بعد التحية والسلام،
بعد اطلاعي على قرار لجنتكم برفض مشروعي السينمائي "سراب رمال"، والمرفق بالتعليل الموجز الذي ينص على أن "البناء الدرامي غير قوي بما يكفي والأحداث تحتاج إلى مصداقية أكثر دراميا"، أجدني مضطراً للإدلاء بهذا الرد الموضوعي، ليس اعتراضاً على حقكم في الرفض، بل احتجاجاً على المستوى المهني الواهي لهذا التعليل الذي يخلو من أي قيمة تحليلية أو علمية أوموضوعية والذي يؤكد ما سبق أن أكدته من خلال مقالي على موقع (www.quid.ma)، وكذلك ما جاء في تدوينتي على صفحتي الرسمية على الفايسبوك (https://www.facebook.com/dchouika/).
إن العبارات الواردة في تقريركم ليست سوى جمل فضفاضة تفتقر إلى أدنى معايير الدقة والموضوعية والعقلانية، وإليكم تفصيل ذلك: أولاً: حكم "البناء الدرامي غير قوي بما يكفي" هو حكم انطباعي لا منهجي:فأي بناء درامي في أي عمل سينمائي يتم تقييمه عبر مؤشرات محددة وقابلة للقياس: هل الحبكة الرئيسية متكاملة؟ هل الصراع الأساسي واضح المعالم؟ هل هناك عقدة وذروة وحل؟ هل الأدوار الوظيفية للشخصيات محددة؟ هل التسلسل الزمني للأحداث يحقق منطق السببية؟
فتقريركم لم يشر-ولو إشارة عابرة إلى أي من هذه العناصر. عبارة "غير قوي" هي حكم قيمي مجرد، لا يمكن أخذه بعين الاعتبار في نقد احترافي، لأنها لا تحدد موقع الضعف: هل هو في الفعل الأول (البداية)، أم الفعل الثاني (التفصيل)، أم الفعل الثالث (التعقيد) أم الفعل الرابع (الحل)؟ هذا الغموض يكشف أن كاتب (أوكتاب، إن كانوا جماعة وهو أمر جد مستبعد) التقرير إما أنه لم يقرأ المشروع بتعمق، أو أنه يفتقر إلى الحدود الدنيا من المعرفة والحنكة والتجربة التي يفرضها تحليل موضوعي ودقيق لمشروع عمل سينمائي.
ثانياً: القول بأن "الأحداث تحتاج إلى مصداقية أكثر دراميا" يحمل في طياته جهلاً بماهية البناء الدرامي نفسه:
الدراما في جوهرها لا تعني المحاكاة الحرفية للواقع، بل تعني "المنطق الداخلي" للعالم الذي يبنيه الكاتب ويعالجه المخرج فنيا وجماليا وتقنيا. إن طلب "المصداقية درامياً"-بهذه الصياغة السطحية هو تناقض في العمق، لأن المصداقية درامياً تتحقق إذا كانت دوافع الشخصيات متسقة مع أفعالها، وكانت النتائج مترتبة على المقدمات داخل عالم الحكاية ومحيطها الموضوعاتي والإنساني.
فتقريركم الفضفاض لم يذكر ولو مشهداً واحداً أو حدثاً بعينه اعتبرتموه غير منطقي، ولم تقدموا مقترحاً بديلاً لكيفية جعل هذا الحدث أكثر "مصداقية". هذا يعني أن هذه العبارة لا تحمل أي معنى تطبيقي، وهي مجرد حشو إنشائي يدل على عجز المحلل عن تفكيك النص إلى وحداته البنائية الأساسية. وفاقد الشيىء، كما مسيريه، لا يعطيه أبدا.
