لا تزال تُعد العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، في الفضاء العربي المعاصر، واحدة من أكثر الإشكاليات إلحاحاً وإرباكاً في حقول الفكر السياسي والاجتماعي. فهي ليست مجرد أزمة طارئة في الأداء الحكومي أو تعثر إداري عابر، بل هي تعبير صارخ عن انفصام بنيوي متجذر في كينونة تشكل الدولة العربية الحديثة نفسها. وإن كان هذا الانفصام يتخذ درجات ومسارات متفاوتة من بلد إلى آخر، بحيث لا يجوز اختزاله في نمط واحد يفسر تجارب متباينة كسوريا والكويت وتونس بالأداة التحليلية ذاتها.
فالمسافة المتسعة، بل المتفاقمة، بين تطلعات الشعوب نحو تمثيل حقيقي يحفظ كرامتها ويحمي حقوقها، وبين ممارسات الأنظمة التي غالباً ما تكرس دوائر ضيقة من النفوذ والسلطة، لم تأت من فراغ تاريخي. إنها نتاج تراكمي معقد لتداخل عدة عوامل كبرى من بينها:
إرث الاستعمار المشوه الذي صاغ المؤسسات على مقاس السيطرة لا الخدمة؛
وأزمة الشرعية السياسية التي جعلت التداول على السلطة رهناً بإرادات النخب لا بصناديق الاقتراع؛
ضغوط الجغرافيا السياسية التي حوّلت أولويات الدول إلى تبعية خارجية على حساب المصالح الداخلية؛
وهيمنة النمط الاقتصادي الريعي الذي أفقد المواطن أداة ضغطه التاريخية، وجعله متلقياً لا شريكاً فاعلاً.
هذا التشابك يحول دون قيام دولة القانون والمؤسسات الجامعة، ويجعل المواطن العربي أسير معادلة مركبة لا يجد فيها صوته مسموعاً، ولا حقه في العيش الكريم مصاناً، ولا مستقبله مضموناً.
ومن ثم، فإن مقاربة هذا الملف الشائك تستوجب تفكيكاً نقدياً عميقاً لتلك البنى المهيمنة، ليس بغرض التوقف عند مكابدات الماضي، بل بغرض فتح نافذة رصينة على إمكانيات تجاوز هذا المأزق التاريخي، نحو عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة الكاملة ودولة الحق والقانون.
مقدمة: في نقد الثنائيات المصطنعة
لا يزال السؤال المتعلق بكيفية حوكمة المجتمعات العربية، وطبيعة الربط العضوي (أو الانفصام المرضي) بين الفرد والسلطة، يشغل حيزاً مركزياً في المشروع النهضوي العربي منذ انطلاق مشروعات التحديث في القرن التاسع عشر. غير أن هذه الإشكالية لم تكن وليدة العصر الحديث فحسب، بل هي نتاج تراكمي لتشابك عوامل متعددة؛ بعضها يعود إلى البنية القبلية والعشائرية للمجتمع العربي التقليدي، وبعضها الآخر ارتبط بآثار الاستعمار المباشر وغير المباشر، ثم تبلورت ملامحها النهائية في عقود ما بعد الاستقلال، حيث اصطدمت النخب الحاكمة بمعضلة التوفيق بين متطلبات بناء الدولة القومية وبين الإرث الثقافي والسياسي المتشظي.
إن الشعور المتنامي، بل المستشري، لدى قطاعات عريضة من الشعوب العربية - من المحيط إلى الخليج - بأن مؤسساتها الرسمية لا تعكس هواجسها الحقيقية، ولا ترقى إلى مستوى توفير الحماية الشاملة (الأمنية، الاقتصادية، الاجتماعية، والمعنوية)، لم يعد مجرد انطباع عابر يتشكل في أوقات الأزمات. بل تحول إلى بديهية سياسية راسخة، تغذيها يومياً وقائع الفساد المالي والإداري، والتراجع المدروس في مؤشرات التنمية البشرية، واستشراء مشاعر الغبن والظلم الاجتماعي. هذه "الفجوة التمثيلية" ليست عَرَضاً طارئاً يمكن معالجته بوصفات إصلاحية سطحية؛ إنها، في العمق، أزمة وجودية للدولة العربية الحديثة، تكشف عن تناقض جوهري بين خطابها البياني عن "المواطنة" وبين ممارساتها الواقعية التي لا تزال أسيرة لعقلية "الرعية" و"المحكومية".
