تمهيد: من حرية الانتماء إلى إشكالية الولاء السياسي
يُعدّ الترحال السياسي من أكثر الظواهر إثارة للجدل في الحياة الحزبية المغربية، ليس لأنه يرتبط فقط بانتقال منتخب أو قيادي من حزب إلى آخر، وإنما لأنه يطرح سؤالاً أعمق حول طبيعة الحزب السياسي نفسه، وحدود الولاء التنظيمي، ومكانة المنتخب داخل المؤسسة الحزبية، ومدى استقلال القرار الانتخابي عن شبكات المصالح المحلية.
وقد اكتسب الموضوع راهنية خاصة في سنة 2026، مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، حيث عرفت الساحة السياسية حركية واضحة في انتقال منتخبين وقيادات من تنظيمات سياسية إلى أخرى. وقد وصفت تقارير إعلامية هذه الدينامية بأنها ظاهرة تتكرر مع كل استحقاق انتخابي، رغم تشدد الإطار القانوني في مواجهة بعض صورها.
ومن ثم، فإن دراسة الترحال السياسي في المغرب لا ينبغي أن تنحصر في السؤال: لماذا ينتقل السياسي من حزب إلى آخر؟ وإنما ينبغي أن تتجه إلى سؤال أوسع:
كيف يكشف الترحال السياسي عن طبيعة النظام الحزبي والانتخابي المغربي، وكيف يمكن أن يؤثر في إعادة تشكيل الخريطة السياسية خلال انتخابات 2026 وما بعدها؟
أولاً: ما مفهوم الترحال السياسي؟ ظهر مفهوم الترحال السياسي في الأدبيات السياسية المغربية للدلالة على انتقال السياسي من حزب إلى آخر، غالباً بحثاً عن موقع أو نفوذ أو فرصة انتخابية أفض!!!
وقد ميز الباحثون المختصون بين الترحال السياسي وبين الانشقاق السياسي؛ فالمنشق قد يغادر حزبه بسبب خلاف فكري أو تنظيمي، بينما يرتبط الترحال في صورته النموذجية بالانتقال من تنظيم إلى آخر بحثاً عن مصالح أو مواقع سياسية أفضل. لكن إسقاط المفهوم على المغرب يحتاج إلى قدر من الحذر؛ لأن كل انتقال سياسي ليس بالضرورة ترحالاً بالمعنى السلبي. فيمكن التمييز بين:
1- الانتقال السياسي المبدئي، ويحدث غالبا عندما يغادر السياسي حزباً بسبب خلاف حقيقي حول: البرنامج الموقف السياسي؛ القيادة؛ التوجه الإيديولوجي؛ وطريقة تدبير الحزب. وهذا يمكن أن يكون جزءاً طبيعياً من الحياة السياسية.
2- الترحال الانتخابي، وهو الأكثر إثارة للإشكال، ويحدث عندما يكون الانتقال مرتبطاً أساساً بـ: الحصول على التزكية؛ ضمان موقع انتخابي؛ البحث عن حزب أقوى انتخابياً؛ الاستفادة من شبكة تنظيمية جديدة؛
وايضا، تحسين فرص الفوز.
3- الترحال البرلماني، وهو انتقال المنتخب بعد حصوله على المقعد البرلماني، وهو المجال الذي وضع له الدستور المغربي قيداً صريحاً.
ثانياً: الجذور التاريخية للظاهرة في المغرب، لا يمكن فهم الترحال السياسي الحالي باعتباره ظاهرة ولدت عشية انتخابات 2026.
فالمشكلة ترتبط بتاريخ طويل من التداخل بين: الحزب - النخبة المحلية - الأعيان - الدولة - الانتخابات - الموارد. وقد أظهرت دراسات حول نظام النزاهة الوطني في المغرب أن عدداً من المنتخبين والأحزاب لم يكونوا دائماً يُنتخبون على أساس برامج سياسية واضحة، بل اضطلع بعضهم بدور الوسيط بين الناخبين ومراكز القرار والموارد العمومية، وهو ما يساعد على تفسير استمرار قابلية بعض النخب للانتقال بين الأحزاب. وهنا نصل إلى أحد المفاتيح الأساسية لفهم الظاهرة: فكلما كان الحزب ضعيفاً باعتباره مؤسسة، أصبح السياسي أقوى باعتباره فرداً.
