رأي

عبد الرحيم بوعيدة: التعليم الغالي.. عفواً العالي

أعجبني هذا العنوان.. استعرته من أحد أولئك الذين يكتبون على مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يعرفوا أحياناً أنهم يقولون جملة تختصر قطاعاً بأكمله.. "التعليم الغالي.. عفواً العالي".. ولعل أجمل ما في العنوان أنه لا يحتاج إلى شرح كثير.. يكفي أن نضيف إليه فاتورة.. ليصبح لدينا تعريف كامل للجامعة المغربية الجديدة..

هذه الحكومة لا يبدو أنها تنوي مغادرة المشهد قبل أن تضع سعراً لكل شيء.. لكل شيء تقريباً.. وحده الهواء نجا من التسعيرة لأنه حتى الآن، لم نكتشف طريقة لتحويله إلى خدمة مؤدى عنها.. وإن كان الهواء الذي يدخل إلى المستشفى قد وجدوا له بطريقة أو بأخرى، فاتورة..

أما التعليم.. فقد كان ذات يوم رسالة.. ثم أصبح خدمة.. ثم صار تكويناً.. ثم انتهى به الأمر إلى أن يصبح منتجاً.. والمنتج كما نعرف، لا يُعطى لمن يحتاجه.. بل لمن يستطيع أداء ثمنه..

حتى الدكتوراه.. تلك التي كنا نعتقد بسذاجة أكاديمية لا تليق بهذا العصر أنها ثمرة سنوات من البحث والقراءة والسهر والشك العلمي.. اكتشفنا أن لها ثمناً أيضاً.. ثمانية ملايين سنتيم.. يا لها من مصادفة جميلة.. صار للعلم سعر.. وللشهادة ثمن.. وللبحث العلمي عداد..

ولولا أن الهواء ملك لله.. لربما أضافوا إليه ضريبة التنفس.. أما الهواء الآخر، ذاك الذي لا يصل إلى الرئة إلا عبر المستشفى.. فالقصة معه أطول من أن تروى في مقال..

لكن الأكثر إثارة للدهشة ليس أن يُطلب من الموظف أن يدفع مقابل دراسته.. بل أن نجد من يدافع عن ذلك بكل اقتناع.. رؤساء جامعات.. عمداء.. مسؤولون.. وغيرهم ممن يبدو أنهم اكتشفوا فجأة أن الموظف لا يستطيع أن يزاوج بين الوظيفة والدراسة..

غريب أمر الذاكرة حين تجلس على كرسي المسؤولية.. تنسى بسرعة أنك كنت يوماً طالباً في الجامعة نفسها.. وأن الدولة لم تطلب منك يومها أن تفتح محفظتك قبل أن تفتح لك المدرج.. وأنك درست مجاناً.. ثم حصلت على شهادتك.. ثم عدت اليوم لتشرح لجيل آخر أن المجانية ربما كانت خطأً تاريخياً ينبغي تصحيحه..

يا لها من ذاكرة انتقائية.. مجانية التعليم كانت جيدة حين كنا نحن أبناءها.. وحين صار أبناؤنا اليوم في الطريق إليها.. اكتشفنا أن الجامعة تحتاج إلى موارد.. وأن المختبرات تحتاج إلى التمويل.. وأن الجودة لها ثمن.. وأن الاستقلالية لها كلفة.. وأن كل شيء له ثمن.. إلا ذاك السؤال الصغير الذي لا يريد أحد أن يطرحه.. لماذا صار الفقير هو دائماً من عليه أن يدفع ثمن إصلاح اختلالات قطاع التعليم؟

لي تجربة تمتد لأكثر من خمسة عشر عاماً في تسيير ماستر في القانون الخاص.. مرّ من أمامي موظفون من قطاعات مختلفة.. قضاة.. محامون.. أطر ومسؤولون في الأمن والدرك.. وموظفون في قطاعات أخرى..

كانوا يعملون نهاراً.. ويدرسون مساءً.. ويحضرون يوم الجمعة والسبت.. لم يكونوا يملكون زمناً أكثر منا.. كانوا فقط يملكون إرادة أكثر.. وبعضهم حصل على الدكتوراه.. وبعضهم أصبح أستاذاً جامعياً.. ولم يسألهم أحد عن ثمانية ملايين سنتيم كي يسمح لهم بأن يصبحوا دكاترة..

كانوا يدرسون لأن الجامعة العمومية كانت تعرف وظيفتها.. ولأن مجانية التعليم لم تكن وقتها تهمة تحتاج إلى محام للدفاع عنها.. ولأن الدكتوراه كانت شهادة علمية.. لا منتجاً في واجهة متجر أكاديمي..