لفهم هذه الديناميكية المعقدة، لا بد من تجاوز المقاربات الاختزالية التي تكتفي بإلقاء التبعة على عامل واحد كالاستبداد السياسي أو التخلف الاقتصادي. فالظاهرة تتطلب مقاربة نسقية تضع في الاعتبار التداخل الخصيب بين الموروث الاستعماري، وبنية الاقتصاد الريعي، وانحيازات التحالفات الجيوسياسية، وغياب النضج المؤسسي.
سنسعى في هذه القراءة إلى تفكيك هذه العوامل، محاولين الكشف عن الآليات الخفية التي تعيد إنتاج هذه الفجوة، وصولاً إلى استشراف ملامح مخرج ممكن من هذه الأزمة المزمنة.
أولاً: إرث النشأة الاستعمارية وتغول الهواجس الأمنية: "الدولة الحامية" ضد "دولة الرعاية"
لا يمكن، تحت أي ظرف، قراءة واقع الدولة العربية المعاصرة بمعزل عن الظروف التاريخية التي احتضنت ميلادها العسير. فالدول العربية الحديثة، في معظمها، لم تكن نتاجاً لتطور داخلي عضوي أو لصراعات اجتماعية-سياسية أفرزت توافقاً وطنياً حول شكل الحكم؛ بل هي، إلى حد كبير، كيانات "مستوردة ومصنّعة" على يد القوى الاستعمارية الأوروبية (البريطانية والفرنسية وغيرها) التي رسمت حدودها الهندسية بما يخدم مصالحها التجارية والاستراتيجية. هذه النشأة الاصطناعية حملت في طياتها بذور الأزمة الراهنة؛ إذ صُممت الأجهزة الإدارية والأمنية في تلك الحقبة لتأدية وظيفة أساسية وحيدة هي "الضبط والسيطرة"، لا "التمثيل والتنمية".
لقد بنيت المؤسسات البوليسية والعسكرية في المستعمرات العربية على غرار النماذج الاستعمارية القمعية، وكانت مهمتها الأولى حماية المصالح الأجنبية، وقمع أي تمرد محلي، وتأمين خطوط المواصلات والنقل للثروات. وحين نالت هذه الدول استقلالها السياسي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وجدت النخب الحاكمة الناشئة - التي كانت في كثير من الأحيان نخباً عسكرية أو ذات خلفية ثورية - نفسها أمام آلة بيروقراطية مشوهة، وغابت عنها الرؤية الإصلاحية الشاملة لتحويل مؤسسات القمع إلى مؤسسات خدمة عامة. وبدلاً من إصلاح هذه البنية، تبنت هذه النخب النموذج التوتاليتاري (الشمولي) ذاته، وكرسته تحت عناوين تحررية كـ"ثورة تصحيحية" أو "قومية عربية"، مدفوعة بهاجس وجودي هو البقاء السياسي وتثبيت شرعيتها الهشة أمام المجتمع الذي لم يخترها في أغلب الأحوال.
هنا تبرز معضلة "الدولة الحامية" مقابل "دولة الرعاية". ففي الخطاب الرسمي، كان ترديد عبارات "حماية الأمن القومي" و"صيانة الوحدة الوطنية" شعاراً يومياً. لكن هذا الشعار كان يحمل في جوهره انقلاباً دلالياً خطيراً؛ فمفهوم "حماية الوطن" تحول عملياً إلى "حماية النظام"، وأصبح المواطن في كثير من الأحيان هدفاً لهذه الحماية الأمنية، لا موضوعاً لها. وأسفر ذلك عن تضخيم غير مسبوق في أجهزة المخابرات والشرطة السياسية، وتحويل المجتمع بأسره إلى مشتبه به محتمل، مما ولّد جداراً سميكاً من عدم الثقة المتبادلة بين الشارع والسلطة.