والعكس صحيح أيضاً: كلما كان الحزب قوياً تنظيمياً وبرنامجياً، أصبحت قيمة الانتماء الحزبي أكبر من قيمة الشخص. وهذا التوازن هو الذي يبدو مختلاً في بعض الحالات المحلية المغربية.
ثالثاً: دستور 2011، ومحاولة وضع حد للترحال البرلماني، لقد شكّل دستور 2011 نقطة تحول مهمة.
فالفصل 61 ينص صراحة على تجريد عضو أحد مجلسي البرلمان من صفته إذا تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها، وتصرح المحكمة الدستورية بشغور المقعد بناءً على إحالة رئيس المجلس المعني.
وهذا يعني أن المشرع الدستوري انتقل من مجرد الإدانة السياسية للترحال إلى ترتيب أثر قانوني مباشر عليه.
لكن هذه الآلية تعالج أساساً الترحال أثناء الولاية البرلمانية. وهنا ايضا تظهر إحدى أهم مفارقات الظاهرة المغربية: القانون يستطيع معاقبة الترحال بعد الفوز، لكنه يصعب عليه منع إعادة التموضع قبل الانتخابات.
وهذه النقطة أساسية في فهم انتخابات 2026. فالسياسي يستطيع، من حيث المبدأ وضمن الضوابط القانونية، إعادة ترتيب انتمائه قبل الترشح، في حين أن الانتقال بعد الحصول على المقعد يخضع للقيود الدستورية.
رابعاً: مفارقة انتخابات 2026، تأتي انتخابات 2026 في ظل إطار قانوني جديد نسبياً.
فالقانون التنظيمي رقم 54.25 المتعلق بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية صدر ونشر في الجريدة الرسمية، ونص على تطبيق أحكامه على الانتخابات المقبلة لمجلس النواب. كما أن الحكومة حددت رسمياً يوم 23 شتنبر 2026 تاريخاً لانتخاب أعضاء مجلس النواب، وحددت فترة الحملة الانتخابية من 10 إلى 22 شتنبر. لكن المفارقة أن تشديد القواعد القانونية لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الظاهرة.
بل يمكن أن يؤدي أحياناً إلى تغيير شكلها. وهنا يمكن التمييز بين: الترحال بعد الانتخابات تحد منه العقوبة الدستورية. و: الترحال قبل الانتخابات، يظهر في شكل إعادة تموضع، تغيير الحزب، البحث عن التزكية، أو الانتقال إلى تنظيم يوفر فرصاً انتخابية أكبر.
ومن هنا فإن انتخابات 2026 تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الإصلاح القانوني على الوصول إلى جذور الظاهرة وليس فقط مظاهرها.
خامساً: لماذا يرحل السياسي؟ يمكن بناء تفسير سوسيولوجي للترحال السياسي المغربي على خمسة دوافع رئيسية.
1. البحث عن التزكية، فقد يكون السياسي مقتنعاً بأن الحزب الذي ينتمي إليه لن يمنحه موقعاً انتخابياً مناسباً.
فتبدأ عملية البحث عن:
-1 حزب يوفر فرصة أفضل للفوز، وهنا تصبح التزكية أهم من العضوية.
2. ضعف الديمقراطية الداخلية، حيث إذا كانت القرارات الحزبية المتعلقة بالترشيحات لا تقوم دائماً على منافسة داخلية قوية، فإن المرشح قد يشعر أن مستقبله السياسي مرتبط بعلاقته بالقيادة أكثر من ارتباطه بعمله داخل التنظيم. وبالتالي يصبح الانتقال وسيلة للضغط أو للبحث عن بديل.
3. شخصنة السياسة، حيث كلما ارتفعت مكانة الشخص على حساب المؤسسة، أصبح الانتقال أسهل. فالمرشح الذي يمتلك شبكة علاقات؛ حضوراً اجتماعياً؛ قاعدة انتخابية؛ قدرة على التعبئة؛ وموارد انتخابية؛ فيمكن أن يصبح حزباً داخل الحزب. وهنا يصبح السؤال:
هل الحزب يستقطب المرشح، أم أن المرشح يستقطب الحزب؟
4. منطق الأعيان، فلا يمكن فهم جزء من الخريطة الانتخابية المغربية دون دراسة ظاهرة الأعيان والنخب المحلية. ففي بعض المناطق، قد تكون العلاقات الشخصية والعائلية والمهنية والاجتماعية أكثر تأثيراً من الهوية الإيديولوجية للحزب. وهذا يؤدي إلى معادلة:
المرشح المحلي القوي + الحزب = فرصة انتخابية.
