أعاد اعتماد المندوبية السامية للتخطيط لمنهجية إحصائية جديدة في قياس سوق الشغل فتح نقاش يتجاوز الأرقام في حد ذاتها، ليطال طبيعة المعرفة العمومية، وحدود توظيفها في صناعة القرار، وأثرها في تشكيل البيئة السياسية قبيل الاستحقاقات الانتخابية. فالإشكال لا يتعلق بمشروعية تحديث المنهجيات، وهو أمر تقتضيه المعايير العلمية وتطور أدوات القياس، وإنما يتعلق بكيفية الحفاظ على استقرار المؤشرات وقابليتها للمقارنة، حتى لا يتحول تغيير أدوات القياس إلى مصدر للالتباس في تقييم السياسات العمومية.
إن إعادة بناء السلاسل الإحصائية الخاصة بالفترة 2017-2025 بأثر رجعي تجعل المقارنة مع المؤشرات السابقة أكثر تعقيداً، وهو ما يطرح سؤالاً حول كيفية تقييم الحصيلة الحكومية التي استندت، طوال تلك المرحلة، إلى مرجعيات إحصائية مختلفة. فالثقة في الإحصاء الرسمي لا تقوم فقط على سلامة المنهجية، بل أيضاً على وضوح الانتقال بين المناهج، وإتاحة أدوات تسمح بفهم أثر هذا الانتقال على النتائج.
غير أن النقاش يزداد عمقاً إذا وضعنا هذه المعطيات في سياق تعدد التقارير العمومية. فالخطاب الملكي استند، في تشخيصه للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إلى تقرير والي بنك المغرب، بما يعكس أهمية المؤشرات النقدية والمالية في رسم التوجهات الاستراتيجية للدولة، بينما تقدم المندوبية السامية للتخطيط معطياتها باعتبارها مرجعاً للحكومة في تتبع السياسات العمومية. ولا يعني ذلك وجود تعارض مؤسسي، بقدر ما يبرز الحاجة إلى انسجام أكبر بين المؤسسات المنتجة للمعرفة العمومية، حتى لا تتحول تعددية التقارير إلى تعددية في السرديات يصعب على الرأي العام التوفيق بينها.
فالرهان الحقيقي ليس تسجيل نسب نمو أو الإعلان عن انخفاض معدل البطالة، وإنما معرفة ما إذا كان ذلك قد انعكس فعلاً على مستوى التنمية، وعلى خلق فرص شغل كافية ولائقة، وعلى تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. فالبطالة، في جوهرها، ليست مجرد مسألة تتعلق برغبة الأفراد في العمل أو بطريقة تصنيفهم إحصائياً، بل ترتبط أساساً بقدرة الاقتصاد على توفير مناصب شغل تستجيب لحاجيات المجتمع. ولذلك، فإن أي تحسن في المؤشرات يبقى محدود الدلالة إذا لم يجد المواطن أثره في حياته اليومية.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل الخطاب الاقتصادي عن محيطه الدولي. فالدول تتفاعل مع المؤسسات المالية الدولية، والأسواق، ووكالات التصنيف، وشبكات التمويل والاستثمار، وهو ما يجعل القرار الاقتصادي يتأثر أيضاً باعتبارات تتجاوز المجال الوطني. غير أن هذا التفاعل ينبغي أن يحافظ على توازن دقيق بين متطلبات المصداقية الخارجية ومقتضيات الشرعية الاجتماعية الداخلية، حتى لا تتحول المؤشرات إلى أداة لطمأنة الفاعلين الدوليين أكثر من كونها مرآة للواقع الوطني.
ومن هنا يبرز مفهوم "أمننة الطمأنة العمومية"، أي عندما تصبح إدارة الثقة والاطمئنان هدفاً قائماً بذاته، ويغلب منطق بناء السردية على منطق معالجة الأسباب البنيوية للاختلالات. فالطمأنة، في الدولة الحديثة، تكتسب مشروعيتها عندما تكون ثمرة إنجازات فعلية، لا مجرد أثر لخطاب أو لتحسن مؤشرات يصعب على المواطنين ملامسة نتائجها في معيشتهم اليومية.
كما يفرض هذا الوضع إعادة التفكير في دور المؤسسات العمومية والاستشارية. فكلما تضخمت مراكز إنتاج التقارير وتعددت المرجعيات دون تنسيق كافٍ، ازداد خطر تضارب القراءات أو توظيف بعضها في السجال الحزبي أو الفئوي، وهو ما قد ينعكس سلباً على الثقة في استقلالية الخبرة العمومية. إن قوة المؤسسات لا تقاس بعدد تقاريرها، وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة موثوقة، ومتناسقة، وقابلة للمساءلة العلمية.
وفي ضوء ذلك، يطرح سؤال سياسي لا يقل أهمية: هل تقود هذه المرحلة إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية على أساس تقييم موضوعي للحصيلة، أم أن المشهد سيتجه نحو إعادة إنتاج التوازنات نفسها بصيغ جديدة؟ لا يمكن الجزم بأي من الاحتمالين، لكن المؤكد أن أي انتقال سياسي حقيقي لا يقاس فقط بتغيير الأغلبية الحكومية، وإنما بمدى تجدد السياسات، وتجدد النخب، وتعزيز آليات المساءلة، وتحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية يشعر بها المواطن.
إن القضية، في نهاية المطاف، ليست قضية أرقام في مواجهة أرقام، ولا تقرير في مواجهة تقرير، وإنما قضية ثقة عمومية. والثقة لا تُبنى بتغيير المنهجيات وحدها، ولا بتعدد السرديات، وإنما بتكامل المؤسسات، وشفافية إنتاج المعرفة، وربط المؤشرات الإحصائية بواقع الإنسان. فحين تتصالح سوسيولوجيا الأرقام مع معيش المواطنين، يصبح النمو تنمية، وتتحول الإحصاءات إلى أداة للتخطيط والمساءلة، لا إلى مادة للجدل السياسي أو للتنافس على احتكار تفسير الواقع .






