطين فحسب، وإن كانت فلسطين جوهره وجرحه وذاكرته. كان مشروعه، في العمق، مشروع تأسيس لهوية إنسانية وجمالية في مواجهة محاولات المحو. لقد أدرك مبكراً أن الفلسطيني لا يواجه فقط فقدان الأرض، وإنما يواجه أيضاً محاولة دفعه إلى هامش التاريخ، إلى الغياب، إلى أن يصبح مجرد رقم في رواية الآخرين. لذلك كانت قصيدته مشروع حضور في مواجهة العدم.
كان عليه أن يقول: نحن هنا.
لكن عبقرية درويش أنه لم يقلها بلغة البيان السياسي وحدها، ولم يجعل الشعر منشوراً أيديولوجياً. لقد فهم أن القضية التي لا تجد طريقها إلى الجمال مهددة بأن تتحول إلى خطاب عابر، وأن الدفاع عن الحق لا يعفي الشاعر من مسؤوليته تجاه الفن.
وهنا تكمن إحدى أهم إضافات محمود درويش إلى الشعر الفلسطيني والعربي: لقد نقل القضية من مستوى الشعار إلى مستوى التجربة الإنسانية، ومن خطاب المظلومية إلى سؤال الوجود، ومن الجغرافيا إلى الشعر. فلسطين عنده ليست خريطة فقط، وإنما ذاكرة، وحب، وغياب، وأم، وطفولة، ومنفى، وحق في الحياة، وحق في أن يكون الإنسان نفسه.
وكان واعياً، أكثر من كثيرين، إلى أن الشعر لا يستطيع أن يهزم الحرب بأدوات الحرب. القصيدة لا تسقط طائرة، والاستعارة لا تفك حصاراً، والكلمة لا توقف دبابة. لكن الشعر يستطيع شيئاً أكثر عمقاً وأبقى أثراً: أن يحمي الإنسان من أن يتحول إلى شيء يشبه الحرب التي تحاصره. أن يعيد إليه حساسيته تجاه الحياة، وأن يوقظ فيه القدرة على رؤية الجمال حتى في اللحظة التي يبدو فيها العالم مصمماً على إلغائه.
لهذا كان درويش يرفض أن يُختزل الشعر في وظيفته المباشرة. الشاعر، في رؤيته، كما كشف لي في نفيس الكتاب. لا يبشر ولا يكتفي بأن يقول ما يريد قوله؛ إنه يُعرف أيضاً بجماليته، بقدرته التخيلية، وبما يستطيع أن يضيفه إلى معنى العالم. الشعر، بهذا المعنى، لا يغير الواقع دائماً بصورة مباشرة، لكنه يغير علاقتنا به. وربما كانت هذه إحدى أكثر وظائفه نبلاً: أن يجعل الإنسان أكثر إنسانية.
أن يرى، مثلاً، عشبة صغيرة تشق طريقها من داخل حجر، وأن يتوقف أمام هذا المشهد لا باعتباره تفصيلاً طبيعياً عابراً، وإنما بوصفه استعارة للحياة نفسها. هناك، في تلك العشبة التي تقاوم صلابة الحجر، يصبح الشعر فعلاً من أفعال استعادة الأمل؛ ليس الأمل الساذج الذي ينكر المأساة، وإنما الأمل الذي يولد من قلبها.
وكان درويش يعرف أيضاً أن الشعر هو إعادة اكتشاف للكلمات في بداياتها الأولى؛ أن يعيد الشاعر للكلمة دهشتها الأولى، قبل أن تستهلكها الخطب والشعارات والاستعمال اليومي. ولهذا كان شعره يبدو مألوفاً وغريباً في آن واحد: مألوفاً لأنه يتحدث عن أشياء نعرفها، وغريباً لأنه يجعلنا نراها للمرة الأولى.
ذلك هو الفرق بين شاعر كبير وشاعر استثنائي.
الشاعر الكبير يكتب قصائد عظيمة؛ أما الشاعر الاستثنائي فيعيد تعريف علاقتنا بالشعر نفسه.
ومحمود درويش فعل ذلك.
لقد ترك لنا قصيدة لا تشبه زمنها وحده. قصيدة تستطيع أن تعبر من فلسطين إلى العالم، ومن الخاص إلى الكوني، ومن الجرح الفردي إلى السؤال الإنساني الكبير: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على إنسانيته حين يُدفع باستمرار نحو العدم؟
ولذلك لم يعد درويش، بعد رحيله، مجرد ذكرى. بعض الشعراء يموتون حين تتوقف أصواتهم، أما درويش فقد أصبح، بعد موته، أكثر حضوراً. كأن الغياب نفسه لم يستطع أن يغلب شاعراً جعل من مواجهة الغياب جوهر مشروعه.
في ذكرى رحيله، نستحضر فلسطين بكل آلامها وذاكرتها وأسئلتها، ونستحضر الشاعر الذي حملها دون أن يسمح لها بأن تثقل الشعر أو تفسده. نستحضر مواقفه، لكننا نستحضر قبل ذلك قصيدته؛ نستحضر صوته، ذلك الصوت الذي كان يعرف كيف يجعل القاعة تصمت، ثم يصغي الصمت نفسه.
نستحضر درويش لأننا، في زمن تتكاثر فيه الحروب ويضيق فيه المجال أمام الجمال، نحتاج إلى شاعر يذكرنا بأن الإنسان ليس مجرد ضحية في التاريخ، وأن الوطن ليس مجرد حدود، وأن المقاومة ليست دائماً بندقية، وأن الجمال ليس ترفاً حين يكون العالم مهدداً بالقبح.
نحتاج إلى شعره لأن العالم الذي نعيش فيه صار أكثر صخباً وضكرابا وقبحا وأقل إصغاءً، أكثر سرعة وأقل تأملاً، أكثر قدرة على إنتاج الصور وأقل قدرة على إنتاج المعنى.
ونحتاج إلى محمود درويش، اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأننا نحتاج إلى ذلك النوع النادر من الشعر الذي لا يهرب من التاريخ، لكنه لا يتحول إلى أسير له؛ شعر يقف إلى جانب القضية دون أن يتخلى عن الفن، وينحاز إلى الإنسان دون أن يفقد جمالياته، ويقاوم العدم دون أن يفقد قدرته على الحلم.
رحل محمود درويش، لكن قصيدته لم ترحل.
بقي صوته في الذاكرة، وبقيت فلسطين في شعره، وبقي الشعر نفسه شاهداً على أن الكلمات، حين يبلغ بها الشاعر ذروة الصدق والجمال، تستطيع أن تهزم شيئاً من النسيان.
وربما كان هذا هو الانتصار الأجمل لشاعر استثنائي:
أن يغيب الجسد، ويبقى الصوت؛ أن ينتهي العمر، وتبدأ القصيدة حياة أخرى.