إذا استعرنا نظرية عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في تعريف الدولة بـ"احتكار العنف المشروع"، نجد أن الدولة العربية أفرطت في هذا الاحتكار لدرجة أصبحت معه الدولة هي آلة العنف ذاتها، متخلية عن وظائفها التوزيعية والاجتماعية الأساسية. والأخطر من ذلك، أن العديد من الأنظمة العربية أدمجت العقلية الأمنية في صلب القضاء والتشريع، فأصدرت قوانين طوارئ استثنائية ظلت سارية لعقود (كما في مصر وسوريا والجزائر)، وقيدت الحريات العامة باسم مواجهة إرهاب أو أخطار خارجية، مما جعل المواطن يعيش في حالة من الترقب الدائم لا من حالة الأمان والاطمئنان. هذا "التغول الأمني" لم يقتصر على الجانب السياسي، بل امتد إلى الاقتصاد والمجال الاجتماعي، حيث أصبح الحصول على وظيفة أو ترقية أو حتى رخصة بسيطة مرهوناً بموافقات أمنية تمس الحياة الخاصة، وبذلك تحولت الدولة من حامية للحقوق إلى وصية عليها ومصادرة لها.
ثانياً: أزمة الشرعية وغياب آليات المحاسبة: "الملكيات الجمهورية" وإفراغ المؤسسات من مضمونها
إذا كانت العوامل التاريخية الأمنية قد شكلت البنية الصلبة للدولة، فإن العامل الثاني والأكثر حسماً في تفسير فجوة التمثيل يتمثل في الأزمة العميقة للشرعية السياسية. فالنظام السياسي، أي نظام، يحتاج إلى شرعية يقبل بها المحكومون، وهذه الشرعية في العصر الحديث لم تعد تستند إلى شرعية دينية أو قبلية أو كارزمية فقط، بل صارت ترتكز بالدرجة الأولى على التفويض الشعبي الدوري، أي على قدرة المواطن على اختيار ممثليه ومحاسبتهم وإقالتهم عبر صناديق اقتراع نزيهة وشفافة.
غير أن الوقائع في العالم العربي تشير إلى هشاشة بالغة، إن لم نقل انعداماً، لهذا المبدأ. فغالبية الأنظمة العربية، وإن كانت تتبنى دساتير تنص على أشكال حكم جمهورية أو ملكية دستورية، إلا أن آليات التداول السلمي للسلطة تظل معلقة أو مشلولة. ففي الجمهوريات العربية، استطاعت النخب الحاكمة تحويل نظام الحكم إلى ما يشبه "الملكيات الجمهورية"، حيث يتم توريث السلطة أو تمريرها ضمن دائرة ضيقة من العائلات أو النخب العسكرية (كما حدث في سوريا ومصر سابقاً، وكذلك في تونس قبل الثورة). كما أن في بعض الدول العربية، يظل التوازن بين دور رئيس الدولة والمؤسسات الدستورية ضبابياً، مما يجعل السلطة الفعلية محصورة في يد المؤسسة الحاكمة وأجهزتها، ويعطل بناء دولة المؤسسات الحديثة.
ومع غياب هذه الشرعية الديمقراطية، تتآكل تلقائياً الإرادة السياسية الداعية إلى التفعيل الحقيقي للإفصاح والمحاسبة. فالمساءلة ليست مجرد أداة قانونية، بل هي روح النظام السياسي الحي؛ وهي تعني أن القرارات العامة تخضع للتدقيق العلني، وأن الموظف العمومي يعرف أنه سيسأل عما بيده من مال وسلطة. لكن في غياب برلمانات تتمتع بسلطات رقابية حقيقية (فالبرلمانات العربية توصف غالباً بأنها "مجالس للتطبيل" لا للتشريع الفاعل)، وفي غياب هيئات مستقلة لمكافحة الفساد، وقضاء عدلي مستقل يحمي الحقوق الفردية والجماعية، تتركز القوة في أيدي الإدارة التنفيذية التي لا تخضع لضوابط رادعة.
تأسست نماذج الحكم هذه على ثقافة سياسية تقوم على "السمع والطاعة"، والتي غذتها الخطابات الدينية والقبلية على السواء، مما أدى إلى تعطيل ظهور فضاء عام مدني نقدي (كما وصفه الفيلسوف يورغن هابرماس). ونتيجة لهذا الفراغ الرقابي، صارت السياسات العامة، بدلاً من أن تكون انعكاساً لمطالب الشارع واحتياجاته الأساسية - من تعليم وصحة وتشغيل - مجرد آلية لتعزيز استمرارية النخبة الحاكمة وتوزيع المغانم على أنصارها المخلصين من رجال الأعمال والمقربين. هذا "الانغلاق السياسي" أنتج مأساة أخلاقية وسياسية؛ إذ تحول المواطن في المخيال الجمعي للنظام من "صاحب حق" إلى "طالب منّة"، ومن "شريك في الوطن" إلى "تابع خاضع"، وهذا ما يفسر فتور المشاركة السياسية وارتفاع مؤشرات اللامبالاة والعزوف عن الانتخابات في العديد من البلدان العربية، حتى في الأوقات التي تتاح فيها فرص انتخابية شكلية.