ثالثاً: الرد يخلو تماماً من أي تحليل علمي أو موضوعي أو عقلاني:
النقد السينمائي التحليلي يعتمد على مراجع قابلة للتوثيق والنقاش، كتحليل البنية الثلاثية (Three-Act Structure)، أو نموذج مسار الشخصيات الرئيسية، أو نظرية الصراع المادي أو النفسي. فتعليقكم يخلو من أي اصطلاح متخصص، بل يشبه تلك الانطباعات التي يطلقها مشاهد عابر بعد مشاهدة فيلم، وليس خبيراً مطالباً بدراسة جدوى مشروع فني عالي المستوى. إن تجاهلكم التام لتقييم الحوار، وتطور الشخصيات، والإيقاع السردي، والنسق البصري المقترح، يؤكد أن التقرير كُتب في عجالة، وكُلف به شخص محدود الدراية بمعايير تقييم المشاريع السينمائية. وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى تكوين لجنتكم التي يفتقر جل أعضائها إلى الخبرة والتجربة والحنكة الكافية لدراسة جدوى مشروع عمل سينمائي، انطلاقا من رئيس اللجنة نفسه الذي لم سشارك خلال مساره الفني كله، بأي صفة من الصفات، في إنتاج ولو دقيقة شينمائية واحدة، وقس على ذلك وضعية باقي أعضاء اللجنة، حيث أن من بينهم إداريون لا دراية فنية وجمالية وموضوعاتية وتقنية تسمح لهم بدراسة مشروع عمل سينمائي، كما أن باقي أعضاء اللجنة لهم تجربة جد محدودة في المجال. لذلك، فمن اقترحوهم ومن عينهم للقيام بمسؤولية جسيمة تفوق قدراتهم يتحملون كامل المسؤولية على فعلهم هذا.
رابعاً: هذه العبارات الواهية لا تخدم الإبداع ولا تخدم اللجنة ولا من عينها:
الغرض الأساسي من أي لجنة دعم هو توجيه المبدع وتحليل مشروعه في أفق تطويره، لكن تعليلكم الخاوي الوفاض لا يقدم أي فائدة دراسية أو إصلاحية. إنه لا يمكننا (كاتب السيناريو والمخرج) أن نعزز "قوة" البناء الدرامي في أفق تطويره، لأننا لا ندري ما هو "القوي" في قاموسكم، ولا يمكننا رفع "المصداقية" انطلاقا من تعبير مبني على كلام فارغ، لأنه لا علم لنا بأي الأحداث التي اعتبرتموها تفتقر إلى المصداقية. هذا التعليل ليس تحليلا ولا نقداً، بل هو هروب وهمي من عجز بين عن تحمل مسؤولية تقديم أي تحليل ولا نقد للمشروع السينمائي موضوع الدراسة. وهذا تأكيد، مرة أخرى، على أن فاقد الشيىء، كما مسيريه، لا يعطيه.
في نهاية الأمر:إنني، بحكم عملي في هذا المجال لأزيد من خمسين سنة، والذي ولجته وأبدعت فيه بينما أغلب أعضاء لجنتكم ـ وحتى من اقترحوهم ومن عينهم ـ لم يكونوا قد ولدوا بعد، أرفض هذه التبريرات جملةً وتفصيلاً، ولن أطالب لجنتكم الموقرة بإعادة النظر في منهجية تقييمها، أو تزويدي بتقرير مفصّل، نقطة بنقطة، يحدد مواقع الخلل في الحبكة، والشخصيات، والحوار، والصراع، مستنداً إلى مصطلحات نقدية معترف بها دولياً، لأنكم لا تمتلكون القدرة على ذلك أولا، ولا مصداقية ولا استقلالية لديكم في اتخاد القرار ثانيا.لقد تأكدت، وللمرة الرابعة على التوالي، أن هذا الرفض لم يصدر عن قناعة فنية نابعة من دراسة وتحليل نقديين موضوعيين وعقلانيين، بل صدر عن قصور معرفي وتبعية نفعية يعبران عن جهل مطبق للمبادىء وللحدود الدنيا لاحترام المقومات الموضوعية والإنسانية والفنية لدراسة مشروع عمل سينمائي.
وأخيرا، فإنني لا أنتظر منكم شيئا، إنه مجرد تظهير إداري، فقط أحتفظ بحقي في رفضي التام، والمبرر، لهذه الممارسة السخيفة الضارة والمسيئة للقطاع والمجال الفني والثقافي ككل. وكونوا متيقنين من أن لجنتكم ستبقى في تاريخ سينمانا الوطنية كأفقر وأضعف وأضر لجنة لدعم الأعمال السينمائية، فاقدة لأي مصداقية ولأي استقلالية في اتخاذ القرار الموضوعي المبني على التحليل والدراسة العلميين.
وبه الإعلام والسلام.
ولن اسامحكم ابدا على ما اقترفتموه ضدي من جرم بين إلى يوم الدين، وساعتبركم ما حييت كما انتم فعلا : وحوش بشرية، لا ضمير ولا أخلاق ولا درة انسانية في قلوبها وأرواحها !






