مجتمع وحوداث

خبز السوق

عبد العزيز حنون (باحث)
لعل جيلي له نوستالجيا خاصة مع خبز السوق. كانت البادية المغربية تعيش على المنتوج المحلي بنسبة كبيرة. الخضر بجميع أنواعها ،اللحم "البكري" و "الغلمي" الدجاج و البيض البلدي. حتى الفواكه الموسمية وخصوصا الصيفية يكون فيها الاكتفاء الذاتي . كانت دورة اقتصادية مغلقة نسبيا داخل محيط جغرافي أقصاه 50 كلمترا. والتبادل التجاري يكون أشبه بالمقايضة، تبيع منتوجا عندك لتشتري ما لا تتوفر عليه من آخرين ..

كانت المرأة البدوية لها التصرف في الدجاج وما ينتجه من بيض، تجمع منه ما تيسر لتبيعه يوم السوق . وهو وسيلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي لشراء بعض الحلي من السبيكة التي تشبه الذهب وبعض الملابس والفوطات و البيجامات و الجلابيب والشرابيل المخصصة للخروج للشابات منهن، وللمسنات غطاء الرأس المسمى السبنية و البلغة البلدية و الحايك والشقة.

أيضا تحتاج المرأة البدوية سيولة دراهم بسيطة لتقديم الواجبات الاجتماعية المحلية المرتبطة بالافراح والاتراح.

اما غير الدجاج من البفر والغنم والخيل والبغال والحمير فهو للرجال فقط رغم مساهمة المراة في تربية قطيع المواشي المتنوع بنسبة مهمة، من رعي ، و تقديم للعلف ، وسقي الماء للقطيع " المورد"، حيث يتم جلب الماء من بئر عميقة بدلو ثقيل و يفرغ في الجابية التي تكون حجرة كبيرة محفورة في الوسط. وكم يكفي من مرة حتى يشرب كل القطيع، بالطبع حتى يتقوس الظهر وتلتهب اليدان . متعب جدا خصوصا في صيف حار "يطير الطير ويجي على كفاه".

كان يوم السوق هو يوم العطلة العائلية الاسبوعية. البعض يذهب إلى السوق و البقية تجلس في المنزل. وحتى الماشية تبقى في مرابضها. الكل ينتظر قدوم الأب و الجد في العائلة الممتدة. يجلبون القفة الاسبوعية التي تضم الخضر، و اللحم ، والدوارة ، والفواكه الرطبة و الجافة، و الفول والحمص المطهي " طيب وهاري" ، " والحلوة المكردة" التي تركت مثالا مغربيا "الرضا والحلوة المكردة"، وخبز السوق. طقوس كنا ننتظرها و خصوصا شواء اللحم بعد الظهيرة و كاميلة العشاء التي لا تشبهها أية كاميلة، فرائحتها تشمها من بعيد ولها طعم خاص.

يتم اقتناء خبز السوق رغم وجود الخبز الكامل الأسمر الذي هو أحسن منه بالف درجة صحيا. يتم تقسيم خبز السوق كما تقسم قطعة حلوى. يأكله الكبار والصغار. كانت فيه نكهة الخميرة الرومية التي لم تفد على البادية إلا بعد القضاء على المنتوج المحلي من الخميرة البلدية التي كان ينتقدها مروجو الخميرة الرومية بأنها حامضة و لا تهيء الخبز بسرعة حيث تتطلب وقتا اكثر من الرومية وتترك الخبز فطيرا خصوصا في فصل الشتاء.

تسلل خبز السوق عبر حلاوته وبياضه نحو المستهلك المغربي حتى أصبح في كل دوار وحومة فران وبعدها مخبزات تبيع الناس كل أنواع الخبزيات والحلويات الجاهزة. ذهب البيو وذهبت معه الصحة. الآن إذا اردت خبزا طبيعيا ما عليك إلا أن تطحن القمح و تطلب للأهل إن هم تفضلوا بتهيء خبز الدار ، لأن المخابز أصبحت تستعمل الغش في الخبز الكامل. يذهبون للمطاحن الشعبية ويقتنون النخالة وحدها لرخص ثمنها، يضيفون منها شيئا في الداخل و "يكرصون"بها الخبز حتى تبدو الخبزة مليئة من الخارج بقشور والياف القمح حتى اذا دخلت للمضمون وجدته مجرد خبز السوق مغلفا بالنخالة.