بدلاً من: الحزب + البرنامج + التنظيم = المرشح. وهذا انقلاب مهم في العلاقة بين المؤسسة والشخص.
خامسا: الحسابات المستقبلية
فالسياسي لا يفكر فقط في الانتخابات الحالية. فقد يفكر في: رئاسة جماعة؛ مجلس جهوي؛ رئاسة مجلس النواب؛ موقع حكومي؛ موقع حزبي؛ والنفوذ المحلي. ومن ثم يصبح الحزب بالنسبة إليه أحياناً أداة للتموقع داخل منظومة السلطة السياسية والانتخابية.
سادساً: الترحال والخريطة السياسية، وهنا نصل إلى جوهر المقاربة. هل يمكن للترحال أن يغير الخريطة السياسية المغربية؟
الإجابة هي: نعم، ولكن بصورة غير مباشرة. فالترحال لا يغير بالضرورة التوجه السياسي للناخب، لكنه يستطيع تغيير الشخص الذي يحمل الأصوات..
سابعاً: الترحال باعتباره «مؤشراً» لا «سبباً»، من الخطأ المنهجي اعتبار كل انتقال سبباً مباشراً لتغير النتائج.
فالترحال يمكن أن يكون نتيجة لتحول سابق.
فمثلاً: ضعف حزب معين، يعني تراجع فرصه الانتخابية
ورحيل عدد من المنتخبين، وانضمامهم إلى حزب صاعد
وتراجع الحزب أكثر، تعزيز الحزب المنافس.
إذن الترحال قد يتحول إلى حلقة في دائرة من إعادة توزيع القوة السياسية. وهنا يصبح لدينا ما يمكن تسميته: «أثر كرة الثلج السياسية»، أي أن انتقال عدد محدود من الشخصيات المؤثرة يمكن أن يبدأ سلسلة من التحولات:
(مرشحون → شبكات محلية → أصوات → مقاعد → نفوذ برلماني → موارد سياسية → استقطاب مرشحين جدد)
ثامناً: الترحال وأزمة الأحزاب
ان المشكلة الأكثر عمقاً ليست في السياسي الذي يغير الحزب. بل في الحزب الذي يسمح لنفسه بأن يصبح محطة عبور للسياسيين.
فإذا كان الحزب لا يملك: مدرسة سياسية؛ نخبة شابة؛
ديمقراطية داخلية؛ آليات واضحة لاختيار المرشحين؛
برنامجاً متميزاً؛ ذاكرة تنظيمية؛ وقواعد مناضلة حقيقية؛
فإنه يصبح أكثر عرضة للاعتماد على الشخصيات الجاهزة انتخابياً. وهنا تتحول الانتخابات من منافسة بين: مشاريع سياسية إلى منافسة بين: شبكات انتخابية.
وهذا أخطر من الترحال نفسه.
تاسعاً: ظاهرة «ميركاتو الانتخابات»،
يمكن في هذا الإطار استعارة مفهوم الميركاتو الرياضي لتفسير ما يحدث انتخابياً، ولكن مع الحذر من تحويله إلى مجرد استعارة صحفية. ففي سوق الانتقالات الرياضية، النادي يبحث عن اللاعب الذي يحقق له الفوز. وفي «الميركاتو الانتخابي»: الحزب يبحث عن المرشح الذي يعتقد أنه يستطيع تحقيق المقعد. والفرق أن اللاعب الرياضي لا يغير قواعد اللعبة، بينما السياسي يمكنه أن يحمل معه:
شبكة اجتماعية؛ تاريخاً انتخابياً؛ علاقات محلية؛ ناخبين؛ نفوذاً؛ موارد.
وقد وصفت تقارير 2026 فعلاً هذه الدينامية المتصاعدة مع اقتراب موعد الاقتراع. لكن المشكلة هنا أن الحزب الذي يبني قوته على استقطاب الأفراد قد يجد نفسه بعد الانتخابات أمام سؤال صعب: كيف تضمن ولاء من استقطبته على أساس القوة الانتخابية لا على أساس الاقتناع السياسي؟ وهذا هو التناقض البنيوي في الترحال.
