قضايا

ليلة العودة لسبتة المحتلة وليس ليلة الهجوم

عواطف حيار (وزيرة سابقة)

لنبدأ من البداية، سبتة هي إحدى الثغور المغربية التي تعرضت للاحتلال منذ الهجوم عليها من طرف البرتغال في القرن الرابع عشر ثم أصبحت تحت سيطرة العرشين الإسباني والبرتغالي بعد اتحادهما في القرن الخامس عشر ثم إلحاقها بالعرش الإسباني في القرن السادس عشر.

ومنذ القرن السادس عشر، توالت المحاولات العسكرية لاسترجاعها من طرف عدد من السلاطين والملوك العلويين، ونذكر من بينهم السلطان مولاي إسماعيل بن الشريف الذي حاصرها سنة 1694 دون أن يتمكن من استرجاعها، وكذا السلطان سيدي محمد بن عبد الله الذي حاول عدة مرات دخولها في القرن الثامن عشر دون أن يتمكن من ذلك.

وكذا الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله الذي أكد سيادة المملكة المغربية على سبتة ومليلية وتشبتها بهما، واقترح خلق خلايا تفكير مشتركة بين المملكتين لتدبير مستقبل المدينتين عبر الحوار وبطرق سلمية.

كما أكد الملك محمد السادس حفظه الله، منذ توليه العرش، مطالبة المملكة المغربية بالسيادة على مدينتي سبتة ومليلية، داعيا إلى حوار نزيه وصريح مع مملكة إسبانيا لحل هذه الأزمة.

ومنذ احتلال سبتة في القرن السادس عشر، لم ينقطع المغاربة عن دخولها، سواء للزيارة أو للتجارة.

وحتى السنوات الأخيرة قبل جائحة كورونا، كان المغاربة، وخاصة ساكنة شمال المملكة، يدخلونها بكثرة قصد التجارة.

إذن، في مخيلة وذاكرة المغاربة لم تنقطع صلة الوصل مع سبتة المحتلة.

وفي سنة 2020، حين أغلقت الحدود بسبب الجائحة، انقطع رزق عدد من المغاربة الذين كانوا يلجونها للتجارة، وخاصة النساء.

ولقد وقفت شخصيا على معاناة النساء اللواتي كن يلجونها للتجارة.

وكنت اشتغلت مع عدد من العمال، مشكورين على تعاونهم، على تنزيل برنامج "جسر التمكين والريادة" لمساعدتهن على خلق مشاريع مدرة للدخل.

وما أريد أن أقول هنا هو أنه في مخيلة المغاربة، وخاصة ساكنة الشمال، فسبتة المحتلة فرصة وبوابة مهمة للتجارة والرواج الاقتصادي.

فحين تنتشر في قنوات التواصل الاجتماعي أخبار حول فتح المعبر الحدودي -حسب قول بعض المشاركين في هذا الدخول الجماعي لسبتة المحتلة- فهذا يبعث في نفوسهم أملا جديدا لعودة الرواج الاقتصادي، خاصة في ظروف غلاء الأسعار والبطالة المرتفعة لدى الشباب والنساء.

فربما هذا من بين العوامل التي ساهمت في الوفود بكثرة على سبتة المحتلة عند انتشار خبر فتح الحدود.

السؤال المطروح هو: لماذا تم فتح الحدود وإغلاقها بعد فترة وجيزة من طرف إسبانيا (حسب سرديات الوافدين) إذا لم يكن هناك تصور جاهز لإعادة فتح المعبر من أجل الزيارة والتجارة بالنسبة للمغاربة ولاستقبال الوافدين؟

فأغلب التصريحات تشير إلى أن الوافدين يبحثون عن فرص الشغل لتحسين الظروف الاقتصادية لأسرهم، وهبوا حين سماع خبر فتح الحدود.

وهنا أربط ما سلف بقصة هذه المرأة التي أتت هي أيضا للبحث عن فرص الشغل والاستفادة من فتح المعبر الحدودي الذي يشكل في مخيلتها عودة للرواج الاقتصادي، وربما صَدَّقت هي الأخرى الدعوات الكاذبة التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي والتي استغلت ارتباط المغاربة القوي بسبتة المحتلة وحنين العودة لها.

وإذا صحت أخبار محاكمتها، أتمنى أن تتفهم المحكمة الموقرة -وكلنا ثقة في مؤسساتنا القضائية- الظروف الصعبة لهاته السيدة التي تبذل كل جهدها للعمل بكرامة والتي كانت، للأسف، ضحية الأخبار الزائفة التي انتشرت في شبكات التواصل الاجتماعي حول فتح الحدود.

فالمغاربة ليسوا سذجا، ويعلمون أن سبتة المحتلة تقع في إفريقيا وليس في أوروبا، ووفودهم عليها هو بالنسبة لهم عودة لأرض محتلة من وطنهم وللاستفادة من الرواج الاقتصادي الذي يخلقه فتح المعبر الحدودي، وليس هجوما على أوروبا أو دخولها عنوة. فنحن نثق في بلادنا وفي قدرتها على تدبير الأمور بحكمة وبما يتماشى مع مصلحة وطننا، ونحترم قوانين بلادنا وبلدان الجوار.

ولهذا أظن أن على إسبانيا -كما عملت على توقيع اتفاق تاريخي في يونيو 2026 مع إنجلترا والاتحاد الأوروبي حول جبل طارق وفتح العبور وضمان حرية تنقل الأفراد والبضائع بين إسبانيا وجبل طارق الذي تعتبره إسبانيا أرضها وتتمسك بسيادتها عليه والتي تسعى لاسترجاعه- عليها أيضا أن تستجيب لرغبة المغرب في استرجاع ثغوره التي لازالت تستعمرها، وأن تفتح مسار الحوار مع المملكة المغربية حول سبتة ومليلية المحتلتين.

فمن مصلحة البلدين البحث عن حلول توافقية والسعي لخلق سلام شامل يعم المنطقة في إطار اتفاقيات سلام وشراكات اقتصادية تعود بالنفع على الجميع وتضمن حقوق واستثمارات الجميع، لأن المملكتين جارتان صديقتان تجمعهما مصالح مشتركة وتاريخ مشترك تجاوزتا، حتى الآن، تركاته بذكاء. كما لا يفصل بينهما سوى أربعة عشر كيلومترا بحرا، وهذا معطى جغرافي لا يمكن تغييره ولا تغييبه.