التوتر الحالي بين إيطاليا وإسبانيا هو بسبب الغاز وليس بسبب الهجرة غير النظامية نحو سبتة المحتلة
تشهد العلاقات الإسبانية الإيطالية منذ أواخر يوليوز الماضي توترا دبلوماسيا وسياسيا غير مسبوق، انتقل إلى فضاء "شنغن" وأثر على حرية التنقل داخل الاتحاد الأوروبي بين البلدين.
في الظاهر، تبدو الأزمة ناتجة عن موجات الهجرة غير النظامية بأفواج كثيفة من المغرب نحو مدينة سبتة المحتلة.
لكن القراءة المنطقية للمشهد الجيوسياسي تكشف أن ملف الهجرة ليس سوى واجهة لحرب نفوذ صامتة ومنافسة شرسة على كعكة الطاقة والهيمنة على سوق توزيع الغاز نحو أوروبا.
استغلت حكومة رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، أزمة تدفق آلاف المهاجرين عبر الأراضي المغربية نحو مدينة سبتة المحتلة، لتعلن عن تعليق مؤقت لاتفاقية "شنغن" على رعايا الدول الثالثة القادمين من إسبانيا، مبررة ذلك بمخاطر أمنية وانتقدت سياسات مدريد الحدودية.
حكومة بيدرو سانشيز لم تقف مكتوفة الأيدي، حيث وصفت الإجراء الإيطالي بأنه تمييزي وغير عادل، وردت فورا بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، وفرضت رسميا إجراءات تفتيش ومراقبة عشوائية لهويات وجوازات سفر القادمين من إيطاليا عبر الموانئ والمطارات، وهو ما أدخل البلدين في أزمة التدابير الحدودية المتبادلة المستمرة حتى سبتمبر 2026.
توقيت الهجوم الدبلوماسي الإيطالي يؤكد أن موضوع الهجرة جاء في مرحلة حاسمة ليكون مجرد أداة تعبر من خلالها الحكومة الإيطالية عن سخطها وامتعاضها الشديد من التحركات الإسبانية الأخيرة بخصوص الغاز.
فإيطاليا، تتبنى في سياستها الاقتصادية اليوم مخططا تطمح من خلاله إلى الاستفراد بلقب الموزع الحصري والأول للطاقة الإفريقية نحو أوروبا. لكنها شعرت بالتهديد المباشر جراء منافسة إسبانيا لها على مستوى التحول إلى البلد الأساسي المتحكم في تدفقات الغاز.
ولفهم هذا الصراع، يمكن النظر إلى الكرونولوجيا المكثفة للاتفاقيات الطاقوية لإيطاليا مع الجزائر في عهد ميلوني.
في يناير 2023 عقدت ميلوني مع الجزائر قمة ثنائية تنفيذا لما سمي "خطة ماتي لإفريقيا" وهي خطة تهدف إلى جعل إيطاليا مركزا إقليميا للطاقة.
رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني كانت قد أعلنت عن نيتها صياغة خطة ماتي لأول مرة خلال خطاب تنصيبها في أكتوبر 2022، وأصبحت الخطة عنوانا للسياسة الخارجية الإيطالية، وفق "الشراكة المتكافئة والمنافع المتبادلة مع إفريقيا"، وتستمد الخطة اسمها من رجل الأعمال والسياسي الإيطالي إنريكو ماتي، مؤسس شركة الطاقة الكبرى "إيني"، المعروف بعقوده الضخمة مع الدول المنتجة للنفط.
وهكذا، خلال القمة الإيطالية الجزائرية أبرمت شركة "إيني" (Eni) الإيطالية مع "سوناطراك" الجزائرية اتفاقا لإحياء ودراسة مشروع أنبوب "غالسي" (GALSI) الذي يربط حقل حاسي الرمل بسردينيا ثم توسكانا، لنقل الغاز والهيدروجين الأخضر والكهرباء، بالتوازي مع تشغيل أنبوب "ترانسميد" (Transmed) العابر لتونس بكامل طاقته.
وقبل أقل من خمسة أشهر، بالضبط في مارس 2026 قامت ميلوني بزيارة طارئة إلى الجزائر لتغطية عجز الغاز المسال الناتج عن اضطرابات حرب الشرق الأوسط، حيث أشرفت على اتفاقية جديدة لشركة "إيني" الإيطااية مع الجزائر حول التوسع نحو مجالات أخرى عبر الاستكشاف البحري واستكشاف الغاز الصخري لتثبيت ضخ أكثر من 20 مليار متر مكعب سنوياً.
وفي الوقت الذي كانت فيه إيطاليا تعتقد أنها حسمت معركة "مركز الطاقة الأوروبي"لصالحها، باغت رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز الجميع بزيارة رسمية خاطفة ومفاجئة إلى الجزائر في 20 يوليوز 2026، مباشرة بعد حضوره نهائي كأس العالم لكرة القدم، وهي الزيارة التي جاء فيها سانشيز إلى الجزائر مدعوما برؤساء كبرى شركات الطاقة الإسبانية، ناتورجي (Naturgy)، ريبسول (Repsol)، إناغاس (Enagás)، وموفي (Mofie)، حيث تم خلال هذه الزيارة التفاوض على زيادة إمدادات الغاز بنحو 1،8 مليار متر مكعب سنوياً عبر استغلال السعة القصوى المتبقية لأنبوب "ميدغاز" (Medgaz) الواصل مباشرة بين البلدين، على أساس أن تكون الجزائر هي المورد الأول لإسبانيا لعام 2026.
التوتر الحالي بين إيطاليا وإسبانيا قد يبدو لمن بنظر للعلاقات الدولية وفق نظرة سطحية تقوم على اعتبارات إنسانية وحقوقية، أنه ناتج عن موضوع مرتبط بالهجرة غير النظامية، بينما الرؤية التي من خلالها تقاس العلاقات بين الدول هي تلك التي تقوم على المصالح الاقتصادية.
فالصراع الحالي بين البلدين الأوروبيين، إيطاليا وإسبانيا، هو نتاج خالص للصراع حول من يهيمن على سوق توزيع الغاز لأوروبا.
إيطاليا ترفض وجود بوابة موازية قوية في حوض المتوسط تنازعها على لقب الموزع الرئيسي.
وتحركات سانشيز البراغماتية أعادت فرض إسبانيا باعتبارها وسيطا قويا في مجال توزيع الطاقة لا يمكن تهميشه.
أما أزمة الهجرة غير النظامية نحو سبتة المحتلة، فما هي إلا الستار السياسي الذي يُخفي خلفه صراع الأنابيب والشركات العابرة للمتوسط، التي توقع عقودا لشراء الغاز من الجزائر بأسعار تفضيلية بخسة، مما يضمن لهذه الشركات الإيطالية والإسبانية الأرباح الهائلة، في وقت تظل فيه الجزائر مجرد حقل لاستخراج وضخ ونقل الغاز الذي يستفيد منه الوسطاء والتجار الكبار في إيطاليا وإسبانيا، ويعيدون بيعه لباقي الدول الأوروبية، محققين أرباحا كبيرة، دون أن تعود موارده على الشعب الجزائري بأية فائدة.
وهذا ما كان.