ثالثاً: التبعية الجيوسياسية وضغوط المحاور الخارجية: عندما تصبح الأولويات الخارجية أضيق من رقبة المواطن
لا يمكن فصل مصير المواطن العربي عن تعقيدات الجغرافيا السياسية لإقليم الشرق الأوسط؛ فالعالم العربي يقع في بؤرة الاهتمام الدولي الدائم، بحكم موقعه الجيواستراتيجي المطل على الممرات المائية الحيوية، وامتلاكه لأكبر مخزونات الطاقة الهيدروكربونية في العالم، واحتضانه للصراعات الإثنية والدينية والمذهبية التي وجدت فيها القوى الكبرى - قديماً وحديثاً - أرضية خصبة للتنافس والتحكم. هذا الواقع جعل الدول العربية، منذ نشأتها، دولاً غير سيادية بالمعنى المطلق، بل دولاً تقع تحت وطأة إملاءات وضغوط خارجية مباشرة أو غير مباشرة، سواء كانت ذات طابع سياسي عسكري (كالاتفاقيات الأمنية والتحالفات العسكرية)، أو اقتصادية (مرتبطة بالديون الخارجية، والإقراض المشروط من مؤسسات بريتون وودز كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي).
إن الإشكال هنا لا يكمن في التأثر بالتطورات الدولية (فجميع دول العالم تتأثر)، بل في طبيعة الاستجابة لهذه الضغوط. ففي كثير من الحالات، وجدت الأنظمة العربية في هذه الضغوط الخارجية "غطاءً سياسياً" يمكن توظيفه داخلياً لقمع المعارضة، وشل الحراك المجتمعي. فعندما يُتهم الناشطون المدنيون بأنهم "عملاء للخارج" أو "أدوات لمشاريع استعمارية جديدة"، يتم تحويل النقد السياسي المشروع إلى جريمة وطنية. هذه الآلية تساهم في إفراغ أي برنامج إصلاحي من مضمونه، وتجعل "الأمن القومي" مرادفاً لـ"موالاة المحاور الدولية المهيمنة".
على سبيل المثال، ارتباط العديد من الدول العربية بعلاقات وثيقة مع القوى الغربية، أو مع القوى الإقليمية المؤثرة، قد يمنحها دعماً مالياً وعسكرياً هائلاً، لكن ثمن ذلك غالباً ما يكون تقديم تنازلات في السياسات الخارجية (كالتطبيع مع إسرائيل، أو المشاركة في تحالفات حربية إقليمية أو دولية)؛ وهي قرارات مصيرية لا يستشار فيها المواطن، بل تفرض عليه كأمر واقع، وقد تتعارض مع قناعاته الوطنية والأخلاقية. وبينما تُصرف الأموال الطائلة على شراء الأسلحة الفتاكة لحماية النظم، تتراجع ميزانيات الصحة والتعليم والبنية التحتية الداخلية.
كذلك، لعبت سياسات الإقراض الدولية، خاصة منذ تسعينيات القرن العشرين، دوراً كبيراً في تحديد خيارات التنمية العربية. برامج التقويم الهيكلي التي فرضتها مؤسسات التمويل الدولية اشترطت خصخصة القطاع العام، وتحرير الأسواق، ورفع الدعم عن السلع الأساسية. وبينما تحمل هذه السياسات عناوين "الكفاءة الاقتصادية" و"الانفتاح"، فإنها في واقع الأمر قوضت الدور الاجتماعي للدولة، وألقت بآثارها السلبية الكارثية على الطبقات المتوسطة والفقيرة، وزادت من احتكار النخب النافذة للثروات الوطنية التي تم بيعها بأسعار بخسة. وهكذا، يظهر المشهد في عين المواطن العربي وكأن حكوماته تغلّب الأجندات الخارجية وإرضاء الدائنين والداعمين الدوليين على حماية وتأمين متطلبات أبنائها، مما يعمق مشاعر الغبن والخذلان ويهدم شرعية الدولة "الحامية" من أساسها.