أما اليوم.. فنحن أمام معجزة تربوية جديدة.. طالب الدكتوراه يحتاج إلى أن ندرسه عن بعد.. أو حتى عن قرب.. منهجية البحث العلمي.. وأبجديات اللغة الإنجليزية..

وهنا لا أعرف إن كان علينا أن نضحك أم نبكي.. لأن طالب الدكتوراه الذي يفترض أن يأتي إلى الجامعة بسؤال علمي يبحث له عن جواب.. أصبحنا نخشى أن يأتي إلينا ليسألنا كيف يبدأ البحث أصلاً..

الدكتوراه ليست حصة مسائية.. وليست دفتر حضور.. وليست كرسياً يجلس عليه الطالب حتى نطمئن إلى أنه «حضر».. الدكتوراه بحث.. ومكتبة.. ومراجع.. ومشرف.. ومناقشة.. وسنوات من القلق الجميل الذي يجعل الباحث يشك حتى في الأشياء التي كان يظن أنه يعرفها..

لذلك يصعب عليّ أن أفهم كيف يمكن أن يصبح الحضور هو معيار التكوين في مرحلة يفترض أن يكون فيها الطالب قد تجاوز مرحلة التلقين منذ سنوات..

ثم تأتي الأحزاب.. آه، الأحزاب..

تنتقد اليوم التوقيت الميسر.. وتدخل في معارك ومزايدات انتخابية.. وكأنها اكتشفت أمس فقط أن الجامعة أصبحت تبيع بعض تكويناتها..

لكن الذاكرة السياسية أيضاً تشبه الذاكرة الأكاديمية.. قصيرة حين تكون الحقيقة محرجة..

من أتى بهذا النظام؟.. ومن صادق عليه؟.. ومن كان في موقع القرار حين كان يمر من المؤسسات؟..

لا بأس.. فلنترك الأسئلة جانباً.. الانتخابات تحتاج إلى ذاكرة انتقائية.. والجامعة تحتاج إلى ذاكرة مؤسساتية.. والطالب، كعادته، عليه أن يدفع ثمن الاثنين..

أما نحن الأساتذة الجامعيين.. فقد تحول بعضنا إلى موظفين قبل أن يكتشف أن الجامعة التي حلم بها لا تشبه الجامعة التي يعمل فيها..

قبلنا القانون المنظم للتعليم العالي رقم 59.24.. وتظاهرنا أمام البرلمان من أجل نص يتيم يمنعنا من المزاوجة بين التعليم والمحاماة.. قبلنا أن تضيق مساحة الأستاذ الجامعي أكثر فأكثر.. وقلنا إن الأمر تنظيم للمرفق العام..

واليوم.. لا نطلب ثورة في الجامعة.. ولا نطلب أن تُفتح أبوابها بلا نظام.. ولا أن تتحول الدراسة إلى فوضى باسم الحق في التعليم..

نطلب فقط أضعف الإيمان.. أن تبقى مسالك الماستر مفتوحة.. وأن يبقى الإشراف على الأطاريح ممكناً.. وأن لا تتحول الجامعة العمومية إلى جامعة عمومية بالاسم فقط.. جامعة تقول لك «أهلاً بك» عند الباب.. ثم تسألك عند الداخل عن قدرتك على الأداء..

أما أن نستمر في تبرير الأمر بمصلحة مختبرات البحث.. أو تجويد التعليم.. أو استقلالية الجامعة.. فذلك يشبه تماماً أن نبيع لك باباً ونقنعك أن ثمنه ليس ثمناً للباب.. وإنما مساهمة في تحسين العمارة..

كل الكلمات جميلة.. لكن المشكلة أن الجيوب لا تفهم اللغة الأكاديمية..

وأنا بصراحة، لا أتصور نفسي أستاذاً في جامعة عمومية.. يقف أمام باحث دفع من راتبه ثمن الدراسة.. ثم يسقطه في الامتحان..

سيكون الأمر بالنسبة إليّ أكثر من امتحان.. سيكون مشهداً عبثياً في سوق جديد..

هو دفع.. وأنا قدمت الخدمة.. هو اشترى.. وأنا بعت..

فكيف يمكن بعد ذلك أن أقنع نفسي أنني لم أصبح بائعاً؟..

وحين يصبح الأستاذ بائعاً.. يتحول الطالب، شئنا أم أبينا، إلى زبون..

وحين يصبح الطالب زبوناً.. تصبح الشهادة سلعة..

وحين تصبح الشهادة سلعة.. تصبح الدكتوراه مجرد منتج فاخر..

والجامعة.. مجرد متجر كبير كتبوا فوق بابه، بخط أنيق جداً.. «التعليم العالي»..

وكان يمكن أن يكتبوا تحته، توفيراً على الجميع عناء المجاملة.. «الأسعار لا تشمل الجودة»..