عاشراً: الترحال والثقة السياسية
ان الأثر الأخطر للترحال لا يظهر بالضرورة في عدد المقاعد، بل يظهر في ثقة المواطن، فإذا شاهد المواطن السياسي ينتقل من حزب إلى آخر قبل كل انتخابات، فقد تتشكل لديه قناعة بأن: الأحزاب متشابهة، والبرامج قابلة للتغيير، والمصلحة الشخصية أقوى من الالتزام السياسي. وهذا قد يؤدي إلى: اللامبالاة؛ العزوف الانتخابي؛ ضعف العضوية الحزبية؛ تراجع الثقة في المؤسسات؛ وارتفاع أهمية التصويت الشخصي والمحلي. ومن ثم فإن الترحال يمكن أن يكون جزءاً من أزمة الوساطة السياسية.
حادي عشر: انتخابات 2026 باعتبارها مختبراً سياسياً،
يمكن تحويل انتخابات 2026 إلى مختبر لاختبار أربع فرضيات:
الفرضية الأولى، كلما زاد الترحال قبل الانتخابات، زادت شخصنة المنافسة الانتخابية.
الفرضية الثانية، كلما ضعف التنظيم الحزبي، زادت أهمية المرشح المحلي.
الفرضية الثالثة، كلما ارتفعت قوة المرشح الشخصية، أصبح انتماؤه الحزبي أقل تأثيراً في سلوك جزء من الناخبين.
الفرضية الرابعة، إذا تزامن الترحال مع ارتفاع المشاركة الانتخابية، فقد يؤدي إلى إعادة توزيع حقيقية للمقاعد؛ أما إذا بقيت المشاركة ضعيفة، فقد تكون آثاره محصورة في إعادة توزيع المقاعد بين شبكات انتخابية محدودة.
وهذه الفرضيات يمكن اختبارها بعد إعلان النتائج النهائية.
ثاني عشر: هناك ثلاثة سيناريوهات لانتخابات 2026،
الأول: استمرار «الشخصنة الانتخابية»،ففي هذه الحالة يستمر المرشح القوي في لعب الدور الأكبر، وتبقى الأحزاب في موقع الباحث عن الشخص القادر على الفوز.
وتكون النتيجة المحتملة: إعادة توزيع المقاعد دون تحول كبير في الخريطة الاجتماعية والسياسية.
الثاني: عودة الحزب، فإذا استطاعت الأحزاب أن تفرض منطق البرنامج والتنظيم، فقد تصبح الهوية الحزبية أكثر تأثيراً. وتكون النتيجة المحتملة: تراجع أثر الترحال وارتفاع أهمية البرامج والالتزام التنظيمي.
الثالث: إعادة تركيب واسعة، وهو السيناريو الأكثر إثارة.
فقد تتزامن: الترحالات + تغيير التحالفات + دخول وجوه جديدة + تغير نسب المشاركة + تصويت عقابي أو احتجاجي. عندها يمكن أن نشهد تغيراً ملموساً في موازين القوى داخل مجلس النواب. لكن لا يمكن الجزم مسبقاً بحجم هذا التغير.
في الخاتمة
تكشف ظاهرة الترحال السياسي عن مشكلة أعمق من انتقال الأشخاص بين الأحزاب. إنها تكشف عن أزمة في العلاقة بين السياسي والمؤسسة والناخب. فحين يصبح السياسي أقوى من الحزب، وحين تصبح التزكية أهم من البرنامج، وحين تتحول الانتخابات إلى منافسة على استقطاب الشبكات المحلية، فإن الحزب يفقد تدريجياً إحدى وظائفه الأساسية: إنتاج النخب وتأطير المواطنين وتحويل المصالح الاجتماعية إلى مشاريع سياسية.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام انتخابات 2026 ليس فقط: كم حزباً سيفوز؟ بل: أي نوع من السياسة ستنتصر؟ هل ستنتصر سياسة البرامج والمؤسسات؟
أم سياسة الأشخاص والشبكات؟ أم سنكون أمام مزيج من الاثنين؟. وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يجعل من انتخابات 2026 أكثر من مجرد عملية حسابية للمقاعد؛ إنها يمكن أن تكون اختباراً لطبيعة التحول الذي تعرفه السياسة الحزبية المغربية في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.