رابعاً: تآكل العقد الاجتماعي وتأثير الاقتصاد الريعي: ثنائية "لا ضرائب بلا تمثيل" في الميزان العربي
إذا كانت العوامل السابقة تمثل الأطر السياسية والجيوسياسية، فإن البنية الاقتصادية تشكل المادة الصلبة التي تبلورت منها العلاقة بين المواطن والدولة. لا يمكن المبالغة في تقدير دور النمط الاقتصادي السائد في تشكيل طبيعة هذا الرباط؛ إذ إن العقد الاجتماعي بالمعنى الحديث - الذي صاغه الفلاسفة أمثال روسو وهوبز - يقوم على مقايضة ضمنية: المواطن يتخلى عن جزء من حريته ويدفع الضرائب، وفي المقابل تحميه الدولة وتوفر له الخدمات العامة.
هذا المبدأ الفلسفي له تجسيد سياسي عميق، تلخصه العبارة التاريخية الشهيرة التي انطلقت من الثورة الأمريكية: "لا فرض للضرائب بدون تمثيل". فهذه المقولة ليست مجرد شعار، بل هي قانون ذهبي يحكم ديناميكية أي نظام ديمقراطي؛ حيث أن دافع الضريبة يصبح بالضرورة رقيباً على الإنفاق العام، ومطالباً بكشف الحسابات.
غير أن الواقع العربي ينقسم أمام هذا المبدأ إلى نموذجين متناقضين، لكنهما يفضيان إلى النتيجة ذاتها من حيث تهميش المواطن:
النموذج الريعي (دول النفط والغاز): في هذه الدول، تحصل الدولة على إيراداتها الضخمة من بيع الموارد الطبيعية، لا من جيوب المواطنين. وهذه الميزة، وإن كانت تبدو محفزاً للرخاء، إلا أنها تفصل الدولة اقتصادياً عن المجتمع؛ فهي لا تحتاج إلى فرض ضرائب كبيرة على الأفراد والشركات لتمويل ميزانيتها. وعليه، تسقط تاريخياً المطالبة الشعبية بالتمثيل الفاعل، لأن المواطن يفتقر إلى أقوى أداة ضغط سياسي يملكها أي مواطن في العالم، وهي: "أنا أدفع، فأنا أقرر". وبدلاً من أن يكون المواطن شريكاً في تمويل مشروعات التنمية، يصبح متلقياً للإعانات الحكومية أو العطايا الخاصة ، مما يحوله تدريجياً من "مواطن منتج" إلى "مواطن متلقٍ مستهلك"، وترسخ ثقافة التبعية المالية التي تضعف روح المبادرة، وتقلص مساحة المطالبة بالحقوق.
النموذج غير الريعي (دول ذات موارد محدودة وتعتمد على الزراعة أو الصناعة الخفيفة والسياحة): في هذه البلدان، قد تكون الضرائب موجودة، لكنها لا تترجم إلى تمثيل حقيقي. فالفساد الإداري والمالي، والمحسوبية، وتركز الثروة في أيدي نخب اقتصادية موالية للسلطة تؤدي إلى تفاقم الفوارق الطبقية بشكل كبير. وتتفاقم الأزمة هنا مع انكماش دور الدولة في الرعاية الاجتماعية، وتلاشي الطبقة الوسطى التي تُعتبر صمام الأمان لأي مجتمع مدني وسياسي مستقر. فمع مرور الوقت، تتآكل القدرة الشرائية للفرد، وتنخفض جودة الخدمات العمومية، ويهاجر الشباب الباحث عن فرص عمل إلى الخارج، بينما تبقى النخب المستفيدة من شبكات الفساد تحاصر مفاصل الاقتصاد.
وهكذا، سواء في النموذج الأول أو الثاني، تكون المحصلة النهائية واحدة: السياسات الاقتصادية تخضع لمصالح الأوليغارشية (حكم الأقلية) الحاكمة، وتُصنع القرارات المالية خلف أبواب موصدة، مما يجعل المواطن العربي يعيش في حالة من انعدام الأمان الاقتصادي الدائم؛ فهو لا يملك وسيلة قانونية أو مؤسسية للاحتجاج على توزيع الثروة، ولا يجد من يدافع عن حقه في العيش الكريم، لأن أدوات الحماية (القضاء، النقابات، البرلمان) إما مشلولة وإما تابعة.
خاتمة: نحو تجاوز الانسداد البنيوي ومشروع عقد اجتماعي جديد
بعد هذا التفكيك الموجز لعوامل الفجوة المتفاقمة بين المواطن والدولة في العالم العربي، يمكننا القول إن الإشكال المركب المتمثل في غياب التمثيل الحقيقي وانعدام الحماية الشاملة هو نتاج محتوم لتضافر أربعة عناصر هيكلية: الإرث الاستعماري الذي شوه مؤسسات الضبط، والفراغ السياسي الناتج عن غياب الشرعية الديمقراطية والتداول السلمي، والضغوط الجيوسياسية التي أجهضت السيادة الوطنية في كثير من الملفات المصيرية، وأخيراً البنية الاقتصادية الريعية التي أسقطت مبدأ "التمثيل مقابل الضرائب" وأغرقت المجتمع في هشاشة معيشية مزمنة.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في تشخيص هذه الأدواء، بل في تجاوز حالة "الجمود الفكري" التي تتعامل مع هذه الوقائع كأنها قدر محتوم. فالتاريخ ليس خطاً مستقيماً نحو الاستبداد، بل هو ساحة صراع تتغير فيها موازين القوى. ولعل أبرز مؤشرات الأمل في الوقت الراهن هي الحراك الفكري والمجتمعي المتصاعد الذي يقوده جيل جديد من الشباب والمثقفين والناشطين في مختلف أنحاء المنطقة. هذا الجيل، الذي ولد في عصر الثورة الرقمية وانفجار المعلومات، لم يعد محصوراً في أطر الأيديولوجيات التقليدية الضيقة - سواء القومية أو الدينية، التي أخفقت في تقديم نموذج حكم بديل عملي. إنه جيل يتجاوز هذه الأطروحات المستنفدة، ويرفض المقولات الجاهزة، ويمتلك أدوات معرفية وتكنولوجية تمكنه من كسر احتكار الدولة للمعلومة، وتنظيم صفوفه خارج المؤسسات التقليدية المغلقة.
إن جوهر المطلوب اليوم هو العودة إلى صياغة "العقد الاجتماعي" من جديد؛ ولكن هذه الصياغة يجب ألا تكون سطحية أو شكلية. العقد الجديد لا يمكن أن يقوم على "المنّة" أو "الخوف"، بل يجب أن ينبني على دعائم صلبة:
دولة القانون والمؤسسات: بدلاً من دولة الأشخاص والهويات الطائفية، حيث يكون القضاء مستقلاً، وتخضع الإدارة للقانون لا للمزاج، وتكون الهوية الوطنية الجامعة هي الإطار الوحيد للانتماء السياسي.
مواطنة كاملة ومتكافئة: حيث يندمج الجميع في الحقوق والواجبات دون تمييز ديني أو عرقي أو جندري، وتكون المشاركة في الشأن العام ممارسة يومية وليست استثناءً طارئاً.
حماية اقتصادية واجتماعية شاملة: لا تعني الحماية هنا بناء جيوش جبارة فقط، بل تعني الأمن الغذائي، والضمان الصحي، والتعليم النوعي، وسوق عمل عادلة تكافح الفساد، وتحمي المواطن من تقلبات الأسواق وتغول رأس المال المحتكر.
إن إعادة بناء هذه العلاقة ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب إرادة تاريخية جماعية، وإقداما على مراجعة ذاتية جريئة من قبل النخب الحاكمة والمجتمع المدني على حد سواء. فالدولة التي تستمد شرعيتها وحمايتها من الشعب، وإليه تعود في السراء والضراء، ليست مجرد حل مثالي؛ بل هي الضمانة الوحيدة لاستقرار المنطقة واستعادة الثقة المفقودة.
وإذا كان الطريق إليها طويلاً وشائكاً، فإن الإصرار على سلوكه هو الفعل السياسي الأكثر عمقاً الذي يمكن أن يقدمه المواطن العربي في عصر تتلاشى فيه الحدود بين الداخلي والخارجي، وتتحطم فيه كل الأصنام السياسية التي طالما راهنت على استمرارية التبعية والصمت.






